حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ قَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ حَدِيثِ حُنَيْنٍ ، حِينَ سَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَارُوا إِلَيْهِ . فَبَعْضُهُمْ يُحَدِّثُ بِمَا لَا يُحَدِّثُ بِهِ بَعْضٌ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ ، جَمَعَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ النَّصْرِيُّ بَنِي نَصْرٍ وَبَنِي جُشْمٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَأَوْزَاعًا مِنْ بَنِي هِلَالٍ ، وَهُمْ قَلِيلٌ ; وَنَاسًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، وَعَوْفِ بْنِ عَامِرٍ ، وَأَوْعَبَتْ مَعَهُ ثَقِيفُ الْأَحْلَافَ ، وَبَنُو مَالِكٍ . ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَاقَ مَعَهُ الْأَمْوَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّ ، فَقَالَ : اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ ، حَتَّى تَعْلَمَ لَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ فَدَخَلَ فِيهِمْ ، فَمَكَثَ فِيهِمْ يَوْمًا أَوِ اثْنَيْنِ .

ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : كَذَبَ . فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ : وَاللَّهِ لَئِنْ كَذَّبْتَنِي يَا عُمَرُ لَرُبَّمَا كَذَّبْتَ بِالْحَقِّ . فَقَالَ عُمَرُ : أَلَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ؟ فَقَالَ : قَدْ كُنْتَ يَا عُمَرُ ضَالًّا فَهَدَاكَ اللَّهُ .

ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَسَأَلَهُ أَدْرَاعًا عِنْدَهُ ; مِائَةَ دِرْعٍ ، وَمَا يُصْلِحُهَا مِنْ عُدَّتِهَا . فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ . ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَائِرًا .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ، وَعَشَرَةِ آلَافٍ كَانُوا مَعَهُ ، فَسَارَ بِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ . وَبِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ : أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ أَقْبَلَ فِيمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ جَمَعَ مِنْ قَبَائِلِ قَيْسٍ وَثَقِيفٍ ، وَمَعَهُ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ ؛ شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي شِجَارٍ لَهُ يُقَادُ بِهِ ، حَتَّى نَزَلَ النَّاسُ بِأَوْطَاسٍ .

فَقَالَ دُرَيْدٌ حِينَ نَزَلُوهَا فَسَمِعَ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ وَيُعَارَ الشَّاءِ وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ : بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا بِأَوْطَاسٍ . فَقَالَ : نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ ؛ لَا حَزْنٌ ضَرِسٌ ، وَلَا سَهْلٌ دَهِسٌ ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ وَيُعَارَ الشَّاءِ ؟ قَالُوا : سَاقَ مَالِكٌ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ . قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ فَدُعِيَ ، فَقَالَ : يَا مَالِكُ ، إِنَّكَ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ ، فَمَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَسُوقَ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ .

فَأَنْفَضَ بِهِ دُرَيْدٌ وَقَالَ : يَا رَاعِيَ ضَأْنٍ وَاللَّهِ ؛ وَهَلْ يَرُدُّ وَجْهَ الْمُنْهَزِمِ شَيْءٌ ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَا يَنْفَعُكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، فَارْفَعِ الْأَمْوَالَ وَالنِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ إِلَى عُلْيَا قَوْمِهِمْ وَمُمْتَنِعِ بِلَادِهِمْ . ثُمَّ قَالَ دُرَيْدٌ : وَمَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ ؟ فَقَالُوا : لَمْ يَحْضُرْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ . فَقَالَ : غَابَ الْحَدُّ وَالْجَدُّ ، لَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَكِلَابٌ وَلَوَدِدْتُ لَوْ فَعَلْتُمْ فِعْلَهَا ، فَمَنْ حَضَرَهَا ؟ قَالُوا : عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ ، فَقَالَ : ذَانِكَ الْجَذَعَانِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ .

فَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا رَأْيٌ ، فَقَالَ : إِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ وَكَبُرَ عِلْمُكَ ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّ يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ ، أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي . فَقَالُوا : أَطَعْنَاكَ . ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ لِلنَّاسِ : إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ ، ثُمَّ شُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ .

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا نُغْلَبُ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ . فَانْتَهَوْا إِلَى حُنَيْنٍ ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالتَّعْبِئَةِ ، وَوَضَعَ الْأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ فِي أَهْلِهَا ، وَرَكِبَ بَغْلَتَهُ وَلَبِسَ دِرْعَيْنِ وَالْمِغْفَرَ وَالْبَيْضَةَ . فَاسْتَقْبَلَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ شَيْءٌ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ مِنَ السَّوَادِ وَالْكَثْرَةِ ، وَذَلِكَ فِي غَبَشِ الصُّبْحِ .

وَخَرَجَتِ الْكَتَائِبُ مِنْ مَضِيقِ الْوَادِي وَشِعْبِهِ ، فَحَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً ، فَانْكَشَفَتْ خَيْلُ بَنِي سُلَيْمٍ مُوَلِّيَةً ، وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ ، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَا أَنْصَارَ اللَّهِ ، وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ : عَمُّهُ الْعَبَّاسُ ؛ وَابْنُهُ الْفَضْلُ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَخُوهُ رَبِيعَةُ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ .

وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ عُثْمَانَ ، أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا ، فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُمْ ، فَقَالَ : وَيْلَكُمُ مَا شَأْنُكُمْ ؟ فَقَالُوا : أَتَانَا رِجَالٌ بِيضٌ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ ، فَوَاللَّهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى . فَمَا رَدَّهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ . مُنْقَطِعٌ .

وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ : لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَزَلَتْ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ ، أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً ، فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ فَارِسٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِذ أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ ، بِظَعْنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمُ ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ .

فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَارْكَبْ .

فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ ، وَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبِ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ . فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا . فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَيَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ : أَبْشِرُوا ، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ .

فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِي حَاجَةً . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَوْجَبْتَ ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلْ بَعْدَهَا .

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَرَجَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَسَبَقَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا ، فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي وَأَحْنَائِهِ ، وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، فَانْحَطَّ بِهِمْ فِي الْوَادِي فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ . فَلَمَّا انْحَطَّ النَّاسُ ثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ لَا يُقْبِلُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ الْيَمِينِ يَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، هَلُمُّوا ، إِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .

فَلَا يَنْثَنِي أَحَدٌ ، وَرَكِبَتِ الْإِبِلُ بَعْضَهَا بَعْضًا . فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ النَّاسِ ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَرَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ ، وَثَبَتَ مَعَهُ عَلِيٌّ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، وَرَبِيعَةُ ؛ ابْنَا الْحَارِثِ ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَيْمَنُ بْنُ أَمِّ أَيْمَنَ ، وَأُسَامَةُ ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . قَالَ : وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ أَمَامَ هَوَازِنَ ، إِذَا أَدْرَكَ النَّاسَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ ، وَإِذَا فَاتَهُ النَّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَيَتَّبِعُوهُ .

فَلَمَّا انْهَزَمَ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ : لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبُحُورِ . وَإِنَّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : سَارَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى حُنَيْنٍ ، وَإِنَّهُ لَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ ، وَإِنَّ الْأَزْلَامَ الَّتِي يَسْتَقْسِمُ بِهَا فِي كِنَانَتِهِ .

قَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْدَرِيُّ : الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي - وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ - الْيَوْمَ أَقْتُلُ مُحَمَّدًا . قَالَ : فَأَدَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ لِأَقْتُلَهُ ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّى فُؤَادِي ، فَلَمْ أُطِقْ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ . وَحَدَّثَنِي عَاصِمٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مِنَ النَّاسِ مَا رَأَى قَالَ : يَا عَبَّاسُ ، اصْرُخْ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ .

فَأَجَابُوا : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ . فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَذْهَبُ لِيَعْطِفَ بَعِيرَهُ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ مِنْ عُنُقِهِ ، وَيَؤُمُّ الصَّوْتَ ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مِائَةٌ . فَاسْتَعْرَضُوا النَّاسَ ، فَاقْتَتَلُوا .

وَكَانَتِ الدَّعْوَةُ أَوَّلَ مَا كَانَتْ لِلْأَنْصَارِ ، ثُمَّ جُعِلَتْ آخِرًا بِالْخَزْرَجِ ، وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ ، وَأَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكَائِبِهِ ؛ فَنَظَرَ إِلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ فَقَالَ : الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ إِلَّا وَالْأُسَارَى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ . فَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَانْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ ، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ .

وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَقَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ ، فَخَرَجَ مَعَهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَمْ يَتَغَادَرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، رُكْبَانًا وَمُشَاةً ؛ حَتَّى خَرَجَ النِّسَاءُ مُشَاةً ، يَنْظُرُونَ وَيَرْجُونَ الْغَنَائِمَ ، وَلَا يَكْرَهُونَ الصَّدْمَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ . وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ ، جَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ كُلَمَّا سَقَطَ تُرْسٌ أَوْ سَيْفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، نَادَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطُونِيهِ أَحْمِلْهُ ، حَتَّى أَوْقَرَ جَمَلَهُ . قَالَا : فَلَمَّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ ، اعْتَزَلَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةَ ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَرَاءَ تَلٍّ ، يَنْظُرُونَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ .

وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْبَلَ الصُّفُوفَ ؛ فَأَمَرَهُمْ ، وَحَضَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ . فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ : لَقَدْ حَزَرْتُ مَنْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَدْبَرَ النَّاسُ فَقُلْتُ مِائَةَ رَجُلٍ .

وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى صَفْوَانَ ، فَقَالَ : أَبْشِرْ بِهَزِيمَةِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَجْتَبِرُونَهَا أَبَدًا . فَقَالَ : أَتُبَشِّرُنِي بِظُهُورِ الْأَعْرَابِ ؟ فَوَاللَّهِ لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَبٍّ مِنَ الْأَعْرَابِ . ثُمَّ بَعَثَ غُلَامًا لَهُ فَقَالَ : اسْمَعْ لِمَنِ الشِّعَارُ ؟ فَجَاءَهُ الْغُلَامُ فَقَالَ : سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ : يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ ، يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ .

فَقَالَ : ظَهَرَ مُحَمَّدٌ . وَكَانَ ذَلِكَ شِعَارُهُمْ فِي الْحَرْبِ . وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا غَشِيَهُ الْقِتَالُ قَامَ فِي الرِّكَابَيْنِ ، وَيَقُولُونَ : رَفْعَ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَدْعُوهُ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْنَا ، وَنَادَى أَصْحَابَهُ : يَا أَصْحَابَ الْبَيْعَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، اللَّهَ اللَّهَ ، الْكَرَّةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ ، وَيُقَالُ : قَالَ : يَا أَنْصَارَ اللَّهِ وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ ، يَا بَنِي الْخَزْرَجِ ، وَأَمَرَ مَنْ يُنَادِيهِمْ بِذَلِكَ .

وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ فَحَصَبَ بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ ، وَنَوَاحِيهِمْ كُلَّهَا ، وقَالَ : شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ سِرَاعًا ، وَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، وَفَرَّ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ حَتَّى دَخَلَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ . وَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، حِينَ رَأَوْا نَصْرَ اللَّهِ رَسُولَهُ . مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُقْبَةَ .

وَلَيْسَ عِنْدَ عُرْوَةَ قِيَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّكَابَيْنِ ، وَلَا قَوْلُهُ : يَا أَنْصَارَ اللَّهِ .

موقع حَـدِيث