حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ الْبَرَاءُ : فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ ، فَأَقَمْنَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ . ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْفِلَ خَالِدًا ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَمَّمَ مَعَ خَالِدٍ أَحَبَّ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَ عَلِيٍّ فَلْيُعَقِّبْ مَعَهُ .

فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَ عَلِيٍّ . فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْقَوْمِ خَرَجُوا إِلَيْنَا ، فَصَلَّى بِنَا عَلِيٌّ ، ثُمَّ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ جَمْعًا . فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ ، السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ .

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَبْعَثُنِي وَأَنَا شَابٌّ أَقْضِي بَيْنَهُمْ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ ؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ . وَقَالَ شُعْبَةُ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبِشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَمِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا . وَفِي الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ ، مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَرْضِ قَوْمِي . قَالَ : فَجِئْتُهُ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْأَبْطَحِ .

قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . فَقَالَ : أَحَجَجْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : كَيْفَ قُلْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِكَ .

فَقَالَ : أَسُقْتَ هَدْيًا ؟ قُلْتُ : لَمْ أَسُقْ هَدْيًا . قَالَ : فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَاسْعَ ثُمَّ حِلَّ فَفَعَلْتُ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

أَمَّا مُعَاذٌ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا ، الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا وَيُعْلِّمُهُمُ السُّنَّةَ وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ ، فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَعَهْدًا وَأَمَرَهُ فِيهِ أَمْرَهُ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ . أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ . فَ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ .

وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقَّ كَمَا أَمَرَهُ ، وَأَنْ يُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْخَيْرِ ، وَيَأْمُرَهُمْ بِهِ ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِيهِ ، وَلَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ أَحَدٌ ؛ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ، وَيُخْبِرَ النَّاسَ بِالَّذِي لَهُمْ ، وَالَّذِي عَلَيْهِمْ ، وَيَلِينَ لَهُمْ فِي الْحَقِّ ، وَيَشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي الظُّلْمِ ، فَإِنَّ اللَّهَ كَرِهَ الظُّلْمَ وَنَهَى عَنْهُ ، وَقَالَ : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وَيُبَشِّرَ النَّاسَ بِالْجَنَّةِ وَبِعَمَلِهَا ، وَيُنْذِرَ النَّاسَ مِنَ النَّارِ وَعَمَلِهَا ، وَيَسْتَأْلِفَ النَّاسَ حَتَّى يَفْقَهُوا فِي الدِّينِ ، وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَعَالِمَ الْحَجِّ وَسُنَنَهُ وَفَرَائِضَهُ ، وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَالْحَجَّ الْأَكْبَرَ وَالْحَجَّ الْأَصْغَرَ ؛ فَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ . وَيَنْهَى النَّاسَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ صَغِيرٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا فَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ ، وَيَنْهَى أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُفْضِيَ إِلَى السَّمَاءِ بِفَرْجِهِ . وَلَا يَعْقِدْ شَعْرَ رَأْسِهِ إِذَا عَفَّى فِي قَفَاهُ .

وَيَنْهَى النَّاسَ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ هَيْجٌ أَنْ يَدْعُوا إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . فَمَنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَدَعَا إِلَى الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ فَلْيُعْطَفُوا بِالسَّيْفِ حَتَّى يَكُونَ دُعَاؤُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَيَأْمُرَ النَّاسَ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ ; وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَأَرْجُلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَأَنْ يَمْسَحُوا رُؤوسَهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ، وَأُمِرُوا بِالصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالْخُشُوعِ ، وَأَنْ يُغَلِّسَ بِالصُّبْحِ ، وَيُهَجِّرَ بِالْهَاجِرَةِ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ فِي الْأَرْضِ مُدْبِرَةٌ ، وَالْمَغْرِبِ حِينَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ ، لَا تُؤَخَّرُ حَتَّى تَبْدُوَ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ ، وَالْعَشَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ . وَأَمَرَهُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ إِذَا نُودِيَ بِهَا ، وَالْغُسْلِ عِنْدَ الرَّوَاحِ إِلَيْهَا .

وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَغَانِمِ خُمْسَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَقَارِ فِيمَا سَقَى الْغَيْلُ وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ، وَفِيمَا سَقَتِ الْغَرْبُ فَنِصْفُ الْعُشْرِ ، ثُمَّ ذَكَرَ زَكَاةَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، مُخْتَصَرًا . قَالَ : وَعَلَى كُلِّ حَالِمٍ ، ذِكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عَرْضَهُ مِنَ الثِّيَابِ . فَمَنْ أَدَّى ذَلِكَ كَانَ لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ .

وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جِدِّهِ ، نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا ; بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ ، وَنَقْصٍ عَمَّا ذَكَرْنَا فِي السُّنَنِ . وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ حُمَيْدٍ السَّكُونِيِّ : أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصِيهِ ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا تَبْكِ يَا مُعَاذُ ، الْبُكَاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، دَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِهِ ، فَأَرَادَ النَّاسُ مَنْعَهُمْ .

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُمْ فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ ، عَنْ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ ; سِتُّونَ رَاكِبًا ، مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ، مِنْهُمْ : الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ ، صَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ ، وَالَّذِينَ لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ ; وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ . وَالسَّيِّدُ ثَمَالُهُمْ وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمَجْتمَعِهِمْ ; وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ .

وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ ، أَحَدُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ; أَسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ . وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ . وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ .

فَلَمَّا تَوَجَّهُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجْرَانَ ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ ، يُقَالُ لَهُ : كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ ; يُسَايِرُهُ ، إِذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ ، فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ : تَعِسَ الْأَبْعَدُ ; يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ : بَلْ أَنْتِ تَعِسْتَ . فَقَالَ لَهُ : لِمَ يَا أَخِي ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ .

قَالَ لَهُ كُرْزٌ : فَمَا يَمْنَعُكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا ؟ قَالَ : مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ; شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا ، وَقَدْ أَبَوْا إِلَّا خِلَافَهُ ، وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى . فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : اجْتَمَعَتْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنَازَعُوا ، فَقَالَتِ الْأَحْبَارُ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا يَهُودِيًّا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى : مَا كَانَ إِلَّا نَصْرَانِيًّا .

فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ الْقُرَظِيُّ : أَتُرِيدُ مِنَّا يَا مُحَمَّدُ أَنْ نَعْبُدَكَ كَمَا تَعْبُدُ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ : الرِّبِّيسُ : وَذَلِكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُو ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَقَالَ إِسْرَائِيلُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ; وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَا ؛ حُذَيْفَةَ بَدَلَ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّ السَّيِّدَ وَالْعَاقِبَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَهُمَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : لَا تُلَاعِنْهُ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنْتَهُ لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا . قَالُوا لَهُ : نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ ، فَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا ، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا .

فَقَالَ : لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُهُ . فَقَالَ : قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَلَمَّا قَامَ قَالَ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ . وَقَالَ إِدْرِيسُ الْأَوْدِيُّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ .

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى نَجْرَانَ ، فَقَالُوا فِيمَا قَالُوا : أَرَأَيْتَ مَا تَقْرَءُونَ يَا أُخْتَ هَارُونَ وَقَدْ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ ؟ قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : أَفَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ ، أَوْ جُمَادَى الْأُولَى ، سَنَةَ عَشْرٍ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ، ثَلَاثًا .

فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ ، فَبَعَثَ الرُّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ وَيَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَيَقُولُونَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا . فَأَسْلَمَ النَّاسُ ، فَأَقَامَ خَالِدٌ يُعْلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ . ثُمَّ قَدِمَ وَفْدُهُمْ مَعَ خَالِدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ أَعْيَانِهِمْ : قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذُو الْغُصَّةِ ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجَّلِ .

قَالَ : فَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَيْسًا . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ ، بَعْدَ أَنْ وَلَّى وَفْدُهُمْ ، عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ لِيُفَقِّهَهُمْ وَيُعَلِّمَهُمُ السُّنَّةَ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُمْ صَدَقَاتِهِمْ .

موقع حَـدِيث