فَصْلٌ فِي مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
) ) [ الْبَقَرَةِ ] الْآيَةَ . وَنَزَلَتْ : ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ( 90 ) ) [ الْبَقَرَةِ ] . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ : قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ : اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَنَسْأَلَهُ ، فَقَالَ الْآخَرُ : لَا تَقُلْ نَبِيٌّ ، فَإِنَّهُ إِنْ سَمِعَكَ تَقُولُ نَبِيٌّ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ .
فَانْطَلَقَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَاهُ عَنْ قَوْلِهِ : تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ . قَالَ : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْحَرُوا ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ فَيَقْتُلَهُ ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا ، وَلَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ ، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً - شَكَّ شُعْبَةُ - وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ . فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ .
قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا ؟ قَالَا : إِنَّ دَاوُدَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ ، وَنَحْنُ نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ . وَقَالَ عَفَّانُ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَ نَبِيَّهُ لِإِدْخَالِ رِجَالٍ الْجَنَّةَ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنِيسَةً فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ ، وَإِذَا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى صِفَتِهِ أَمْسَكَ ، وَفِي نَاحِيَتِهَا رَجُلٌ مَرِيضٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ ؟ فَقَالَ الْمَرِيضُ : إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأَمْسَكُوا . ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَحْبُو حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ ، وَقَالَ : ارْفَعْ يَدَكَ ، فَقَرَأَ ، حَتَّى أَتَى عَلَى صِفَتِهِ ، فَقَالَ : هَذِهِ صِفَتُكَ ، وَصِفَةُ أُمَّتِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ مَاتَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُوا أَخَاكُمْ . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِكْرَزٍ ، عَنْ وَابِصَةَ - هُوَ الْأَسَدِيُّ - قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ ، فَقَالُوا : إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقُلْتُ : دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ . فَقَالَ : ادْنُ يَا وَابِصَةُ .
فَدَنَوْتُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ ، فَقَالَ : يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ بِمَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ ، أَوْ تَسْأَلُنِي ؟ . فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
قَالَ : فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي وَيَقُولُ : يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، الْبِرُّ : مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ ، سَمِعَ وَابِصَةَ الْأَسَدِيَّ قَالَ : جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ، فَقَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَسْأَلَهُ : جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ؟ قُلْتُ : إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنَّهُ لَلَّذِي جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْهُ . فَقَالَ : الْبِرُّ مَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُكَ ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ ، وَإِنْ أَفْتَاكَ عَنْهُ النَّاسُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْنَا إِلَى الطَّائِفِ ، فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ ، فَقَالَ : هَذَا قَبْرُ أَبِي رُغَالٍ ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٌ ، وَكَانَ مِنْ قَوْمِ ثَمُودَ ، فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَهُ مَنَعَهُ مَكَانَهُ مِنَ الْحَرَمِ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ ، فَدُفِنَ فِيهِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ . قَالَ : فَابْتَدَرْنَاهُ فَاسْتَخْرَجْنَا الْغُصْنَ .