تحقيق حديث القلتين
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ قُلْت : رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ انْتَهَى .
وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، بِلَفْظِ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ وَفِي لَفْظٍ : ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي
لَا يَجْرِي وَهُوَ جُنُبٌ ، فَقَالَ : كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ انْتَهَى .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَأَنْ يُغْتَسَلَ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ انْتَهَى .
وَوَهَمَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ مُقَلِّدًا لِغَيْرِهِ فِي عَزْوِهِ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُسْلِمٍ عَنْ طَلْحَةَ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُوِيَ بَعْضُهُ عَنْ جَابِرٍ ، وَلَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِمٌ لِطَلْحَةَ فِي " كِتَابِهِ " إلَّا خَمْسَةَ أَحَادِيثَ ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا : فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ أَخْرَجَهُ فِي " كِتَابِ الْإِيمَانِ " وَشَارَكَهُ فِيهِ الْبُخَارِيُّ ، ثُمَّ حَدِيثُ : " الصَّلَاةُ إلَى مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ " أَخْرَجَهُ فِي " الصَّلَاةِ " ثُمَّ حَدِيثُ أُهْدِيَ لَنَا طَيْرٌ وَنَحْنُ حُرُمٌ أَخْرَجَهُ فِي " الْحَجِّ " ، ثُمَّ حَدِيثُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ وَحَدِيثُ مَرَرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ أَخْرَجَهُمَا فِي " الْفَضَائِلِ " فَالْمُقَلِّدُ ذَهِلَ ، وَالْمُقَلَّدُ جَهِلَ .
قَوْلُهُ : وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا بَيْنَ الْبَسَاتِينِ ، قُلْت : يُرِيدُ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ حَدِيثَ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ ، وَوُرُودُهُ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَهِيَ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ ، وَالنَّتْنُ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ انْتَهَى .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، انْتَهَى ، وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : إنَّ فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافًا ، فَقَوْمٌ يَقُولُونَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ ، قَالَ : فَتحْصُلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ ، وَلَا عَيْنٌ ، وَلَهُ إسْنَادٌ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ، وَفِيهَا
مَا يُنَجِّي النَّاسُ ، وَالْمَحَايِضُ ، وَالْخَبَثُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ قَالَ قَاسِمٌ : هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي " بَابِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَا يُنَجَّسُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ " وَأَطَالَ فِيهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : لَوْ أَنِّي أَسْقِيكُمْ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُمْ ذَلِكَ ، وَقَدْ وَاَللَّهِ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِيِّ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا إسْنَادٌ حَسَنٌ مَوْصُولٌ ، انْتَهَى .
وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ : إنَّ مَاءَهَا كَانَ جَارِيًا بَيْنَ الْبَسَاتِينِ ، هَذَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي " شَرْحِ الْآثَارِ " عَنْ الْوَاقِدِيِّ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الثَّلْجِيِّ ، عَنْ الْوَاقِدِيِّ ، قَالَ : كَانَتْ بِئْرُ بُضَاعَةَ طَرِيقًا لِلْمَاءِ إلَى الْبَسَاتِينِ ، انْتَهَى .
وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ ، وَمُرْسَلٌ ، وَمَدْلُولُهُ عَلَى جَرَيَانِهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ مَاؤُهَا جَارِيًا لَا يَسْتَقِرُّ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ طَرِيقًا إلَى الْبَسَاتِينِ ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْوَاقِدِيِّ ، وَالْوَاقِدِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يُسْنِدُهُ ، فَضْلًا عَمَّا يُرْسِلُهُ ، وَحَالُ بِئْرِ بُضَاعَةَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، بِخِلَافِ مَا حَكَاهُ ، انْتَهَى .
وَقَوْلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ : وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد ، هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُد رَوَى حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ وَسَكَتَ عَنْهُ ، فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِكَلَامٍ دَلَّ عَلَى تَصْحِيحِهِ لَهُ ، وَتَضْعِيفِهِ لِمَذْهَبِ مُخَالِفِهِ ، فَقَالَ : قَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت : - قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ - عَنْ عُمْقِهَا ؟ فَقَالَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إلَى الْعَانَةِ ، فَإِذَا نَقَصَ كَانَ إلَى الْعَوْرَةِ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : وَمَدَدْت رِدَائِي عَلَيْهَا ، ثُمَّ ذَرَعْته ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ بَابَ الْبُسْتَانِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَرَأَيْت فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ، انْتَهَى ، وَجَهِلَ مَنْ عَزَا حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ لِابْنِ مَاجَهْ .