الصعيد الطيب وضوء المسلم
بَابُ التَّيَمُّمِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ قُلْتُ : رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَلَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ انْتَهَى . وَطَوَّلَهُ أَبُو دَاوُد ، قال التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيِّ طَهُورُ الْمُسْلِمِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِهِ بِالطَّرِيقَيْنِ ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي النَّوْعِ الثَّلَاثِينَ ، مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، إذْ لَمْ يَجِدَا لِعَمْرٍو رَاوِيًا غَيْرَ أَبِي قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ ، انْتَهَى . وَبِالطَّرِيقَيْنِ أَيْضًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ به ، وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِلَا شَكٍّ ، إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، وَعَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ : لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ ، فَقَالَ : خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْهُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى خَالِدٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا أَيُّوبُ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي قِلَابَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ رَجُلٍ فَقَطْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، كَقَوْلِ خَالِدٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا أَحَدًا ، فَيَجْعَلُهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، هَذَا كُلُّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى أَيُّوبَ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَجَمِيعُهُ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَلَّلَهُ ، انْتَهَى .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ : وَمِنْ الْعَجَبِ كَوْنُ ابْنِ الْقَطَّانِ لَمْ يَكْتَفِ بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، مَعَ تَفَرُّدِهِ بِالْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَدْ نَقَلَ كَلَامَهُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : هُوَ ثِقَةٌ ، أَوْ يُصَحَّحَ لَهُ حَدِيثٌا انْفَرَدَ بِهِ ؟ وَإِنْ كَانَ تَوَقَّفَ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا أَبُو قِلَابَةَ ، فَلَيْسَ هَذَا : بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ فِي نَفْيِ جَهَالَةِ الْحَالِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُوجِبُ جَهَالَةَ الْحَالِ بِانْفِرَادِ رَاوٍ وَاحِدٍ عَنْهُ بَعْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي تَعْدِيلَهُ ، وَهُوَ تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كِتَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَيَنْبَغِي عَلَى طَرِيقَتِهِ ، وَطَرِيقَةُ الْفِقْهِ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ ، إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ قَوْلِنَا : عَنْ رَجُلٍ ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا : عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا : عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَ ذِكْرَ هَذَا الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ بِالزِّيَادَةِ ، وَيَحْكُمُ بِهَا ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، فَإِنْ كَانَ كُنْيَةً لِعَمْرٍو فَلَا اخْتِلَافَ ، وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ مُخَالِفَةٌ احْتِمَالًا لَا يَقِينًا ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَهِيَ مُخَالِفَةٌ ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي إسْنَادِهَا عَلَى طَرِيقَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمْ يُعَلِّلْ بِهَا ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ انْتَهَى . قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إلَّا مِنْ مُقَدَّمٍ ، وَكَانَ ثِقَةً ، انْتَهَى ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ ، ثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقَدَّمِيُّ بِهِ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ فِي غَنِيمَةٍ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَسَكَتَ ، فَرَدَّدَهَا عَلَيْهِ ، فَسَكَتَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، قَالَ : إنِّي جُنُبٌ ، فَدَعَا لَهُ الْجَارِيَةَ بِمَاءٍ ، فَجَاءَتْهُ بِهِ ، فَاسْتَتَرَ بِرَاحِلَتِهِ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُجْزِئُكَ الصَّعِيدُ ، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ عِشْرِينَ سَنَةً ، فَإِذَا وَجَدْتَهُ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ انْتَهَى .
وَقَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ إلَّا هِشَامٌ ، وَلَا عَنْ هِشَامٍ إلَّا الْقَاسِمُ ، تَفَرَّدَ بِهِ مُقَدَّمٌ ، انْتَهَى ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ مِنْ جِهَةِ الْبَزَّارِ ، وَقَالَ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَهُ عِلَّةٌ ، وَالْمَشْهُورُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، قَالَ : وَالْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْهِلَالُ الْوَاسِطِيُّ يَرْوِي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُقَدَّمُ بْنُ يَحْيَى الْوَاسِطِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَالتَّوْحِيدِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ صَحِيحِهِ مُعْتَمِدًا مَا يَرْوِيه ، انْتَهَى كَلَامُهُ .