أحاديث الإيثار في الاستنجاء وعدمه
( الْحَدِيثُ السَّابِعُ ) : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ قُلْت : رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ ، إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ ، فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ ، وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ ، وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ ، انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَأَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " كُلُّهُمْ بِلَفْظٍ : " وَكَانَ يأمر بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " ، فَلِذَلِكَ عَزَوْنَاهُ لِلْبَيْهَقِيِّ ; لِأَنَّهُ بِلَفْظِ الْكِتَابِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ فِي " مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ ، قِيلَ لَهُ : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ : أَجَل ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ ، أَوْ عَظْمٍ ، انْتَهَى . ج١ / ص٢١٥( حَدِيثٌ آخَرُ ) : بِلَفْظِ الْكِتَابِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُضَرِيُّ ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، ثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ .
قَالَ زَمْعَةُ : فَحَدَّثْت بِهِ ابْنَ طَاوُسٍ ، فَقَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِهَذَا سَوَاءً ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ الْمُضَرِيِّ ، وَهُوَ كَذَّابٌ ، وَغَيْرُهُ يَرْوِيه عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَوْلَهُ
، انْتَهَى . وَمِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ " وَذَكَرَ كَلَامَهُ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " عَنْ حَمَّادِ بْنِ الْجَعْدِ ، ثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنِي خَلَّادٌ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ انْتَهَى .
وَضُعِّفَ حَمَّادُ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ، وَمَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثَهُ
، انْتَهَى . وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَلْيَسْتَطِبْ بِهَا ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ انْتَهَى .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ : فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ وَقَالَ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْتَهَى .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " مِنْ حَدِيثِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ ، عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَمَسَّحْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَافِيهِ انْتَهَى . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْإِمَامِ " : وَاسْتَدَلَّ مِنْ جَوَّزَ الِاسْتِنْجَاءَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، ثَنَا زُهَيْرُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : هَذَا رِكْسٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : الْأَوَّلُ : ادِّعَاءُ الِانْقِطَاعِ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ ، ج١ / ص٢١٦وبين وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " عَنْ ابْنِ الشَّاذَكُونِيِّ ، قَالَ : مَا سَمِعْتُ بِتَدْلِيسٍ قَطُّ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا وَلَا أَخْفَى ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : لَمْ يُحَدِّثْنِي ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنِي ، فَجَازَ الْحَدِيثُ وَسَارَ . ( الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي ) : الِاخْتِلَافُ فِي إسْنَادِهِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَمِعْت أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ فِي حَدِيثِ إسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَنْجَى بِحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ .
فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : اخْتَلَفُوا فِي إسْنَادِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إسحاق ، عن أبي عُبَيْدَةَ ، وَإِسْرَائِيلُ أَحْفَظُهُمْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ ؟ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى حَدِيثَ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهَ ، فَوَضَعَهُ فِي " كِتَابِهِ الْجَامِعِ " ، وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا عِنْدِي حَدِيثُ إسْرَائِيلَ ; لِأَنَّهُ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ . ( الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ ) : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ، فَأَمَرَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ، فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : إنَّهَا رِكْسٌ ائْتِنِي بِحَجَرٍ انْتَهَى .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَابَعَهُ أَبُو شَيْبَةَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ الشَّيْخُ : وَالْجَوَابُ : أَمَّا الْأَوَّلُ : وَهُوَ التَّدْلِيسُ ، فَقَدْ نَبَّهَ الْبُخَارِيُّ عَلَى عَدَمِهِ بَعْدَ مَا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا ، وَاعْتَرَضَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " بِأَنْ قَالَ : وَذِكْرُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ لِسَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لَا يَجْعَلُهُ مُتَّصِلًا ، ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ جِهَةِ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، قَالَ : إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ ، انْتَهَى . قَالَ : وَذِكْرُ الْبُخَارِيِّ لِرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ - لعَضِّدُ - رَفْعَ التَّدْلِيسِ مِمَّا يَقْتَضِي ج١ / ص٢١٧أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي حِيزَ مَنْ يرَجَّحَ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ ، قَالَ سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ، وَوَجْهٌ آخَرُ فِي رَفْعِ التَّدْلِيسِ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ ، بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ عَنْ زُهَيْرٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ الِاخْتِلَافُ ، وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنْ التَّرْجِيحِ لِرِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي زُرْعَةَ ، وَأَبِي عِيسَى ، فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَرَ ذَلِكَ مُتَعَارِضًا ، وَجَعَلَهُمَا إسْنَادَيْنِ ، أَوْ أَسَانِيدَ ، وَمِمَّا يُعَارِضُ كَوْنَ الصَّحِيحِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَوْلُهُ : لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ ، وَهَذَا نَفْيٌ لِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ صَرِيحًا .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ : وَهُوَ زِيَادَةُ " ائْتِنِي بِحَجَرٍ " فَإِنَّ الدَّارَقُطْنِيّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا ، لَمَّا رَوَاهَا ، وَلَا الْبَيْهَقِيُّ ، وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ ، فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلْقَمَةَ شَيْئًا بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْبَيْهَقِيُّ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ " سُنَنِهِ " ، وَسَكَتَ عَنْهُ هُنَا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " بَابِ الدِّيَةُ أَخْمَاسٌ " : إنَّ أَبَا إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّهُ رَآهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِي " الْبُخَارِيِّ " وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " التَّحْقِيقِ " : وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ حَجَرًا ثَالِثًا مَكَانَ الرَّوْثَةِ ، وَبِالِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال ، انْتَهَى . ( الْحَدِيثُ التَّاسِعُ ) : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، وَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . قُلْتُ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حُصَيْنٍ الْحِمْيَرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعْيدِ الْخَيْرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ مُخْتَصَرٌ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " .
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " وَالْحَدِيثُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : " فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ : وَهَذَا الْحَدِيثُ إنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ وِتْرًا ج١ / ص٢١٨بَعْدَ الثَّلَاثِ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، أَمَا تَرَى السَّمَاوَاتِ سَبْعًا ، وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا ، وَالطَّوَافَ ؟ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ ، انْتَهَى . وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنْ صَحَّ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ رَوَاهُ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ بِوِتْرٍ يَكُونُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَدَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُسْتَحَبًّا ; لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَعِنْدَهُمْ لَوْ حَصَلَ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً ، بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ النَّقَاءُ بِالثَّلَاثِ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا ، ثُمَّ حَدِيثُ : " أَمَا تَرَى السَّمَاوَاتِ سَبْعًا " عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوِتْرِ مَا يَكُونُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْوِتْرِ ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ السَّبْعُ بِخُصُوصِهَا لَلَزِمَ بِذَلِكَ وُجُوبُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالسَّبْعِ ; لِأَنَّهَا الْمَأْمُورُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .