مَا جَاءَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ مُؤَذِّنًا
مَا جَاءَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ مُؤَذِّنًا ، فِيهِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ : أَحَدُهُمَا : أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " عَنْ سَلَّامٍ الطَّوِيلِ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا .
قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَالْبَلَاءُ فِيهِ مِنْ سَلَّامٍ ، أَوْ مِنْ زَيْدٍ ، أَوْ مِنْهُمَا ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : سَلَّامٍ مَتْرُوكٌ .
( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) : أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي " الضُّعَفَاءِ " عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُؤَذِّنًا انْتَهَى .
قَالَ فِي " الْإِمَامِ " : وَالْمُعَلَّى هَذَا ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى : هُوَ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ وَوَضْعِ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُهُ مَوْضُوعٌ ، انْتَهَى .
قَالَ فِي " الْإِمَامِ " : لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعْت أَذَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ مَثْنَى مَثْنَى وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ فِي " كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " عَنْ جَمَاعَةٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَةَ ، وَكَذَلِكَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ ، لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي الِاتِّصَالِ بَيْنَ الشَّعْبِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " نَقْلًا عَنْ الْحَاكِمِ ، أَوْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ : الرِّوَايَاتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي هَذَا الْبَابِ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِيمَا بَلَغَنَا ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنَ حَمْزَةَ ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : دَخَلَتْ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي شَهِدَ بَدْرًا ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَلِي مَا شِئْت ، فَسَأَلَتْ ، فَأَعْطَاهَا مَا سَأَلَتْ ، قَالَ الْحَاكِمُ : فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ تُصَرِّحُ بِأَنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ صَاحِبَ الرُّؤْيَا ، وَلَا أَدْرَكَ أَيَّامَهُ ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا مُرْسَلَةً ، وَلِذَلِكَ تَرَكَهَا الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " ، قَالَ الشَّيْخُ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا إرْسَالًا ، فَإِنَّ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَيْسَ فِي طَبَقَةِ مَنْ يَرْوِي عَنْ
عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُشَافَهَةً وَلِقَاءَا ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، فَصَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَبِيهِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، وَفِي " عِلَلِ التِّرْمِذِيِّ الْكَبِيرِ " سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ " يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ " ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي أَخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّةِ الْأَذَانِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ فِي " صَحِيحِهِ " : إنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ ، وَأَيْضًا فَالْبَيْهَقِيُّ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاقِدِيَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ أَبِي بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ .
وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ نَحْوَهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ بِلَالٍ ، وَقَالَ مِثْلُهُ : لَمْ يُسَقْ لَفْظُهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِبْرَاهِيمُ عَنْ بِلَالٍ مُرْسَلٌ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ لَمْ يُدْرِكْ أَذَانَ بِلَالٍ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ ، وَعَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُثَنِّي الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ : سَمِعْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ مَثْنَى وَيُقِيمُ مَثْنَى وَاعْتَرَضَ الْحَاكِمُ بِأَنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ ، وَسُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ لَمْ يُدْرِكَا بِلَالًا وَأَذَانُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ .
قَالَ فِي " الْإِمَامِ " : وَكَوْنُ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَذَانَ بِلَالٍ فِي عَهْدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيحٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَعَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ، وَأَدَّى الزَّكَاةَ لِمُصَدِّقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَفِيهِ نَظَرٌ ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ خُرُوجَ بِلَالٍ إلَى الشَّامِ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ الْقَرَظِ ، قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِلَالٌ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ أَفْضَلَ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَرْبِطَ نَفْسِي فِي سَبِيلِ الله
حَتَّى أَمُوتَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : أَنْشُدُك اللَّهَ ، وَحَقِّي وَحُرْمَتِي ، فَقَدْ كَبُرَ سِنِّي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي ، فَقَامَ بِلَالٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى هَلَكَ ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ أَتَى عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْشُدُك اللَّهَ ، وَحَقِّي ، وَحُبِّي أَبَا بَكْرٍ ، وَحُبِّهِ إيَّايَ ، فَقَالَ بِلَالٌ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، فَقَالَ : إلَى مَنْ أدْفَعُ الْأَذَانُ ؟ فَقَالَ : إلَى سَعْدٍ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ : حَفْصُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : أَذَّنَ بِلَالٌ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَذَّنَ لِأَبِي بَكْرٍ حَيَاتَهُ ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ فِي زَمَانِ عُمَرَ فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يَقْتَضِيَانِ اسْتِمْرَارَ أَذَانِ بِلَالٍ حَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ ، مَعَ أَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَى فِي " سُنَنِهِ " مَا يُخَالِفُ هَذَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، ثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الشَّامِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَكُونُ عِنْدِي ، فَقَالَ : إنْ كُنْت أَعْتَقْتنِي لِنَفْسِك فَاحْتَبِسْنِي ، وَإِنْ كُنْت أَعْتَقْتنِي لِلَّهِ فَذَرْنِي أَذْهَبْ إلَى اللَّهِ ، فَقَالَ : اذْهَبْ ، فَذَهَبَ إلَى الشَّامِ فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ ، وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ ، وَشَرِيكٌ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي " الْمُتَابَعَةِ " ، وَصَحَّحَ لَهُ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " ، وَعِمْرَانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، انْتَهَى كَلَامُهُ فِي " الْإِمَامِ " مُلَخَّصًا .