حديث في تعيين موضع السترة وحديث فادرءوا ما استطعتم
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : قَالَ الْمُصَنِّفُ : وَيَجْعَلُ السُّتْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ ، أَوْ الْأَيْسَرِ ، بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ ، قُلْت : يُشِيرُ إلَى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، عَنْ الْمُهَلَّبِ بْنِ حُجْرٌ ، عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ : مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إلَى عُودٍ ، وَلَا عَمُودٍ ، وَلَا شَجَرَةٍ ، إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ ، أَوْ الْأَيْسَرِ ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا . انْتَهَى .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " وَابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " ، وَأَعَلَّهُ بِالْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : عِنْدَهُ عَجَائِبُ ،
وَأَمَّا ابْنُ الْقَطَّانِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِلَّتَيْنِ : عِلَّةً فِي إسْنَادِهِ ، وَعِلَّةً فِي مَتْنِهِ ، أَمَّا الَّتِي فِي إسْنَادِهِ ، فَقَالَ : إنَّ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَجَاهِيلَ : فَضُبَاعَةُ مَجْهُولَةُ الْحَالِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهَا . وَكَذَلِكَ الْمُهَلَّبُ بْنُ حُجْرٌ مَجْهُولُ الْحَالِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ كَامِلٍ مِنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَمْ تثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الرِّوَايَةِ كَثِيرُ شَيْءٍ ، يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حَالِهِ ، وَأَمَّا الَّتِي فِي مَتْنِهِ ، فَهِيَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ السَّكَنِ رَوَاهُ فِي " سُنَنِهِ " هَكَذَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَلَبِيُّ ، ثَنَا أَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، ثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، ثَنَا الْمُهَلَّبُ بْنُ حُجْرٌ الْبَهْرَانِيُّ ، عَنْ ضُبَيْعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنْ أَبِيهَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى عَمُودٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ شَيْءٍ فَلَا يَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ ، وَلْيَجْعَلْهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ . انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ السَّكَنِ : أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُد من رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، فَغَيَّرَ إسْنَادَهُ وَمَتْنَهُ ، فَإِنَّهُ عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهَا ، وَهَذَا الَّذِي رَوَى بَقِيَّةُ هُوَ عَنْ ضُبَيْعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنْ أَبِيهَا ، وَذَاكَ فِعْلٌ ، وَهَذَا قَوْلٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : فَمَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَتْنِ ، بَقِيَّةُ يَقُولُ : ضُبَيْعَةُ بِنْتُ الْمِقْدَامِ ، وَابْنُ عَيَّاشٍ يَقُولُ : ضُبَاعَةُ بِنْتُ الْمِقْدَادِ ، فَالْوَهَنُ مِنْ حَيْثُ هُوَ اخْتِلَافٌ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، وَمُوَرِّثٌ لِلشَّكِّ فِيمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ الْوَلِيدِ فِي نَفْسِهِ ، وَالْجَهْلُ بِحَالِ مَنْ فَوْقَهُ ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ الْمُهَلَّبَ بْنَ حُجْرٌ ، ذَكَرَهُ بِرِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، وَأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ ، وَأَمَّا ضُبَيْعَةُ بِنْتُ الْمِقْدَامِ فَجَاءَ هُوَ بِأَمْرٍ ثَالِثٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى الِاضْطِرَابِ ، وَالْجَهْلِ بِحَالِ الرُّوَاةِ . انْتَهَى .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ : رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ إلَى عَنَزَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ قُلْت : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ، وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا .
وقَوْلُهُ : وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَهُوَ الْأَظْهَر .
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ قُلْت : تَقَدَّمَ لِأَبِي دَاوُد ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، عَنْ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ
يُصَلِّي ، فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ أَبَى ، فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، نَحْوَهُ سَوَاءً ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " ، بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ : وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَعَهُ شَيْطَانًا يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ ، لَا أَنَّ الرَّجُلَ شَيْطَانٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُصَلُّوا إلَّا إلَى سُتْرَةٍ ، وَلَا يَدَعُ الْمُصَلِّي أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَإِنْ أَبَى ، فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ . انْتَهَى . وَهَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " ، وَزَادَ : يَعْنِي الشَّيْطَانَ . انْتَهَى .
وَقَدْ يُقَالُ : إنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ : وَكُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ ، مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ ، فَهُوَ شَيْطَانٌ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الشِّفَا " : وَقَدْ اسْتَمَرَّ كَلَامُ الْعَرَبِ فِي وَصْفِهِمْ كُلَّ قَبِيحٍ مِنْ شَخْصٍ ، أَوْ غَيْرِهِ بِالشَّيْطَانِ ، قَالَ تَعَالَى : كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ وكَلَامُ الصِّحَاحِ أَخَصُّ مِنْ هَذا ، لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِالْحَيَوَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَم .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : قَالَ الْمُصَنِّفُ : وَيَدْرَأُ بِالْإِشَارَةِ ، كَمَا فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِوَلَدَيْ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْت : رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ هُوَ قَاصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ ، أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، فَقَالَ بِيَدِهِ ، فَرَجَعَ ، فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ بِيَدِهِ ، هَكَذَا ، فَمَضَتْ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هُنَّ أَغْلَبُ . انْتَهَى .
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " مُصَنَّفِهِ " هَكَذَا ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ " : بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ هَذَا لَا أَعْرِفُ مَنْ هُوَ ، فَإِنَّ فِي طَبَقَتِهِ جَمَاعَةً بِاسْمِهِ ، وَأُمُّهُ لَا تُعْرَفُ أَلْبَتَّةَ ، فَالْحَدِيثُ مِنْ أَجْلِهِمَا لَا يُعْرَفُ . انْتَهَى . وَلَمْ أَجِدْ فِي " كِتَابِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَكَلَامُ ابْنِ الْقَطَّانِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ : عَنْ أُمِّه .
وَقَوْلُهُ : وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ لَا أَعْرِفُ مَنْ هُوَ ، فَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، بِقَوْلِهِ : هُوَ قَاصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَفِي " الْكَمَالِ " و " التَهْذِيبِ " أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، فَلْيُنْظَرْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .