مقدار السفر الشرعي وحكم القصر فيه والأحاديث في ذلك
قَوْلُهُ : وَلَا يَزَالُ عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ ، فِي بَلْدَةٍ ، أَوْ قَرْيَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ أَكْثَرَ وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ ، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَالْأَثَرُ فِي مِثْلِهِ كَالْخَبَرِ ، قُلْت : أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمَا ، قَالَا : إذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً ، وَأَنْتَ مُسَافِرٌ ، وَفِي نَفْسِك أَنْ تُقِيمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَكْمِلْ الصَّلَاةَ بِهَا ، وَإِنْ كُنْت لَا تَدْرِي مَتَى تَظْعَنُ ، فَأقْصِرْهَا انْتَهَى .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " مُصَنَّفِهِ " ثَنَا وَكِيعٌ ، ثَنَا عمر بْنُ ذَرٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، كَانَ إذَا أَجْمَعَ عَلَى إقَامَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَتَمَّ الصَّلَاةَ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي
" كِتَابِ الْآثَارِ " : أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إذَا كُنْتَ مُسَافِرًا فَوَطَّنْتَ نَفْسَكَ عَلَى إقَامَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَأَتْمِمْ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي ، فَأقْصِرْ الصَّلَاةَ انْتَهَى .
وَقَدَّرَهَا الشَّافِعِيُّ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، فَإِنْ نَوَاهَا صَارَ مُقِيمًا ، وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ أَنَسٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ ، وَكَانَ صلى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ : قُلْت : كَمْ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا انْتَهَى .
أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، وَلَا يُقَالُ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى السَّفَرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ ، وَاسْتَمَرَّ بِهِمْ ذَلِكَ إلَى عَشْرٍ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمْ نَوَوْا الْإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِأَجْلِ قَضَاءِ النُّسُكِ ، نَعَمْ كَانَ يَسْتَقِيمُ هَذَا لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ فِي قَضِيَّةِ الْفَتْح .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَكَانَ فِي الْفَتْحِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ . وَالْآخَرُ : حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ ، وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي " حَوَاشِيهِ " : حَدِيثُ أَنَسٍ يُخْبِرُ عَنْ مُدَّةِ مُقَامِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَإِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ ، وَبَاتَ بِالْمُحَصَّبِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ اعتمرت عَائِشَةُ مِنْ التَّنْعِيمِ ، ثُمَّ طَافَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَوَافَ الْوَدَاعِ ، سَحَرًا قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ، وَخَرَجَ صَبِيحَتَهُ وَهُوَ الرَّابِعَ عَشَر .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ مُدَّةِ مُقَامِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ زَمَنِ الْفَتْحِ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْخُلَاصَةِ " : وَإِسْنَادُهَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا مُرْسَلَةٍ ضَعِيفَةٍ : خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَهِيَ
أَيْضًا ضَعِيفَةٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ : بِأَنَّ مَنْ رَوَى تِسْعَةَ عَشَرَ ، عَدَّ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ، وَمَنْ رَوَى سَبْعَةَ عَشَرَ ، تَرَكَهُمَا ، وَمَنْ رَوَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، عَدَّ أَحَدَهُمَا ، انْتَهَى .