صفة صلاة الجنازة وما يتعلق بها
قَوْلُهُ : وَالْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا سُنَّةُ الدُّعَاءِ .
قُلْت : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي " الصَّلَاةِ " وَالتِّرْمِذِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ " عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو لَمْ يُمَجِّدْ اللَّهَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجِلَ هَذَا ، ثُمَّ دَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَهُ بِمَا شَاءَ . انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَالْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُخْرِجاهُ . انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ نُسَخَ السُّنَنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذَا اللَّفْظِ : لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ ، وَلَمْ يُمَجِّدْ اللَّهَ ، وَقَوْلُهُ : فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ اللَّهِ وَتَحْمِيدِ اللَّهِ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ عِيَاض فِي " الشِّفَا " سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ : بِتَحْمِيدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا السَّنَدِ : بِتَمْجِيدِ اللَّهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ . انْتَهَى .
قَوْلُهُ : وَالْمَسْبُوقُ لَا يَبْتَدِئُ بِمَا فَاتَهُ ، إذْ هُوَ مَنْسُوخٌ ، قُلْت : رُوِيَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ، فَالْمُسْنَدُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ .
فَحَدِيثُ مُعَاذٍ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ فِي الْأَذَانِ " عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : أُحِيلَتْ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَقَدْ أَعْجَبَنِي أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةً ، حَتَّى لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَبُثَّ رِجَالًا فِي الدُّورِ يُنَادُونَ النَّاسَ لِحِينِ الصَّلَاةِ ، إلَى أَنْ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : أَمَّا إنِّي قَدْ رَأَيْت مِثْلَ الَّذِي رَأَى ، لَكِنْ لَمَّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إذَا جَاءَ يَسْأَلُ ، فَيُخْبَرُ بِمَا سُبِقَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَأَنَّهُمْ قَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلٍّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما .
قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : قَالَ
عَمْرٌو : وَحَدَّثَنِي بِهَا حُصَيْنٌ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، حَتَّى جَاءَ مُعَاذٌ ، فَأَشَاروا إلَيْهِ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إلَّا كُنْت عَلَيْهَا ، قَالَ : فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً ، كَذَلِكَ فَافْعَلُوا مُخْتَصَرٌ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " : قَالَ الْمُزَنِيّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : إنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهَذِهِ السُّنَّةِ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ فِعْلَ مُعَاذٍ ، فَإِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يُسَنُّ ، وَلَيْسَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى غَيْرِهِ . انْتَهَى .
وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " عَنْ الْمُزَنِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ ، سَأَلَهُمْ فَأَوْمَأوا إلَيْهِ بِاَلَّذِي سُبِقَ بِهِ ، فَيَبْدَأُ فيَقْضِيَ مَا سَبَقَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ ، فَجَاءَ مُعَاذٌ ، وَالْقَوْمُ قُعُودٌ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَقَعَدَ ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، قَامَ ، فَقَضَى مَا كَانَ سُبِقَ بِهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَاقْتَدُوا بِهِ ، إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ ، وَقَدْ سُبِقَ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ بِصَلَاتِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ ، فَلْيَقْضِ مَا سُبِقَ بِهِ . انْتَهَى .
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ مُعَاذٍ نَظَرٌ ، تَقَدَّمَ فِي " الْأَذَانِ " .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ : فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ سَأَلَهُم ، فَأَوْمَأوا إلَيْهِ بِاَلَّذِي سُبِقَ بِهِ ، فَيَبْدَأُ ، فَيَقْضِي مَا سُبِقَ بِهِ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ ، فَجَاءَ مُعَاذٌ وَالْقَوْمُ قُعُودٌ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَقَعَدَ ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَامَ ، فَقَضَى مَا كَانَ سُبِقَ بِهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ ، فَاقْتَدُوا بِهِ ، إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْحَدِيثَ . وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا الْمُرْسَلُ : فَلَهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي " مُصَنَّفِهِ " : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَ الرَّجُلُ ، وَقَدْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، أَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ فَصَلَّى مَا فَاتَهُ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى جَاءَ يَوْمًا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَأَشَارَوا إلَيْهِ ، فَدَخَلَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ مَا قَالُوا ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرُوا لَهُ ، فَقَالَ : قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ ، فَاقْبَلُوا . انْتَهَى .
الْوَجْهُ الْآخَرُ : رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : الرَّجُلُ إذَا جَاءَ ، وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ ، سَأَلَ ، فَإِذَا أُخْبِرَ بِشَيْءٍ سُبِقَ بِهِ صَلَّى الَّذِي سُبِقَ بِهِ ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَدَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْأَلْ ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، قَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَضَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً فَاتَّبِعُوهَا . انْتَهَى .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، فَجَعَلَ الْقِصَّةَ فِي مُعَاذٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ
كَذَلِكَ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أن ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ ، فَأَتِمُّوا ، أَوْ فَاقْضُوا . انْتَهَى .
وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَصَلَاةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الصُّبْحَ ، أَخْرَجُوهُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا ، وَفِي لَفْظِ أَحْمَدَ : فَصَلَّيْنَا مَعَهُ الَّتِي أَدْرَكْنَا ، ثُمَّ قَضَيْنَا الَّتِي سَبَقَنَا بِهَا .