الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ الْهِلَالُ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قُلْت : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ ، فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ . انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَفِي لَفْظٍ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَفِي لَفْظٍ : فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمُ شَكٍّ إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ إلَّا تَطَوُّعًا ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ : وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ يَجِبُ صَوْمُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَلَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ ، قَالَ : وَيَوْمُ الشَّكِّ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِأَنْ يَتَقَاعَدَ النَّاسُ عَنْ طَلَبِ الْهِلَالِ ، أَوْ يَشْهَدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ يَرُدُّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ ، وَنُقِلَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَاسْتَدَلَّ لِأَصْحَابِنَا ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ ، بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْمُتَقَدِّمِ : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَالَ فِي صَحِيحِهِ الَّذِي خَرَّجَهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ : تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ آدَمَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، فَقَالَ فِيهِ : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ غُنْدَرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَشَبَّابَةَ ، وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ . كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَد مِنْهُمْ : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَإِنَّمَا قَالُوا فِيهِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آدَم رَوَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِانْفِرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ وَجْهٌ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ رَمَضَانُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ وَلَا يَصِيرُ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَنَا يُؤَوِّلُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ ذِكْرِ شَعْبَانَ ، فَقَالُوا : نَحْمِلُهُ عَلَى مَا إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَهِلَالُ شَوَّالٍ ، فَإِنَّا نَحْتَاجُ إلَى إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ، احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ ، فَإِنَّا وَإِنْ كُنَّا قَدْ صُمْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَلَسْنَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، وَلَكِنَّا صُمْنَاهُ حُكْمًا ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ . الثَّانِي : أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ مُفَسَّرًا : إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ : وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ أَنَّ آدَمَ بْنَ أَبِي إيَاسٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ لِلْخَبَرِ ، فَغَيْرُ قَادِحٍ في صِحَّةِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ اللَّفْظَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ أَحَدَهُمَا ، وَذَكَرَ الرَّاوِي اللَّفْظَ الْآخَرَ بِالْمَعْنَى ، فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ لِلْعَهْدِ أَيْ عِدَّةَ الشَّهْرِ وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَخُصَّ بِالْإِكْمَالِ شَهْرًا دُونَ شَهْرٍ ، إذَا غُمَّ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ ، إذْ لَوْ كَانَ شَعْبَانُ غَيْرَ مُرَادٍ مِنْ هَذَا الْإِكْمَالِ لَبَيَّنَهُ ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِكْمَالِ عَقِيبَ قَوْلِهِ : صُومُوا وَأَفْطِرُوا ، فَشَعْبَانُ وَغَيْرُهُ مُرَادٌ مِنْ قَوْلِهِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ : فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ مُخَالِفَةً لِرِوَايَةِ : فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، بَلْ مُبَيِّنَةٌ لَهَا . أَحَدُهُمَا : أَطْلَقَ لَفْظًا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الشَّهْرِ ، وَالثَّانِي : ذَكَرَ فَرْدًا مِنْ الْأَفْرَادِ ، قَالَ : وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ ، فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ ، فَأَكْمِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ . قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَسِمَاكٌ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ : وَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ : أَنَّ كُلَّ شَهْرٍ غُمَّ أَكْمَلَ ثَلَاثِينَ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْبَانُ ، وَرَمَضَانُ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ رَاجِعًا إلَى الْجُمْلَتَيْنِ ، وَهُمَا قَوْلُهُ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، أَيْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ ، أَوْ فِطْرِكُمْ ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ ، وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ، فَاقْدُرُوا لَهُ انْتَهَى . الْحَدِيثُ الثَّانِي : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ انْتَهَى . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَذَكَرَهُ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، فَذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُرْسَلًا ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ قَالَ فِيهِ : عَنْ حُذَيْفَةَ غَيْرَ جَرِيرٍ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغَيْمَ ، أَوْ عَلَى مَا إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَهِلَالُ شَوَّالٍ ، كَمَا سَبَقَ ، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ : وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنَّ تَسْمِيَةَ حُذَيْفَةَ ، وَهْمٌ مِنْ جَرِيرٍ ، فَظَنَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ هَذَا تَضْعِيفٌ مِنْ أَحْمَدَ لِلْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُرْسَلٍ ، بَلْ مُتَّصِلٌ ، إمَّا عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَإِمَّا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَجَهَالَةُ الصَّحَابِي غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ . انْتَهَى . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ يَصُومُ رَمَضَانَ لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ . انْتَهَى . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَهَذِهِ عَصَبِيَّةٌ مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يَرْضَى مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ : لَيْسَتْ الْعَصَبِيَّةُ مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَإِنَّمَا الْعَصَبِيَّةُ مِنْهُ ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ ثِقَةٌ صَدُوقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ ، فَقَالَ : حَسَنُ الْحَدِيثِ ، صَالِحُ الْحَدِيثِ . وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَلَمْ يَرْوِ شَيْئًا خَالَفَ فِيهِ الثِّقَاتِ ، وَكَوْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ لَا يَرْضَاهُ ، غَيْرُ قَادِحٍ فِيهِ ، فَإِنَّ يَحْيَى شَرْطُهُ شَدِيدٌ فِي الرِّجَالِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : لَوْ لَمْ أَرْوِ إلَّا عَمَّنْ أَرْضَى ، مَا رَوَيْت إلَّا عَنْ خَمْسَةٍ . وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، غَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْهُ فِي رِجَالٍ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصَّحِيحِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ ، كَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، وَغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَم . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ الْأَشْدَقِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ ، قَالَ : أَصْبَحْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ صِيَامًا ، وَكَانَ الشَّهْرُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْنَا ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَصَبْنَاهُ مُفْطِرًا ، فَقُلْنَا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ صُمْنَا الْيَوْمَ ، فَقَالَ : أَفْطِرُوا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُل يَصُومُ هَذَا الْيَوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ; لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ يُتَمَارَى فِيهِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ مِنْهُ يَعْنِي مِنْ رَمَضَانَ قَالَ الْخَطِيبُ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كِفَايَةٌ عَمَّا سِوَاهُ ، وَشَنَّعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَشْنِيعًا كَثِيرًا ، وَقَالَ : إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى ابْنِ جَرَادٍ ، لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَرَخَّصُوا فِي ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نُسْخَةُ يَعْلَى بْنِ الْأَشْدَقِ ، عَنْ ابْنِ جَرَادٍ ، وَهِيَ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ أَحَادِيثُهُ مُنْكَرَةٌ ، وَهُوَ وَعَمُّهُ غَيْرُ مَعْرُوفَيْن . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ انْتَهَى . وَوَافَقَهُ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
المصدر: نصب الراية لأحاديث الهداية
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-63/h/735296
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة