أَحَادِيثُ الْفَوْرِ فِي الْحَجِّ وَالتَّرَاخِي
أَحَادِيثُ الْفَوْرِ فِي الْحَجِّ وَالتَّرَاخِي : قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " التَّحْقِيقِ " : وَأَحْمَدُ يَقُولُ بِالْفَوْرِ أَيْضًا ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ : مَنْ كُسِرَ أو عْرِجَ ، فَقَدْ حَلَّ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَحُجَّةُ الْآخَرِينَ مَا رَوَوْا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ الْحَجِّ ، فَلْيَفْعَلْ .
قَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ ، وَإِنَّمَا الَّذِي رُوِيَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَبْدَأَ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ الْحَجِّ فَلْيَفْعَلْ وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ ، قَالَ : وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ ، عَنْ كُرَيْبٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ : ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ : الصَّلَاةَ ، وَالصَّوْمَ ، وَالْحَجَّ ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ التَّوْحِيدَ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ شَرِيكُ
ابْنُ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٌ ، فَقَالَ فِيهِ : بَعَثَتْ بَنُو سَعْدٍ : ضِمَامًا فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ ، قَالُوا : وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ ، فَقَدْ أَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى سَنَةِ عَشْرٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي لَا عَلَى الْفَوْرِ ، قَالَ : وَجَوَابُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ ضِمَامًا قَدِمَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ ، فَإِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، فَعَنْ تَأْخِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إيَّاهُ جَوَابَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَحُجَّ ، وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِدْرَاكِ ، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الْحَنَفِيُّ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ ، وَكَانَتْ لَهُ أَعْذَارٌ : مِنْهَا الْفَقْرُ ، وَمِنْهَا الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمِنْهَا الْخَوْفُ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ،
وَمِنْهَا غَلَبَةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَكَّةَ ، وَكَوْنُهُمْ يَحُجُّونَ وَيُظْهِرُونَ الشِّرْكَ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِمَنْعِ حُجَّاجِ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَوْ حَجَّ لَاخْتَلَطَ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْعُذْرِ ، فَلَمَّا أُمِرَ بِمَنْعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْحَجِّ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فَنَادَى : أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، ثُمَّ حَجَّ عِنْدَ زَوَالِ مَا يُكْرَهُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الْحَجَّ لِئَلَّا يَقَعَ فِي غَيْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ جِهَةِ النَّسِيءِ الَّذِي كَانَتْ الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ، حَتَّى يَدُورَ التَّحْرِيمُ عَلَى جَمِيعِ الشُّهُورِ ، فَوَافَقَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ ذَا الْقِعْدَةِ ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحِ " : وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " مُطَوَّلًا ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ لَا نُفَيْعٍ ، وَهُوَ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَدْ رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ كُرَيْبٌ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ الَّتِي ذَكَرَهَا ، فَلَا أَعْرِفُ لَهَا سَنَدًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ .