حديث في أشواط الرمل وبيان سببه
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ الْأَشْوَاطِ ، وَيَمْشِي فِيمَا بَقِيَ عَلَى هِينَتِهِ ، عَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ رُوَاةُ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْت : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا ، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ انْتَهَى . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، قَالَ لِي : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ وَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ : حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا الْحَدِيثَ . وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ انْتَهَى .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : وَكَانَ سَبَبُهُ إظْهَارَ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ ، حِينَ قَالُوا : أَضْنَاهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، ثُمَّ بَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَعْدَهُ ، قُلْت : أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى ، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً ، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ ، وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ ؟ هُمْ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا ، إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ، قَالَ : مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : شَيْءٌ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ ، مُخْتَصَرٌ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ : فِيمَ الرَّمَلَانِ وَكَشْفُ الْمَنَاكِبِ ، وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ، كَانُوا إذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَتَغَيَّبُوا عَنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا ، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ ، فَيَرْمُلُونَ ، تَقُولُ قُرَيْشٌ : كَأَنَّهُمْ الْغِزْلَانُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَكَانَتْ سُنَّةً ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : يَزْعُمُ قَوْمُك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَمَلَ بِالْبَيْتِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ ، قَالَ : صَدَقُوا وَكَذَبُوا ، قُلْت : مَا صَدَقُوا وَكَذَبُوا ؟ قَالَ : صَدَقُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَمَلَ ، وَكَذَبُوا لَيْسَ بِسُنَّةٍ ، إنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَّةَ ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنْ الْهُزَالِ ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ ، قَالَ : فَأَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا ، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا مُخْتَصَرٌ .