أحاديث إن الله كتب عليكم السعي وتحقيقها
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا قُلْت : رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ ، وَمِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ .
فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الْأَزْدِيُّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَدَقَةَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّمَلِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ : فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " ، وَسَكَتَ عَنْهُ ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " بِابْنِ الْمُؤَمَّلِ ، وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنِ مَعِينٍ ، وَوَافَقَهُمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنَيْهِمَا " ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ الْعَائذي ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، قَالَتْ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ ، وَهُوَ يَسْعَى ، حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اسْعَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " أَيْضًا فِي " الْفَضَائِلِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُبَيْهٍ عَنْ جَدَّتِهِ صَفِيَّةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ بِنَحْوِهِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " مُصَنَّفِهِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بشر ، حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ ، فَذَكَرَهُ ، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَخْطَأَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، أَوْ شَيْخُهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَعَلَ مَوْضِعَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حُسَيْنٍ ، وَالْآخَرُ : أَنَّهُ أَسْقَطَ صَفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ " : وَعِنْدِي أَنَّ الْوَهْمَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ إمَامٌ كَبِيرٌ ، وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ثِقَةٌ ، وَابْنُ الْمُؤَمَّلِ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا ، فَأَسْقَطَ عَطَاءً مَرَّةً ، وَابْنَ مُحَيْصِنٍ أُخْرَى ، وَصْفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ أُخْرَى ، وَأَبْدَلَ ابْنَ مُحَيْصِنٍ ، بِابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ أُخْرَى ، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ عَبْدَرِيَّةً تَارَةً ، وَيَمَنِيَّةً أُخْرَى ، وَفِي الطَّوَافِ تَارَةً ، وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُخْرَى ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى .
طَرِيقٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي مَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ ، قَالَتْ : أَخْبَرَتنِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللَّاتِي أَدْرَكْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ : دَخَلْنَا دَارَ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، فَرَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ ، إلَى آخِرِهِ قَالَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحِ " : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَمَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ بَانِي كَعْبَةِ الرَّحْمَنِ ، صَدُوقٌ لَا نَعْلَمُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ ، وَمَنْصُورٌ هَذَا ثِقَةٌ ، مُخْرَجٌ لَهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ : فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " عَنْ مِهْرَانَ بْنِ أَبِي عُمَرَ ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ ، قَالَتْ : نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي غُرْفَةٍ لِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ :
أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا انْتَهَى . تَفَرَّدَ بِهِ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ : فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدٍ الله الْحَضْرَمِيِّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حكيم الْأَوْدِيُّ ثَنَا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ انْتَهَى .
وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " عِلَلِهِ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَيْصِنٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " ، الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ مُقَارِنٌ فِعْلَهُ ، وَالْآخَرُ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ لَا غَيْرُ ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ ، نَحْوُ مَا رَوَتْهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تَجْزأةَ ، قَالَتْ : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ يَسْعَى ، وَهُوَ يَقُولُ : اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ : الْحَجُّ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ ، وَالْأَوَّلُ قَوْلٌ وَفِعْلٌ ، وَفِيهِ أَيْضًا إخْبَارُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا ، فَكَانَ أَوْلَى انْتَهَى كَلَامُهُ . وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَغَازِي " حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ بَرَّةَ بِنْتِ أَبِي تَجْزأةَ ، قَالَتْ : لَمَّا انْتَهَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى السَّعْيِ ، قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ ، فَاسْعَوْا ، قَالَتْ : فَسَعَى حَتَّى رَأَيْت إزَارَهُ انْكَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ انْتَهَى .