تحقيق ما ينسب إلى ابن عباس من جواز المتعة واستغرابه الجواز مطلقا
قَالَ الْحَازِمِيُّ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ ، وَكَذَلِكَ نَهَاهُمْ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَأَبَاحَهَا لَهُمْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ الضَّرُورَاتِ ، حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فِي آخِرِ سِنِيهِ ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَكَانَ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إلَّا طَائِفَةً مِنْ الشِّيعَةِ ، وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : وَأَمَّا مَا يُحْكَى فِيهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ إبَاحَتَهَا لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهَا ، بِطُولِ الْعزبَةِ ، وَقِلَّةِ الْيَسَارِ ، وَالْجُدَّةِ ، ثُمَّ تَوَقَّفَ ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْفَتْوَى بِهَا ; ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ الْخَطَّابِيِّ ثَنَا ابْنُ السَّمَّاكِ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَقَدْ سَارَتْ بِفُتْيَاك الرُّكْبَانُ ، وَقَالَتْ فِيهَا الشُّعَرَاءُ ، قَالَ : وَمَا قَالُوا ؟ قُلْت : قَالُوا :
قَدْ قُلْت لِلشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ يَا صَاحِ هَلْ لَك فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ
هَلْ لَك فِي رُخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ تَكُونُ مَثْوَاك حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ
فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ مَا بِهَذَا أَفْتَيْت ، وَمَا هِيَ إلَّا كَالْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، لَا تَحِلُّ إلَّا لِلْمُضْطَرِّ ، انْتَهَى .