حديث نزول اللعان في القرآن
الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا ; قُلْت : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيُّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتقْتُلُونَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَسَائِلَ ، وَعَابَهَا ، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ ، فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ الَّتِي سَأَلْته عَنْهَا ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ : وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتقْتُلُونَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك ، وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنًا ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، قَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا ، قَالَ
عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا ، فَطَلَّقَهَا عُوَيْمِرٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ انْتَهَى .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ فِيهِ : فَطَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَا صُنِعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةً ، قَالَ سَهْلٌ : حَضَرْتُ هَذَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا انْتَهَى . وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِاللِّعَانِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا ، وَأُلْحِقَ الْوَلَدُ بِأُمِّهِ أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَفْرِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَائِدَةٌ ; قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بِنَفْسِ اللِّعَانِ ، وَعُوَيْمِرٌ حِينَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ فُرْقَةٌ ، فَصَارَ كَمَنْ شَرَطَ الضَّمَانَ فِي السَّلَفِ ، وَهُوَ يَلْزَمُهُ ، شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، وَتَفْرِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ تَفْرِيقُ حُكْمٍ لَا لِفُرْقَةِ الزَّوْجِ ، وَقَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ : فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيْ الْفُرْقَةُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلِعَانِهِ ، قَالَ : وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ قُوتٌ ، وَلَا سُكْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ من غَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " التَّحْقِيقِ " : وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْفِرْقَةَ ، وَلَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَهْرِ ، وَلِهَذَا فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَالِي ؟ قَالَ : لَا مَالَ لَك ، إنْ كُنْت صَدَقْتَ عَلَيْهَا ، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا ، فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَك مِنْهَا انْتَهَى كَلَامُهُ .