فائدة في البحث على تقديم الكفارة على الحنث واختلاف الأئمة فيه
فَائِدَةٌ : الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَعَدَمِ الْجَوَازِ ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّانِي مَذْهَبُنَا ، وَاسْتِنْبَاطُ ذَلِكَ مِنْ تَتَبُّعِ أَلْفَاظِهِ ، وَاخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِ ، فَنَقُولُ : اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، وَرُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي لَفْظٍ : الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، وَفِي لَفْظٍ : الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، قَالَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ . فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ; وَفِي لَفْظٍ لَهُ : فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَخْرَجَاهُ أَيْضًا بِتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِتَقْدِيمِ الْحِنْثِ عَلَى الْكَفَّارَةِ .
وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، وَوُهِمَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ فَقَالَ : لَمْ يَذْكُرْهُ مُسْلِمٌ إلَّا بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَعْنِي تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ بَلْ ذَكَرَهُ بِاللَّفْظِ الْآخَرِ ، وَلَفْظُهُ : إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَتَحَلَّلْتهَا ، وَفِي لَفْظٍ : فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ ; وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ مَا نَسِيتهَا . وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بِاللَّفْظَيْنِ ، فَرِوَايَةُ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِالْفَاءِ ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ ، وَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ; الثَّانِي : أَنَّهُمْ مُعَارِضُونَ بِرِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحِنْثِ ، وَلِذَلِكَ عَقَدَ لَهَا النَّسَائِيّ بَابَ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْحِنْثِ . وَقَدْ تَقْوَى رِوَايَةُ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ بِفِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَانُوا يُكَفِّرُونَ قَبْلَ الْحِنْثِ ; وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ نَحْوَهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَقَّبَ الْجُمْلَتَيْنِ ، وَالْوَاوُ بَيْنَهُمَا لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ، كَمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ ، بَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْعَطْفِ بِثُمَّ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَقَعَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَالثَّانِي : مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ، وَالثَّالِثُ : مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ . فَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ; وَقَالَ النَّسَائِيّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقَطِعِيُّ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ، ثُمَّ ائت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ انْتَهَى . وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ .
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لَا يَحْنَثُ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى كَفَّارَةَ الْيَمِينِ ، فَقَالَ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، ثُمَّ أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ انْتَهَى . وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَهَذَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إذَا حَلَفَ ، إلَى آخِرِهِ ، بِتَقْدِيمِ الْحِنْثِ ، وَعَطْفِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَاوِ . وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْهَا أَنَّ عَبْدًا لَهَا اسْتَعْتَقَهَا ، فَقَالَتْ : لَا أَعْتَقَهَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ إنْ أَعْتَقَتْهُ ، فَمَكَثَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ لِيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، فَأَعْتَقَتْ الْعَبْدَ ، ثُمَّ كَفَّرَتْ عَنْ يَمِينِهَا انْتَهَى .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهَا قَدَّمَتْ الْحِنْثَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ مِنْ نُسْخَةٍ أُخْرَى ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُعَارَضَةٌ بِحَدِيثِ تَقْدِيمِ الْحِنْثِ ، مَعَ الْعَطْفِ بِثُمَّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ، أَوْ يُقَالُ : إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ; وَعَجِبْت مِنْ الْبُخَارِيِّ كَيْفَ تَرْجَمَ فِي كِتَابِهِ بَابَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، فَذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ : إنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وَتَحَلَّلْتهَا ، وَحَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِلَفْظِ : فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُطَابِقٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عِنْدَهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا فِي التَّرْجَمَةِ .