أحاديث كيفية القتال والأسباب الملجئة إليه
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا قُلْت : تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ .
قَوْلُهُ : وَالْمُثْلَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّهْيِ الْمُتَأَخِّرِ . قُلْت : أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ فِي " كِتَابِ الْحُدُودِ " مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَس ٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً وَفِي لَفْظٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ ، وَسَقِمَتْ أَبْدَانُهُمْ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إبِلِهِ ، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَخَرَجُوا ، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ، فَصَحُّوا ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ ، فَقَتَلُوهُمْ ، وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَاسْتَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي إثْرِهِمْ ، وَأُتِيَ بِهِمْ ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا وَفِي لَفْظٍ : وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ، وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا وَفِي لَفْظٍ : فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ ، ثُمَّ كَحَّلَهُمْ بِهَا وَفِي لَفْظٍ : وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ وَفِي آخِرِهِ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ انْتَهَى .
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ، قَالَ قَتَادَةُ : فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ ، انْتَهَى .
وَفِي لَفْظٍ لِلْبَيْهَقِيِّ : قَالَ أَنَسٌ : فَمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذَا خُطْبَةً ، إلَّا نَهَى فِيهَا عَنْ الْمُثْلَةِ انْتَهَى .
قَالَ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ إمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّسْخِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ مَا فَعَلَ بِالرِّعَاءِ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : إنَّمَا سَمَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَّلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ انْتَهَى .
وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ فِي " سِيرَتِهِ " : مِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَبَى ذَلِكَ ، لِمَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ لَهَا قِصَّةً أُخْرَى ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا يُشْعِرُهُ لَفْظَةَ " إنَّمَا " مِنْ الِاقْتِصَارِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ ، عَلَى مَا فِي الْآيَةِ ، وَأَمَّا مَنْ زَادَ عَلَى الْحِرَابَةِ جِنَايَاتٍ أُخَرَ ، كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ حَيْثُ زَادُوا بِالرِّدَّةِ ، وَسَمْلِ أَعْيُنِ
الرِّعَاءِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي خَبَرِهِمْ أَنَّهُمْ قَطَعُوا يَدَ الرَّاعِي وَرِجْلِهِ ، وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي لِسَانِهِ وَعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ ، وَالزِّيَادَةِ فِي عُقُوبَتِهِمْ ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُثْلَةٍ ، وَالْمُثْلَةُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً عَنْ غَيْرِ جَزَاءٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " ، إنَّمَا سَمَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَهُمْ لِأَنَّهُمْ سَمَّلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ وَلَوْ أَنَّ شَخْصًا جَنَى عَلَى قَوْمٍ جِنَايَاتٍ فِي أَعْضَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، لَمَا كَانَ التَّشْوِيهُ الَّذِي حَصَلَ مِنْ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ فِي نُزُولِ الْآيَةِ الْأَقْوَالُ ، وَتَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، فَلَا نَسْخَ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ فِي " كِتَابِ الْحَجِّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِشْعَارِ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ " ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قُلْت : مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ بِالْآيَةِ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَغَازِي " حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا قَطَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْدِيَ أَصْحَابِ اللِّقَاحِ ، وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَلَمْ تُسَمَّلْ بَعْدَ ذَلِكَ عَيْنٌ .
قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ ، قَالَ : مَا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْثًا ، إلَّا نَهَاهُمْ عَنْ الْمُثْلَةِ انْتَهَى .