تحقيق مسألة القضاء بشاهد
فِي قَوْلِهِ : تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي ، قَالَ : لِأَنَّهُ قَسْمٌ ، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ ، وَيُبْنَى عَلَى هَذَا مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فَقَالَ بِهِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سَيْفِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، قَالَ عُمَرُو : فِي الْحُقُوقِ ، انْتَهَى .
قَالَ النَّسَائِيّ : وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ ،
وَسَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ثِقَةٌ ؛ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنَيْهِمَا ، وَوَثَّقَ الْبَيْهَقِيُّ سَيْفَ بْنَ سُلَيْمَانَ نَقْلًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَأَسْنَدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يَرُدُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ ، مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ يَشْهَدُهُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لَا يُخَالِفُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ شَيْئًا ; لِأَنَّا نَحْكُمُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَبِشَاهِدٍ ، وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا يَمِينَ ، فَإِذَا كَانَ شَاهِدٌ حَكَمْنَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا أَرَادَ اللَّهُ ، وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَأْخُذَ مَا آتَانَا ، وَنَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَانَا ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إسْنَادِهِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي صِحَّتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ ، وَالشَّاهِدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ ، وَسُرَّقٍ ، بِأَسَانِيدَ حسان ، انْتَهَى .
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِالِانْقِطَاعِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي " عِلَلِهِ الْكَبِيرِ " : وَسَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : إنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، انْتَهَى .
قُلْت : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَخَالَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ ، وَرِوَايَةُ الثِّقَاتِ لَا تُعَلَّلُ بِرِوَايَةِ الضُّعَفَاءِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا أَعْلَمُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ - يَعْنِي فَيَصِيرُ فِيهِ انْقِطَاعَانِ - قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ " : وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمٌ قَدْ أَخْرَجَهُ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَهُوَ يُرْمَى بِالِانْقِطَاعِ فِي مَوْضِعَيْنِ - قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا نَعْلَمُهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَضَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ الْقُدَامِيُّ ، يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : قَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا أَعْلَمُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ ، وَهَذَا مَدْخُولٌ ، فَإِنَّ قَيْسًا ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هُوَ أَثْبَتُ ، وَإِذَا كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً وَرَوَى حَدِيثًا عَنْ شَيْخٍ يَحْتَمِلُهُ سِنُّهُ ، وَلَقِيَهُ ، وَكَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالتَّدْلِيسِ ، وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَقَدْ رَوَى قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا ، وَأَقْدَمُ مَوْتًا مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ كَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ مَنْ كَانَ فِي قَرْنِ قَيْسٍ ، وَأَقْدَمَ لُقْيَا مِنْهُ ، كَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، ثُمَّ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، فَكَيْفَ يُنْكِرُ رِوَايَةَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ؟ غَيْرَ أَنَّهُ رَوَى مَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ ، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَطْعَنًا سِوَى ذَلِكَ ؛ وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا وَقَصَتْهُ نَاقَةٌ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَقَدْ عَلِمْنَا قَيْسًا رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ غَيْرَ حَدِيثِ : الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ ، ثُمَّ قَدْ تَابَعَ قَيْسًا عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ قَيْسٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ ، ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ انْتَهَى .
الْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ ، قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَذَا ، وَقَضَى بِكَذَا ، لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْمَحْكِيِّ
لَا فِي الْحِكَايَةِ ، وَالْمَحْكِيُّ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا ، وَأَيْضًا فَالْقَضَاءُ لَهُ مَعَانٍ ، أَقْرَبُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ " فَصْلُ الْخُصُومَاتِ " وَهَذَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْخُصُوصُ ، إذْ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحُكْمُ بِكُلِّ شَاهِدٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، بَلْ إنَّمَا يُقْضَى بِشَاهِدٍ خَاصٍّ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرَّاوِي قَدْ اعْتَمَدَ عَلَى قَرِينَةِ الْحَالِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ ، لَا اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَى بِجِنْسِ الشَّاهِدِ ، وَجِنْسِ الْيَمِينِ . وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِمَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ ، وَسُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ ، وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الْحَقِّ بِشَاهِدَيْنِ ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ أَخَذَ حَقَّهُ ، وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ " .