حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير

بَابُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ

( 4 ) - حَدِيثُ : ( إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا ) . الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد : ( سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ) وَلَفْظُ الْحَاكِمِ فَقَالَ : ( إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ : فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسُ قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا ، وَقَدْ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ .

وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : إسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَمَدَارُهُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، فَقِيلَ : عَنْهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقِيلَ : عَنْهُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَتَارَةً : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَتَارَةً : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا قَادِحًا فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَحْفُوظًا انْتِقَالٌ مِنْ ثِقَةٍ إلَى ثِقَةٍ ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ : الصَّوَابُ أَنَّهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبِّرِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ الْمُصَغَّرِ ، وَمَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَهَمَ . وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ رَوَاهَا الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ ، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، فَقَالَ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ؟ فَقَالَ : وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْحَدِيثُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ ، لِأَنَّهُ حَدِيثٌ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يُوقَفْ عَلَى حَقِيقَةِ مَبْلَغِهِمَا فِي أَثَرٍ ثَابِت وَلَا إجْمَاعٍ .

وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : حَدِيثٌ مَعْلُولٌ ، رَدَّهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : إنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِهِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرِبَ الْإِسْنَادِ مُخْتَلِفًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ، فَإِنَّهُ يُجَابُ عَنْهَا بِجَوَابٍ صَحِيحٍ ; بِأَنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ، وَلَكِنِّي تَرَكَتْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا بِطَرِيقٍ اسْتِقْلَالِيٍّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ شَرْعًا . تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ ، قُلْتُ : كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : ( إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ، مِنْ قِلَالِ هَجَرَ ، لَمْ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) وَفِي إسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ سِقْلَابٍ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، قَالَ النُّفَيْلِيُّ : لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا عَلَى الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا يُتَابَعُ عَلَى عَامَّةِ حَدِيثِهِ .

وَأُمًّا مَا اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجَسًا ) ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : بِقِلَالِ هَجَرَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، فَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقِلَّةُ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا ، فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ ، لَمْ يَحْمِلْ نَجَسَا فِي جَرٍّ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ ، فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ الَّذِي يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ إلَّا بِقِرَبٍ كِبَارٍ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَفِيهِ مَبَاحِثُ : ( الْأَوَّلُ ) فِي تَبْيِينِ الْإِسْنَادِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَهُ . ( وَالثَّانِي ) فِي كَوْنِهِ مُتَّصِلًا أَمْ لَا .

( وَالثَّالِثُ ) فِي كَوْنِ التَّقْيِيدِ بِقِلَالِ هَجَرَ فِي الْمَرْفُوعِ . ( وَالرَّابِعُ ) فِي ثُبُوتِ كَوْنِ الْقِرْبَةِ كَبِيرَةً لَا صَغِيرَةً . ( الْخَامِسُ ) فِي ثُبُوتِ التَّقْدِيرِ لِلْقُلَّةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِرْبَتَيْنِ .

( فَالْأَوَّلُ ) فِي بَيَانِ الْإِسْنَادِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي قُرَّةَ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا وَلَا بَأْسًا ) قَالَ : فَقُلْت لِيَحْيَى بْن عُقَيْلٍ : أَيُّ قِلَالٍ ؟ قَالَ : قِلَالُ هَجَرَ . قَالَ مُحَمَّد : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، فَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْمِصِّيصِيُّ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ : فَقُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ : قِلَالُ هَجَرَ ؟ قَالَ : قِلَالُ هَجَرَ .

قَالَ : فَأَظُنُّ أَنَّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ . قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ : مُحَمَّدٌ شَيْخُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، أَيْضًا . قُلْت : وَكَيْفَ مَا كَانَ فَهُوَ مَجْهُولٌ ( الثَّانِي ) فِي بَيَانِ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مُتَّصِلًا أَمْ لَا ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ تَابِعِيٌّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ ، لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَوَاهُ ، لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ مَعْرُوفٌ بِالْحَمْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ ، قَالَ : حَدَّثْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسَا ، وَلَا بَأْسًا ) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : زَعَمُوا أَنَّهَا قِلَالُ هَجَرَ ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ الَّذِي أَخْبَرَنِي عَنْ الْقِلَالِ : فَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ بَعْدُ فَأَظُنُّ أَنَّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ .

( الْبَحْثُ الثَّالِثُ ) فِي كَوَّنَ التَّقْيِيدِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلُ ، مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سِقْلَابٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ . لَكِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ قَوُوا أَنَّ الْمُرَادَ قِلَالُ هَجَرَ ، بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ ، كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَهُمْ ، وَلِهَذَا شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى : فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ ، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ انْتَهَى . فَإِنْ قِيلَ : أَيُّ مُلَازَمَةٍ بَيْنَ هَذَا التَّشْبِيهِ ، وَبَيْنَ ذِكْرِ الْقُلَّةِ فِي حَدِّ الْمَاءِ ، فَالْجَوَاب أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ ، دَالُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ ، بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْكِبَرِ ، كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ إذَا أُطْلِقَ ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى التَّقْيِيدِ الْمَعْهُودِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قُرَى الْعَرَبِ ، وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ ، وَالْقُلَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ ، وَبَعْدَ صَرْفِهَا إلَى أَحَدِ مَعْلُومَاتهَا وَهِيَ الْأَوَانِي ، تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكِبَارِ جَعَلَ الشَّارِعُ الْحَدَّ مُقَدَّرًا بِعَدَدٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَكْبَرِهَا ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيرِهِ بِقُلَّتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِوَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا مُحَصَّلُ الْبَحْثِ الرَّابِعِ .

( الْبَحْثُ الْخَامِسُ ) : فِي ثُبُوتِ كَوْنِ الْقُلَّةِ تَزِيدُ عَلَى قِرْبَتَيْنِ ، وَقَدْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، بِمَا مُحَصَّلُهُ : أَنَّهُ أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنِّ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَالظَّنُّ لَيْسَ بِوَاجِبِ قَبُولُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَجْهُولِ . لِهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ السَّلَفُ ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، عَلَى الْأَخْذِ بِذَلِكَ التَّحْدِيدِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْقُلَّةُ يَقَعُ عَلَى الْكُوزِ وَالْجَرَّةِ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ ، وَقِيلَ : الْقُلَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اسْتَقَلَّ فُلَانٌ بِحَمْلِهِ ، وَأَقَلَّهُ إذَا أَطَاقَهُ وَحَمَلَهُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيت الْكِيزَانُ قِلَالًا لِأَنَّهَا تُقَلْ بِالْأَيْدِي ، وَقِيلَ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ قُلَّةِ الْجَبَلِ ، وَهِيَ أَعْلَاهُ . فَإِنْ قِيلَ : الْأَوْلَى الْأَخْذُ بِمَا ذَكَرَهُ رَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا رَوَى .

قُلْنَا : لَمْ تَتَّفِقْ الرُّوَاةُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : الْقِلَالُ هِيَ الْخَوَابِي الْعِظَامُ ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : الْخَابِيَةُ تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ الْكَبِيرَتَانِ ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : الْقُلَّةُ مَا تَقُلُّهُ الْيَدُ أَيِّ : تَرْفَعهُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ يُسْتَسْقَى فِيهَا الْمَاءُ وَالدَّوْرَقُ ، وَمَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ إلَى تَفْسِيرِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ أَوْلَى ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُمَا بِالْكِبَرِ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَوَكِيعٍ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : يَنُوبُهُ هُوَ بِالنُّونِ ، أَيْ يُرَدُّ عَلَيْهِ نَوْبَةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ صَحَّفَهُ ، فَقَالَ : يَثُوبُهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ . ( تَنْبِيهٌ آخَرُ ) : قَوْلُهُ : لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ، مَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا : ( إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ ) وَالتَّقْدِيرُ : لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ ، بَلْ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ .

وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى : أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ ; لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ مَعْنَى ، فَإِنَّ مَا دُونَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) أَيْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَهَا .

ورد في أحاديث2 حديثان
يُخرِّج هذا المحتوى3 أحاديث
موقع حَـدِيث