بَابُ مَوَانِعِ النِّكَاحِ
( 14 ) - قَوْلُهُ : رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، غَيْرُ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ ، وَآكِلِي ذَبَائِحِهِمْ ) . تَقَدَّمَ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ ، لَكِنْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : ( كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ ، فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ ، وَمَنْ أَصَرَّ ضُرِبْت عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، عَلَى أَلَّا تُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ . وَلَا تُنْكَحُ لَهُمْ امْرَأَةٌ ) .
وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : ( غَيْرُ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ ، وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ ) . وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَفِي إسْنَادِهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِجْمَاعُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ يُؤَكِّدهُ . ( تَنْبِيهٌ ) تَبَيَّنَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَنِ مَدْرَجٌ ، وَنَقَلَ الْحَرْبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْمَنْعِ إلَّا عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ الْجَوَازَ ثَبَتَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا .
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، مِنْ طَرِيقِهِ جَوَازُ التَّسَرِّي مِنْ الْمَجُوسِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارِ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : فِيمَا إذَا اسْتَبْهَمَ الْحَالَ يُؤْخَذُ فِي نِكَاحِهِمْ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَتَقْرِيرُ الْجِزْيَةِ تَغْلِيبًا لِلْحَقِّ ، وَبِذَلِكَ حَكَمَتْ الصَّحَابَةُ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَهُمْ بُهْرًا وَتَنُوخَ ، وَتَغْلِبَ ، كَذَا قَالَ . وَالْمَنْقُولُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : نَا عَفَّانُ ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ : كُلُوا ذَبَائِحَ بَنِي ثَعْلَبَ ، وَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَّارِي أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بَأْسَ بِذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَإِنْ سَمِعْته يُسَمِّي لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَك ، وَعُلِمَ كُفْرُهُمْ . انْتَهَى . وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَعَمْ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي ثَعْلَبَ وَنِسَاءَهُمْ ، وَيَقُولُ : هُمْ مِنْ الْعَرَبِ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ نَحْوِهِ ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَا تَأْكُلُوا ذَبَائِحَ نَصَارَى بَنِي ثَعْلَبَ .
نَعَمْ أَخَذَ الصَّحَابَةُ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى بَنِي ثَعْلَبَ وَغَيْرِهِمْ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمْنَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ ، وَمُنِعُوا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ ، وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا .