كِتَابُ اللِّعَانِ
( 4 ) - حَدِيث : ( أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ ، قَالَ : طَلِّقْهَا قَالَ : إنِّي أُحِبُّهَا ، قَالَ : أَمْسِكْهَا ) . الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا ، وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ وَإِرْسَالِهِ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ . وَقَالَ فِي الْمَوْصُولِ : إنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، لَكِنْ رَوَاهُ هُوَ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ، وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ ، وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ ، وَلَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ .
وَتَمَسَّكَ بِهَذَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، مَعَ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَعْقِلٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَقَالَ : نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ فَسَمَّى الرَّجُلَ هِشَامًا مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْخَلَّالُ وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ : لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْفُجُورُ ، وَأَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ يَطْلُبُ مِنْهَا الْفَاحِشَةَ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْخَلَّالُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَالْخَطَّابِيُّ ، وَالْغَزَالِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَهُوَ مُقْتَضَى اسْتِدْلَالِ الرَّافِعِيِّ بِهِ هُنَا .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّبْذِيرُ ، وَأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ أَحَدًا طَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَصْمَعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ ، وَنَقَلَهُ عَنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ . وَقَالَ بَعْضُ حُذَّاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : أَمْسِكْهَا : مَعْنَاهُ أَمْسِكْهَا عَنْ الزِّنَا أَوْ عَنْ التَّبْذِيرِ ، إمَّا بِمُرَاقَبَتِهَا ، أَوْ بِالِاحْتِفَاظِ عَلَى الْمَالِ أَوْ بِكَثْرَةِ جِمَاعِهَا ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْأَوَّلَ بِأَنَّ السَّخَاءَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِقَوْلِهِ : طَلِّقْهَا ، وَلِأَنَّ التَّبْذِيرَ إنْ كَانَ مِنْ مَالِهَا فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ فَعَلَيْهِ حِفْظُهُ ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِطَلَاقِهَا . قِيلَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ ، أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ يَمُدُّ يَدَهُ لِيَتَلَذَّذَ بِلَمْسِهَا ، وَلَوْ كَانَ كَنَّى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ لَعُدَّ قَاذِفًا ، أَوْ أَنَّ زَوْجَهَا فَهِمَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ أَرَادَ مِنْهَا الْفَاحِشَةَ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا .