الطَّعْنُ بِالْأَنْبِيَاءِ
الطَّعْنُ بِالْأَنْبِيَاءِ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ . قَالُوا : وَهَذَا طَعْنٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَطَعْنٌ عَلَى لُوطٍ ، وَطَعْنٌ عَلَى نَفْسِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعْمَتِهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ قَوْمٌ سَمِعُوا الْآيَةَ : شَكَّ إِبْرَاهِيمُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَشُكُّ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَا أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَاضُعًا مِنْهُ ، وَتَقْدِيمًا لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسِهِ ، يُرِيدُ: أَنَّا لَمْ نَشُكُّ وَنَحْنُ دُونَهُ ، فَكَيْفَ يَشُكُّ هُوَ ؟ . وَتَأْوِيلُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ أَيْ : يَطْمَئِنَّ بِيَقِينِ النَّظَرِ .
وَالْيَقِينُ جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: يَقِينُ السَّمْعِ ، وَالْآخَرُ يَقِينُ الْبَصَرِ ، وَيَقِينُ الْبَصَرِ أَعْلَى الْيَقِينَيْنِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمُخْبَرُ كَالْمُعَايِنِ حِينَ ذَكَرَ قَوْمَ مُوسَى وَعُكُوفَهُمْ عَلَى الْعِجْلِ . قَالَ : أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ ، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ عَاكِفِينَ غَضِبَ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ، حَتَّى انْكَسَرَتْ . وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، مُسْتَيْقِنُونَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقٌّ ، وَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ عِنْدَ النَّظَرِ وَالْعَيَانِ أَعْلَى يَقِينًا ، فَأَرَادَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالنَّظَرِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْيَقِينَيْنِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فَإِنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ لِقَوْمِهِ : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ يُرِيدُ: سَهْوَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ضَاقَ فِيهِ صَدْرُهُ ، وَاشْتَدَّ جَزَعُهُ بِمَا دَهَمَهُ مِنْ قَوْمِهِ ، حَتَّى قَالَ : أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَهُوَ يَأْوِي إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَشَدِّ الْأَرْكَانِ . قَالُوا : فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ يَعْنِي : حِينَ دُعِيَ لِلْإِطْلَاقِ مِنَ الْحَبْسِ بَعْدَ الْغَمِّ الطَّوِيلِ ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَبْسِ فِي وَقْتِهِ ، يَصِفُهُ بِالْأَنَاةِ وَالصَّبْرِ .
وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ ثُمَّ دُعِيتُ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْحَبْسِ لَأَجَبْتُ وَلَمْ أَتَلَبَّثُ . وَهَذَا أَيْضًا جِنْسٌ مِنْ تَوَاضُعِهِ ، لَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ ، لَوْ كَانَ مَكَانَ يُوسُفَ فَبَادَرَ وَخَرَجَ ، أَوْ عَلَى يُوسُفَ - لَوْ خَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ مَعَ الرَّسُولِ - نَقْصٌ وَلَا إِثْمٌ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَثْقِلُ مِحْنَةَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ فَيُبَادِرُ وَيَتَعَجَّلُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا .