حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تأويل مختلف الحديث

هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ

هَلْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ ؟ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا كَفَرَ بِاللَّهِ نَبِيٌّ قَطُّ ، وَأَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِ مَلَكَانِ فَاسْتَخْرَجَا مِنْ قَلْبِهِ - وَهُوَ صَغِيرٌ - عَلَقَةً ثُمَّ غَسَلَا قَلْبَهُ ، ثُمَّ رَدَّاهُ إِلَى مَكَانِهِ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَأَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ وَأَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ ، وَهُمَا كَافِرَانِ .

قَالُوا : وَفِي هَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ ، وَتَنَقُّصٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ مُتَعَلَّقٌ وَلَا مَقَالٌ ، إِذَا عَرَفَ مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - خَلَا الْيَمَنَ . وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دَيْنِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَمِنْ ذَلِكَ حَجُّ الْبَيْتِ وَزِيَارَتُهُ وَالْخِتَانُ وَالنِّكَاحُ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ ، إِذَا كَانَ ثَلَاثًا ، وَلِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ فِي الْوَاحِدَةِ وَالْاثْنَتَيْنِ ، وَدِيَةُ النَّفْسِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَاتِّبَاعُ الْحُكْمِ فِي الْمُبَالِ فِي الْخُنْثَى ، وَتَحْرِيمُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ وَالنَّسَبِ - وَهَذِهِ أُمُورٌ مَشْهُورَةٌ عَنْهُمْ . وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يُؤْمِنُونَ بِالْمَلَكَيْنِ الْكَاتِبَيْنِ . قَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ جَاهِلِيٌّ : فَلَا تَحْسَبَنِّي كَافِرًا لَكَ نِعْمَةً عَلَى شَاهِدِي يَا شَاهِدَ اللَّهِ فَاشْهَدِ .

يُرِيدُ : عَلَى لِسَانِي ، يَا مَلَكَ اللَّهِ فَاشْهَدْ بِمَا أَقُولُ . وَيُؤْمِنُ بَعْضُهُمْ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ ، قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى ، وَهُوَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يَلْحَقِ الْإِسْلَامَ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تُعَدُّ مِنَ السَّبْعِ : يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبَلِيَّةِ - وَهِيَ النَّاقَةُ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا ، فَلَا تُعْلَفُ وَلَا تُسْقَى حَتَّى تَمُوتَ - : إِنَّ صَاحِبَهَا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاكِبَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْلِيَاؤُهُ ذَلِكَ بَعْدَهُ ، جَاءَ حَافِيًا رَاجِلًا . وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو زُبَيْدٍ فَقَالَ : كَالْبَلَايَا رُؤُوسُهُا فِي الْوَلَايَا مَانِحَاتُ السُّمُومِ حَرَّ الْخُدُودِ وَالْوَلَايَا : الْبَرَاذِعُ .

وَكَانُوا يُقَوِّرُونَ الْبَرْذعَةَ وَيُدْخِلُونَهَا فِي عُنُقِ تِلْكَ النَّاقَةِ ، فَقَالَ النَّابِغَةُ : مَحَلَّتُهُمْ ذَاتُ الْإِلَهِ وَدِينُهُمْ قَوِيمٌ فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ الْعَوَاقِبِ يُرِيدُ الْجَزَاءَ بِأَعْمَالِهِمْ وَمَحَلَّتُهُمُ الشَّامُ . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى دِينِ قَوْمِهِ ، يُرَادُ: عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ ، وَالْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِمْ: فِي الْخِتَانِ ، وَالْغُسْلِ ، وَالْحَجِّ ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ وَالْجَزَاءِ ، وَكَانَ مَعَ هَذَا لَا يَقْرَبُ الْأَوْثَانَ وَيَعِيبُهَا ، وَقَالَ : بُغِّضَتْ إِلَيَّ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَرَائِضَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالشَّرَائِعَ الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ ، حَتَّى أُوحِيَ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى يُرِيدُ: ضَالًّا عَنْ تَفَاصِيلِ الْإِيْمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ ، فَهَدَاكَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ يُرِيدُ : مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْقُرْآنُ وَلَا شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ ، وَلَمْ يُرِدِ الْإِيْمَانَ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ ، لِأَنَّ آبَاءَهُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الشِّرْكِ ، كَانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَحُجُّونَ لَهُ ، وَيَتَّخِذُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِهِ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ تَعَالَى ، وَتُقَرِّبُهُمْ فِيمَا ذَكَرُوا مِنْهُ ، وَيَتَوَقَّوْنَ الظُّلْمَ ، وَيَحْذَرُونَ عَوَاقِبَهُ ، وَيَتَحَالَفُونَ عَلَى أَنْ لَا يُبْغَى عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يُظْلَمَ .

وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِمَلِكِ الْحَبَشَةِ ، حِينَ سَأَلَهُ حَاجَتَهُ فَقَالَ : إِبِلٌ ذَهَبَتْ لِي . فَعَجِبَ مِنْهُ كَيْفَ لَمْ يَسْأَلْهُ الْانْصِرَافَ عَنِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ : إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ مَنْ يَمْنَعُ مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ . فَهَؤُلَاءِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ الْوَحْيِ ؟! وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ أَنَّ الْإِيْمَانَ : شَرَائِعُ الْإِيْمَانِ .

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَقَوْمِهِ هَؤُلَاءِ ، لَا أَبُو جَهْلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَالَ لِنُوحٍ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ يَعْنِي: ابْنَهُ لَمَّا كَانَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ . وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ ابْنَتَيْهِ كَافِرَيْنَ ، فَهَذَا أَيْضًا مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي كَانَ لَا يَعْلَمُهَا ، وَإِنَّمَا تَقْبُحُ الْأَشْيَاءُ بِالتَّحْرِيمِ ، وَتَحْسُنُ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّحْلِيلِ . وَلَيْسَ فِي تَزْوِيجِهِمَا كَافِرَيْنَ ، قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ إِنْكَاحَ الْكَافِرِينَ ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، مَا يُلْحِقُ بِهِ كُفْرًا بِاللَّهِ تَعَالَى .

موقع حَـدِيث