غَسْلُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ
غَسْلُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ قَالُوا : وَهَذَا حَدِيثٌ جَائِزٌ لَوْلَا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَمَا مَنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ دَرَى أَنَّ يَدَهُ بَاتَتْ ، حَيْثُ بَاتَ بَدَنُهُ ، وَحَيْثُ بَاتَتْ رِجْلُهُ ، وَأُذُنُهُ وَأَنْفُهُ وَسَائِرُ أَعْضَائِهِ ، وَأَشَدُّ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ مَسَّ بِهَا فَرْجَهُ فِي نَوْمِهِ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَسَّ فَرْجَهُ فِي يَقَظَتِهِ لَمَا نَقَضَ ذَلِكَ طَهَارَتَهُ ، فَكَيْفَ بِأَنْ يَمَسَّهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ؟ وَاللَّهُ لَا يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ .
فَإِنَّ النَّائِمَ قَدْ يَهْجُرُ فِي نَوْمِهِ فَيُطَلِّقُ وَيَكْفُرُ ، وَيَفْتَرِي وَيَحْتَلِمُ عَلَى امْرَأَةِ جَارِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ نَفْسِهِ فِي نَوْمِهِ زَانٍ ، ثُمَّ لَا يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُؤَاخَذًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَلَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا النَّاظِرَ عَلِمَ شَيْئًا ، وَغَابَتْ عَنْهُ أَشْيَاءُ ، أَمَا عَلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ قَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ عَلَى مَنْ مَسَّ الْفَرْجَ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ ، وَنَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ غَسْلُ الْيَدِ ، لِأَنَّ الْفَرْجَ مَخْرَجُ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَاتِ . وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِنَّمَا هُوَ غَسْلُ الْيَدِ مِنَ الزَّهَمِ وَالْأَطْبِخَةِ وَالشِّوَاءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَأَتَيْنَا بِالدَّلَائِلِ عَلَيْهِ .
فَإِذَا كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ هُوَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُسْتَيْقِظَ مِنْ مَنَامِهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الْإِنَاءَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ، يَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي مَنَامِهِ مَسَّ بِهَا فَرْجَهُ أَوْ دُبُرَهُ ، وَلَيْسَ يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَ يَدَهُ قَاطِرُ بَوْلٍ أَوْ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ إِنْ كَانَ جَامَعَ قَبْلَ الْمَنَامِ ، فَإِنْ أَدْخَلَهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا أَنْجَسَ الْمَاءَ وَأَفْسَدَهُ . وَخُصَّ النَّائِمُ بِهَذَا ، لِأَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَقَعُ يَدُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَعَلَى دُبُرِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ . فَأَمَّا الْيَقْظَانُ فَإِنَّهُ إِذَا لَمَسَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَأَصَابَ يَدَهُ مِنْهُ أَذًى عَلِمَ بِهِ ، وَلَمْ يَذْهَبْ عَلَيْهِ فَغَسَلَهَا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ أَوْ يَأْكُلَ أَوْ يُصَافِحَ .