رَهَنُ دِرْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَهْنُ دِرْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِأَصْوَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَمَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ مُوَاسٍ وَلَا مُؤْثِرٌ وَلَا مُقْرِضٌ ، وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْخَيْرَ وَفَتَحَ عَلَيْهِمُ الْبِلَادَ وَجَبَوْا مَا بَيْنَ أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى أَقْصَى الْبَحْرَيْنِ وَأَقْصَى عُمَانَ ، ثُمَّ بَيَاضِ نَجْدٍ وَالْحِجَازِ ، وَهَذَا مَعَ أَمْوَالِ الصَّحَابَةِ كَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ ، فَأَيْنَ كَانُوا ؟ قَالُوا : وَهَذَا كَذِبٌ وَقَائِلُهُ أَرَادَ مَدْحَهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالزُّهْدِ وَبِالْفَقْرِ ، وَلَيْسَ هَكَذَا تُمْدَحُ الْأَنْبِيَاءُ ، وَكَيْفَ يَجُوعُ مَنْ يُجَهِّزُ الْجُيُوشَ ، وَمَنْ يَسُوقُ الْمِئِينَ مِنَ الْبُدْنِ ؟ وَلَهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلُ فَدَكٍ وَغَيْرِهَا . وَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً كُلَّ بَدَنَةٍ عَنْ سَبْعَةٍ وَاسْتَاقَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَكَانَ عُمْرَتِهِ الَّتِي صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ سِتِّينَ بَدَنَةً .
وَكَيْفَ يَجُوعُ مَنْ وَقَفَ سَبْعَ حَوَائِطَ مُتَجَاوِرَةٍ بِالْعَالِيَةِ . ثُمَّ لَا يَجِدُ مَعَ هَذَا مِنْ يُقْرِضُهُ أَصْوَاعًا مِنْ شَعِيرٍ حَتَّى يَرْهَنَ دِرْعَهُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُسْتَعْظَمُ بَلْ مَا يُنْكَرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَمْوَالِهِ وَيُفَرِّقُهَا عَلَى الْمُحِقِّينَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَفِي النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرُدُّ سَائِلًا وَلَا يُعْطِي إِذَا وَجَدَ إِلَّا كَثِيرًا ، وَلَا يَضَعُ دِرْهَمًا فَوْقَ دِرْهَمٍ .
وَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ سَاهِمَ الْوَجْهِ ، أَمِنْ عِلَّةٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنَّهَا السَّبْعَةُ الدَّنَانِيرُ الَّتِي أَتَيْنَا بِهَا أَمْسِ نَسِيتُهَا فِي خُصْمِ الْفِرَاشِ فَبِتُّ وَلَمْ أُقَسِّمْهَا وَكَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تَقُولُ فِي بُكَائِهَا عَلَيْهِ : بِأَبِي مَنْ لَمْ يَنَمْ عَلَى الْوَثِيرِ وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ . وَلَيْسَ يَخْلُو قَوْلُهَا هَذَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مَا يُشْبِعُهُ ، وَهَذَا بَعْضُ صِفَاتِهِ ، وَاللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ أَوْ يَكُونُ لَا يَبْلُغُ الشِّبَعَ مِنَ الشَّعِيرِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ إِفْرَاطَ الشِّبَعِ ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَاهُمْ بِالْفَضْلِ وَأَحْرَاهُمْ بِالسَّبْقِ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: أَنَا أَبُو عَاصِمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَا الْمُحَبِّرُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُرَقَّعِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ وِعَاءً مُلِئَ شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلُوا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ ، وَثُلُثًا لِلرِّيحِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : إِنَّمَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْمَأْبُورَةِ ، يُرِيدُ أَكَلَتْ فِي الْعَلَفِ إِبْرَةً ، فَهِيَ لَا تَأْكُلُ إِذَا أَكَلَتْ فِي الْعَلَفِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَلَا يَنْجَعُ فِيهَا الْعَلَفُ . وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : فِي الْجُوَارِشْنِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : وَمَا أَصْنَعُ بِهِ وَأَنَا لَمْ أَشْبَعْ مُنْذُ كَذَا؟! يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَدَعُ الطَّعَامَ وَبِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ لِرَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَأْكُلُ : كُلْ ، فَقَالَ : قَدْ أَكَلْتُ فَمَا أَشْتَهِي شَيْئًا ، قَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَهَلْ يَأْكُلُ أَحَدٌ حَتَّى لَا يَشْتَهِيَ شَيْئًا ؟! وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ أَوْ غَيْرُهُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ رِزْقِي فِي حَصَاةٍ أَمُصُّهَا ، وَلَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكَثْرَةِ دُخُولِي إِلَى الْخَلَاءِ . وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : لَمْ أَجِدْ طَعْمَ الْعَيْشِ حَتَّى اسْتَبْدَلْتُ الْخَمْصَ بِالْكِظَّةِ وَحَتَّى لَمْ أَلْبَسْ مِنْ ثِيَابِي مَا يَسْتَخْدِمُنِي، وَحَتَّى لَمْ آكُلْ إِلَّا مَا لَا أَغْسِلُ يَدِي مِنْهُ .
فَلَمَّا بَكَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَتْ : بِأَبِي مَنْ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ . وَقَدْ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَخُبْزَ الشَّعِيرِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ الشِّبَعَ مِنْهُ ، إِمَّا لِلْحَالِ الْأُولَى أَوْ لِلْحَالِ الْأُخْرَى . فَذَكَرَتْ أَخَسَّ الطَّعَامَيْنِ ، وَأَرَادَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ عَلَى خَسَاسَتِهِ فَغَيْرُهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ بِصِلَاءٍ وَصِنَابٍ وَكَرَاكِرَ وَأَسْنِمَةٍ . وَقَالَ : لَوْ شِئْتُ لَأَمَرَتُ بِفَتِيَّةٍ فَذُبِحَتْ ، وَأَمَرْتُ بِدَقِيقٍ فَنُخِلَ وَأَمَرْتُ بِزَبِيبٍ فَجُعِلَ فِي سَعْنٍ حَتَّى يَصِيرَ كَدَمِ الْغَزَالِ ، هَذَا وَأَشْبَاهُهُ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِقَوْمٍ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ . وَقَدْ يَأْتِي عَلَى الْبَخِيلِ الْمُوسِرِ تَارَاتٌ ، لَا يَحْضُرُهُ فِيهَا مَالٌ وَلَهُ الضَّيْعَةُ وَالْأَثَاثُ وَالدُّيُونُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقْتَرِضَ ، وَإِلَى أَنْ يَرْهَنَ ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَبْقَى لَهُ دِرْهَمٌ ، وَلَا يَفْضُلُ عَنْ مُوَاسَاتِهِ وَنَوَائِبِهِ زَادٌ ؟!! وَكَيْفَ يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْيَسَارِ مِنْ صَحَابَتِهِ بِحَاجَتِهِ إِلَى الطَّعَامِ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُمْ وَلَا يَنْشَطُ فِي وَقْتِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ ؟ .
وَقَدْ نَجِدُ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي أَنْفُسِنَا وَأَشْبَاهِنَا مِنَ النَّاسِ ، وَنَرَى الرَّجُلَ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّيْءِ فَلَا يَنْشَطُ فِيهِ إِلَى وَلَدِهِ ، وَلَا إِلَى أَهْلِهِ وَلَا إِلَى جَارِهِ وَيَبِيعُ الْعَلَقَ وَيَسْتَقْرِضُ مِنَ الْغَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَإِنَّمَا رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ لِأَنَّ الْيَهُودَ فِي عَصْرِهِ كَانُوا يَبِيعُونَ الطَّعَامَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَبِيعُونَهُ لِنَهْيِهِ عَنْ الِاحْتِكَارِ ، فَمَا الَّذِي أَنْكَرُوهُ مِنْ هَذَا حَتَّى أَظْهَرُوا التَّعَجُّبَ مِنْهُ وَحَتَّى رَمَى بَعْضُ الْمَرَقَةِ الْأَعْمَشَ بِالْكَذِبِ مِنْ أَجْلِهِ .