النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ
النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ . قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا ثُمَّ رُوِّيتُمْ : نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ فَصَارَتِ النِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ دُونَ الْعَمَلِ وَصَارَتْ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي خَيْرًا مِنَ الْعَمَلِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاخْتِلَافٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا تَنَاقُضٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْهَامُّ بِالْحَسَنَةِ إِذَا لَمْ يَعْمَلْهَا خِلَافُ الْعَامِلِ لَهَا ، لِأَنَّ الْهَامَّ لَمْ يَعْمَلْ وَالْعَامِلَ لَمْ يَعْمَلْ حَتَّى هَمَّ ثُمَّ عَمِلَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِيَّةُ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَلِّدُ الْمُؤْمِنَ فِي الْجَنَّةِ بِنِيَّتِهِ لَا بِعَمَلِهِ ، وَلَوْ جُوزِيَ بِعَمَلِهِ لَمْ يَسْتَوْجِبِ التَّخْلِيدَ ، لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي سِنِينَ مَعْدُودَةٍ . وَالْجَزَاءُ عَلَيْهَا يَقَعُ بِمِثْلِهَا وَبِأَضْعَافِهَا . وَإِنَّمَا يُخَلِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنِيَّتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى أَبَدًا لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا ، فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ دُونَ نِيَّتِهِ جَزَاهُ عَلَيْهَا .
وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ نِيَّتُهُ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يُقِيمَ عَلَى كُفْرِهِ لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا ، فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ نِيَّتِهِ جَزَاهُ عَلَيْهَا .