حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تأويل مختلف الحديث

حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ

قَالُوا : حَدِيثٌ يُكَذِّبُهُ النَّظَرُ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً ، وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ قَالُوا : كَيْفَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ سُمٌّ وَشِفَاءٌ ؟ وَكَيْفَ يَعْلَمُ الذُّبَابُ بِمَوْضِعِ السُّمِّ فَيُقَدِّمُهُ وَبِمَوْضِعِ الشِّفَاءِ فَيُؤَخِّرُهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ . حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ نَا أَبُو عَتَّابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ قَالَ : وَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ ، فَقَالَ أَنَسٌ بِأُصْبُعِهِ فَغَمَزَهُ فِي الْمَاءِ ، وَقَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ، وَقَالَ : فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمٌّ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَقُولُ : إِنَّ مَنْ حَمَلَ أَمْرَ الدِّينِ عَلَى مَا شَاهَدَ فَجَعَلَ الْبَهِيمَةَ لَا تَقُولُ ، وَالطَّائِرَ لَا يُسَبِّحُ ، وَالْبُقْعَةَ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ لَا تَشْكُو إِلَى أُخْتِهَا ، وَالذُّبَابَ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَ السُّمِّ وَمَوْضِعَ الشِّفَاءِ ، وَاعْتَرَضَ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِمَّا لَا يَفْهَمُهُ ، فَقَالَ : كَيْفَ يَكُونُ قِيرَاطٌ مِثْلَ أُحُدٍ ؟ وَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ؟ وَكَيْفَ يَأْكُلُ الشَّيْطَانُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ؟ وَأَيُّ شِمَالٍ لَهُ ؟ وَكَيْفَ لَقِيَ آدَمُ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ - حَتَّى تَنَازَعَا فِي الْقَدَرِ وَبَيْنَهُمَا أَحْقَابٌ ؟ وَأَيْنَ تَنَازَعَا ؟ فَإِنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مُعَطِّلٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَسْتَعِدُّ بِمِثْلِ هَذَا وَشِبْهِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَاللَّغْوِ وَالْجِدَالِ وَدَفْعِ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ - مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الْخِيَارُ مِنْ صَحَابَتِهِ وَالتَّابِعُونَ .

وَمَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كَمَنْ كَذَّبَ بِهِ كُلِّهِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى دِينٍ لَا يُؤْمِنُ فِيهِ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ لَمْ يَجِدْ مُنْتَقَلًا ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالصَّابِئِينَ وَالْثَنَوِيَّةَ يُؤْمِنُونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَيَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا يُنْكِرُ هَذَا إِلَّا قَوْمًا مِنَ الدَّهْرِيَّةِ ، وَقَدِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْجَهْمِيَّةِ . وَبَعْدُ فَمَا يُنْكَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الذُّبَابِ سُمٌّ وَشِفَاءٌ إِذَا نَحْنُ تَرَكْنَا طَرِيقَ الدِّيَانَةِ وَرَجَعْنَا إِلَى الْفَلْسَفَةِ ، وَهَلِ الذُّبَابُ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْحَيَّةِ ؟ فَإِنَّ الْأَطِبَّاءَ يَذْكُرُونَ أَنَّ لَحْمَهَا شِفَاءٌ مِنْ سُمِّهَا إِذَا عُمِلَ مِنْهُ التِّرْيَاقُ الْأَكْبَرُ ، وَنَافِعٌ مِنْ لَدْغِ الْعَقَارِبِ وَعَضِّ الْكِلَابِ الْكَلِبَةِ ، وَالْحُمَّى الرِّبْعِ ، وَالْفَالِجِ ، وَاللَّقْوَةِ ، وَالِارْتِعَاشِ ، وَالصَّرَعِ . وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْعَقْرَبِ إِنَّهَا إِذَا شُقَّ بَطْنُهَا ، ثُمَّ شُدَّتْ عَلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ نَفَعَتْ .

وَإِذَا أُحْرِقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا ، ثُمَّ سُقِيَ مِنْهَا مَنْ بِهِ الْحَصَاةُ نَفَعَتْهُ ، وَرُبَّمَا لَسَعَتِ الْمَفْلُوجَ فَأَفَاقَ وَتُلْقَى فِي الدُّهْنِ حِينًا فَيَكُونُ ذَلِكَ الدُّهْنُ مُفَرِّقًا لِلْأَوْرَامِ الْغَلِيظَةِ . وَالْأَطِبَّاءُ الْقُدَمَاءُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الذُّبَابَ إِذَا أُلْقِيَ فِي الْإِثْمِدِ وَسُحِقَ مَعَهُ ، ثُمَّ اكْتُحِلَ بِهِ زَادَ ذَلِكَ فِي نُورِ الْبَصَرِ وَشَدَّ مَرَاكِزَ الشَّعْرِ مِنَ الْأَجْفَانِ فِي حَافَّاتِ الْجُفُونِ . وَحَكَوْا عَنْ صَاحِبِ الْمَنْطِقِ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأُمَمِ كَانُوا يَأْكُلُونَ الذُّبَابَ فَلَا يَرْمَدُونَ ، وَقَالُوا فِي الذُّبَابِ : إِذَا شُدِخَ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ لَسْعَةِ الْعَقْرَبِ سَكَنَ الْوَجَعُ ، وَقَالُوا : مَنْ عَضَّهُ الْكَلْبُ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَسْتُرَ وَجْهَهُ مِنْ سُقُوطِ الذُّبَابِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَقْتُلَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَبِيعَةِ شِفَاءٍ فِيهِ أَوْ سُمٍّ .

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَكَيْفَ تَكُونُ الْبَهَائِمُ وَالْحَشَرَاتُ لَا تَفْهَمُ إِذَا نَحْنُ تَرَكْنَا طَرِيقَ الدِّيَانَةِ وَقُلْنَا بِالْفَلْسَفَةِ وَبِمَا يُلْحِقُهُ الْعِيَانُ ، وَنَحْنُ نَرَى الذَّرَّةَ تَدَّخِرُ فِي الصَّيْفِ لِلشِّتَاءِ ، فَإِذَا خَافَتِ الْعَفَنَ عَلَى مَا ادَّخَرَتْ مِنَ الْحَبِّ أَخْرَجَتْهُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ فَنَشَرَتْهُ لَيْلًا فِي الْقَمَرِ ، وَإِذَا خَافَتْ نَبَاتَ الْحَبِّ نَقَرَتْ وَسَطَ الْحَبَّةِ لِئَلَّا تَنْبُتَ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لَيْسَ شَيْءٌ يَدَّخِرُ إِلَّا الْإِنْسَانُ وَالنَّمْلَةُ وَالْفَأْرَةُ ، وَهَذِهِ الْغِرْبَانُ لَا تَقْرَبُ نَخْلَةٌ مُوقَرَةٌ ، فَإِذَا صُرِمَتِ النَّخْلَةُ سَقَطَتْ عَلَيْهَا فَلَقَطَتْ مَا فِي الْقُلْبَةِ ، يَعْنِي الْكَرْبَ ، وَقَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ : إِذَا نَهَشَتِ الْإِبِلَ حَيَّةٌ أَكَلَتِ السَّرَاطِينَ ، وَقَالَ ابْنُ مَاسَوَيْهِ : فَلِذَلِكَ نَظُنُّ أَنَّ السُّرَاطِينَ صَالِحَةً لِلْمَنْهُوشِينَ . قَالُوا : وَالسُّلَحْفَاةُ إِذَا أَكَلَتْ أَفْعَى أَكَلَتْ سَعْتَرًا جَبَلِيًّا .

وَابْنُ عُرْسٍ إِذَا قَاتَلَ الْحَيَّةَ أَكَلَ السَّذَابَ ، وَالْكِلَابُ إِذَا كَانَ فِي أَجْوَافِهَا دُودٌ أَكَلَتْ سُنْبُلَ الْقَمْحِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَأَرَى هَذِهِ عَلَى مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ تُفْهَمُ وَتُحْسِنُ الطِّبَّ أَيْضًا ، وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ مَعْرِفَةِ الذُّبَابِ بِالسُّمِّ وَالشِّفَاءِ فِي جَنَاحَيْهِ ، وَكَيْفَ لَا يَعْجَبُونَ مِنْ حَجَرٍ يَجْذِبُ الْحَدِيدَ مِنْ بُعْدٍ وَيُطِيعُهُ ، حَتَّى يَذْهَبَ بِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا بِذَهَابِهِ ، وَهَذَا حَجَرُ الْمِغْنَاطِيسِ ، وَكَيْفَ صَدَّقُوا بِقَوْلِ أَرُسْطَاطَالِيسَ فِي حَجَرِ السِّنْفِيلِ إِنَّهُ إِذَا رُبِطَ عَلَى بَطْنِ صَاحِبِ الِاسْتِسْقَاءِ نَشَّفَ مِنْهُ الْمَاءَ ، وَإِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُوزَنُ بَعْدَ أَنْ يُشَدَّ عَلَى بَطْنِهِ فَيُوجَدَ قَدْ زَادَ فِي وَزْنِهِ . وَذَاكَرْتُ أَيُّوبَ الْمُتَطَبِّبَ بِهَذَا أَوْ حُنَيْنًا فَعَرَفَهُ وَقَالَ : هَذَا الْحَجَرُ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ قَالَ فِي غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .

وَبِقَوْلِهِ فِي حَجَرٍ يَسْبَحُ فِي الْخَلِّ كَأَنَّهُ سَمَكَةٌ - وَخَرَزَةٍ تَصِيرُ فِي حَقْوِ الْمَرْأَةِ فَلَا تَحْبَلُ - وَحَجَرٍ يُوضَعُ عَلَى حَرْفِ التَّنُّورِ فَيَتَسَاقَطُ خُبْزُ التَّنُّورِ كُلُّهُ ، وَحَجَرٍ يَقْبِضُ عَلَيْهِ الْقَابِضُ بِكَفَّيْهِ فَيُلْقَى كُلُّ شَيْءٍ فِي جَوْفِهِ ، وَبِالصَّعِيدِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ شَجَرَةٌ تُعْرَفُ بِالسَّنْطَةِ ، يُشْهُرُ عَلَيْهَا السَّيْفُ وَتُتَوَعَّدُ بِالْقَطْعِ فَتَذْبُلُ . وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ لَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : إِنِّي اسْتَوْدَعْتُ هَذَا وَدِيعَةً فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيَّ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : رُدَّ عَلَى الرَّجُلِ وَدِيعَتَهُ . فَقَالَ : يَا أَبَا أُمَيَّةَ إِنَّهُ حَجَرٌ إِذَا رَأَتْهُ الْحُبْلَى أَلْقَتْ وَلَدَهَا ، وَإِذَا وَقَعَ فِي الْخَلِّ غَلِيَ ، وَإِذَا وُضِعَ فِي التَّنُّورِ بَرَدَ .

فَسَكَتَ شُرَيْحٌ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا حَتَّى قَامَا ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - لَا يَضْبُطُهَا وَهْمٌ ، وَلَا يُعْرَفُ أَكْثَرُهَا بِقِيَاسٍ ، وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مِثْلَ هَذَا مِنْ عَجَائِبِ الْخَلْقِ لَكَثُرَ وَطَالَ .

موقع حَـدِيث