عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ : مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو أُوَيْسٍ فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ . وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى آلِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَهُوَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَكَانَ لِعَبْدِ الْأَسَدِ ثَلَاثَةُ بَنِينَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَهُوَ أَبُو سَلَمَةَ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ - قَالَ الْعَدَوِيُّ : وَكَانَ لَهُ قَدْرٌ ، وَلِسُفْيَانَ هَذَا ابْنٌ يُسَمَّى الْأَسْوَدُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَكَانَ لَهُمْ بَنُونَ لَهُمْ قَدْرٌ ، وَهُمْ مَوَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ هَذَا شَيْخُ مَالِكٍ ، وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فِيهِ هُوَ الصَّوَابُ ، عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَمَا قَالَهُ أَبُو أُوَيْسٍ فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ ; لِأَنَّهُ نَسَبَ الْأَسْوَدَ إِلَى جَدِّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هَذَا ثِقَةٌ حُجَّةٌ فِيمَا نَقَلَ . ذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ فَقَالَ : ثِقَةٌ ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ يَحْيَى بْنَ سُفْيَانَ فَقَالَ : ثِقَةٌ ، حَدَّثَ عَنْهُ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِمَالِكٍ عَنْهُ مِنْ مَرْفُوعَاتِ الْمُوَطَّأِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ شَرَكَهُ فِي أَحَدِهَا أَبُو النَّضْرِ . 28 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا كَانَ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ أَهْلُ السُّنَّةِ : أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ بَعْدُ ، إِحْدَاهُمَا : رَحْمَة اللَّهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَالْأُخْرَى عَذَابُهُ وَنِقْمَتُهُ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُ مِنْ خَلْقِهِ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَالَ : مَخْلُوقَتَانِ لَا تَبِيدَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلَائِلُ مِنَ الْآثَارِ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بَعْدُ ، وَالنَّارُ مَخْلُوقَةٌ بَعْدُ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ : إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ ، يُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آلِ فِرْعَوْنَ : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا الْآيَةَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، هَذَا الْحَدِيثُ أَبْيَنُ شَيْءٍ فِي أَنَّهَا قَدْ خُلِقَتْ ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ شِتَاءً وَصَيْفًا . أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ : يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، قَالَ : فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَذِهِ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا ، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : يَا رَبِّ ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ ; فَلَمَّا خَلَقَ النَّارَ قَالَ : يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : يَا رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا ، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ وَقَالَ : اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا . فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ : يَا رَبِّ ، لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا يَدْخُلُهَا . وَقَرَأَتُ عَلَى خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ دَعَا جِبْرِيلَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ : انْظُرْ إِلَيْهَا ، وَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا ، فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا ، فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَقَالَ : ارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا . فَرَجَعَ وَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ يَسْمَعُ بِهَا ، فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ ، ثُمَّ قَالَ : عُدْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ ، فَرَجَعَ فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا . وَأَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَاجِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فُضَلَاءَ سَيَّارَةً ، يَلْتَمِسُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ ، فَإِذَا مَرُّوا بِقَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، يَحُفُّونَ بِهِمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ ، فَإِذَا انْصَرَفُوا عَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَهُوَ أَعْلَمُ : مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ ، يُسَبِّحُونَكَ ، وَيَحْمَدُونَكَ ، وَيُهَلِّلُونَكَ ، وَيَسْأَلُونَكَ ، وَيَسْتَجِيرُونَكَ . فَيَقُولُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ : وَمَا يَسْأَلُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ : لَا . فَيَقُولُ : كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ وَيَقُولُ : مِمَّ يَسْتَجِيرُونَ - وَهُوَ أَعْلَمُ - فَيَقُولُونَ : مِنَ النَّارِ . فَيَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ : لَا . فَيَقُولُ : كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ ثُمَّ يَقُولُ : فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا ، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا . فَيَقُولُونَ : أَيْ رَبِّ ، فِيهِمْ عَبْدُكَ الْخَطَّاءُ لَيْسَ مِنْهُمْ ، إِنَّمَا مَرَّ بِهِمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ ، فَيَقُولُ : وَفُلَانٌ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ . وَرَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ سَوَاءً . وَرَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ; إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى ( بِهِمْ ) جَلِيسُهُمْ ، وَالْآثَارُ فِي خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَالتَّسْلِيمُ لِمَا جَاءَ مِنْهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ، وَحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ . وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَالِبٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى الْمَجَازِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى وَكَقَوْلِ عَنْتَرَةَ : وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ : امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ : قَالَتِ السَّمَاءُ فَهَطَلَتْ . وَقَالَتْ رِجْلِي فَخَدِرَتْ ، وَنَحْوَ هَذَا . وَكَقَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ حِزَامٍ حِينَ جَعَلَ الْقَوْلَ لِمَنْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ قَوْلٌ : أَلَا يَا غُرَابَيْ دِمْنَةِ الدَّارِ بَيِّنَا أَبِا لصَّرْمِ مِنْ عَفْرَاءَ تَنْتَحِبَانِ فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا تَقُولَانِ فَانْهَضَا بِلَحْمِي إِلَى وَكْرَيْكُمَا فَكُلَانِي وَكَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ : فَقَالَتْ لِيَ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً وَحَدَّرَتَا مِثْلَ الْجُمَانِ الْمُنَظَّمِ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ : كَمْ أُنَاسٌ فِي نَعِيْمٍ عَمَّرُوا فِي ذُرَى مُلْكٍ تَعَالَى فَبَسَقْ سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمُ ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقْ وَهَذَا وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَلُغَاتِهَا ، وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّهَا تَنْطِقُ يُنْطِقُهَا اللَّهُ الَّذِي يُنْطِقُ الْجُلُودَ وَكُلَّ شَيْءٍ ، وَلَهَا لِسَانٌ كَمَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَبِقَوْلِهِ : سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَبِمَا جَاءَ مِنْ نَحْوِ هَذَا فِي الْآثَارِ الثَّابِتَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ : فَتَقُولُ : قَطْ قَطْ ، وَتَقُولُ : وُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وَهَذَا وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَحَمَلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ وَالْآثَارِ مِنْ مِثْلِ هَذَا عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَقُصُّ الْحَقَّ وَقَوْلُهُ : وَالْحَقَّ أَقُولُ وَنَحْوِ هَذَا ، وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ يَطُولُ الِاعْتِلَالُ لَهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إِذَا كَانَ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ · ص 109 شرح الزرقاني على الموطأبَاب النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْهَاجِرَةِ · ص 110 28 - وَحَدَّثَنَا مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ . 28 28 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ) بِتَحْتِيَّةٍ وَزَايٍ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ الْمَقْبُرِيِّ الْأَعْوَرِ ، ثِقَةٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ) بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيِّ الْمَخْزُومِيِّ ابْنِ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ زَوْجِ أُمِّ سَلَمَةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ ، وَأَشَارَ فِي الْإِصَابَةِ إِلَى تَرْجِيحِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ . ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) إِسْمَاعِيلَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ أَوِ اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ( ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ . ( وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ) بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ ثَوْبٍ الْعَامِرِيِّ عَامِرِ قُرَيْشٍ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ مِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ . ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِخِلَافِ حَدِيثِ : الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأبْرُدُوهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ بِوَصْلِ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ بَرَدَ الْمَاءُ حَرَارَةَ جَوْفِي . ( عَنِ الصَّلَاةِ ) أَيْ صَلَاةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا الَّتِي يَشْتَدُّ الْحَرُّ غَالِبًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى عُمُومِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ يَعُمُّ فَقَالَ بِهِ أَشْهَبُ فِي الْعَصْرِ وَأَحْمَدُ فِي الْعِشَاءِ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِي الْمَغْرِبِ وَلَا فِي الصُّبْحِ لِضِيقِ وَقْتِهِمَا . ( فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) تَعْلِيلٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ ، وَحِكْمَتُهُ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّهَا تَسْلُبُ الْخُشُوعَ وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا الْعَذَابُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسْجَرُ فِيهَا جَهَنَّمُ ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَظِنَّةُ وُجُودِ الرَّحْمَةِ فَفِعْلُهَا مَظِنَّةُ طَرْدِ الْعَذَابِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ إِذَا جَاءَ مِنَ الشَّارِعِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ ، وَاسْتَنْبَطَ لَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ مَعْنًى مُنَاسِبًا فَقَالَ : وَقْتُ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ لَا يَنْجَعُ فِيهِ الطَّلَبُ إِلَّا مِمَّنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهَا طَلَبًا وَدُعَاءً فَنَاسَبَ الْإِقْصَارُ حِينَئِذٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ اعْتَذَرَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ لِلْأُمَمِ بِأَنَّ اللَّهَ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ سِوَى نَبِيِّنَا فَلَمْ يَعْتَذِرْ بَلْ طَلَبَ لِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : سَجْرُ جَهَنَّمَ سَبَبُ فَيْحِهَا ، وَفَيْحُهَا سَبَبُ وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ سَلْبِ الْخُشُوعِ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ سَجْرَهَا مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَالْإِبْرَادُ مُخْتَصٌّ بِشِدَّةِ الْحَرِّ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ ، فَحِكْمَةُ الْإِبْرَادِ دَفْعُ الْمَشَقَّةِ ، وَحِكْمَةُ التَّرْكِ وَقْتَ سَجْرِهَا لِكَوْنِهِ فِي وَقْتِ ظُهُورِ أَثَرِ الْغَضَبِ قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَاسْتِدْرَاكُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنِ الِاخْتِصَاصِ ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ نَدْبِ الْإِبْرَادِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ فَلَا اسْتِدْرَاكَ . ( وَذَكَرَ ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مُعَلَّقًا ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ ( أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا ) حَقِيقَةً بِلِسَانِ الْمَقَالِ كَمَا رَجَّحَهُ مِنْ فُحُولِ الرِّجَالِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَعِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَابْنُ الْمُنِيرِ ، وَالتُّورِبِشْتِيُّ ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ سِوَى مَا يَخْطُرُ لِلْوَاهِمِ مِنَ الْخَيَالِ . ( فَأَذِنَ لَهَا فِي كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْنِ ) تَثْنِيَةُ نَفَسٍ بِالْفَتْحِ ( نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ) الرِّوَايَةُ بِجَرِّ نَفَسٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِذْ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ أَيْ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ . وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَتِ النَّارُ : رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لِي أَتَنَفَّسُ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ وَزَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، وَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ حَرٍّ أَوْ حَرُورٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّهَا إِذَا تَنَفَّسَتْ فِي الصَّيْفِ قَوَّى لَهَبُ تَنَفُّسِهَا حَرَّ الشَّمْسِ ، وَإِذَا تَنَفَّسَتْ فِي الشِّتَاءِ دَفَعَ حَرُّهَا شِدَّةَ الْبَرْدِ إِلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَسَهَا فِي الشِّتَاءِ غَيْرُ الشِّتَاءِ وَنَفَسَهَا فِي الصَّيْفِ غَيْرُ الصَّيْفِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : إِنْ قِيلَ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ فِي النَّارِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ جَهَنَّمَ فِيهَا زَوَايَا فِيهَا نَارٌ وَزَوَايَا فِيهَا زَمْهَرِيرٌ وَلَيْسَتْ مَحَلًّا وَاحِدًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ . وَقَالَ مُغَلْطَايُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الَّذِي خَلَقَ الْمُلْكَ مِنْ ثَلْجٍ وَنَارٍ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِ الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ . وَأَيْضًا فَالنَّارُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ لَا تُقَاسُ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَهَنَّمَ مُطْبِقَةٌ مُحَاطٌ عَلَيْهَا بِجِسْمٍ يَكْتَنِفُهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّنْفِيسِ عَنْهَا إِعْلَامُ الْخَلْقِ بِأُنْمُوذَجٍ مِنْهَا . انْتَهَى . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ جَهَنَّمَ فِي قَرْنِ شَيْطَانٍ وَبَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَمَا تَرْتَفِعُ مِنْ قَصَبَةٍ إِلَّا فُتِحَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا كُلُّهَا . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنَفُّسَ يَقَعُ مِنْ أَبْوَابِهَا ، وَعَلَى أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ حَقِيقَةً . انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَهُ .