33 حَدِيثٌ ثَانٍ وَعِشْرُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ وَلَمْ يَقُلْ مَاءً ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنَ الْخِطَابِ ، وَهَكَذَا وَجَدْنَاهُ عِنْدَ جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا إِلَّا فِيمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً . وَأَمَّا الْقَعْنَبِيُّ فَلَمْ يَقُلْ مَاءً فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، فَقَالَ فِيهِ : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ بُكَيْرٍ ، وَمَعْنٍ ، وَجَمَاعَةٍ ، عَنْ مَالِكٍ : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ هُوَ هَكَذَا : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً . وَقَالَ أَبُو خَلِيفَةَ : الْفَضْلُ بْنُ حُبَابٍ الْقَاضِي الْبَصْرِيُّ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ المَاء ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ ، وَالْمُرَادُ مَفْهُومٌ ، وَرِوَايَةُ وَرْقَاءَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ كَمَا رَوَى يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَقُلْ مَاءً . قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَحَدُكُمْ تَوَضَّأَ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ يَسْتَنْثِرُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِنْثَارِ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ، وَذَلِكَ دَفْعُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ أَخْذُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ مِنَ الْكَفِّ ، وَالِاسْتِنْثَارُ دَفْعُهُ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدْفَعَهُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ ، فَفِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ أَمْرٌ بِالِاسْتِنْشَاقِ فَافْهَمْ ، وَعَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ الْقَذْفُ ، يُقَالُ : نَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ إِذَا قَذَفَ مِنْ أَنْفِهِ مَا اسْتَنْشَقَ مِثْلَ الِامْتِخَاطِ ، وَيُقَالُ : الْجَرَادُ نَثْرَةُ حُوتٍ ، أَيْ قَذَفَ بِهِ مِنْ أَنْفِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الِاسْتِنْثَارُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ وَيَسْتَنْثِرَ ، قِيلَ لِمَالِكٍ : أَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ ؟ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحِمَارُ ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ مَرَّةً أَمْ مَرَّتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا ؟ فَقَالَ : مَا أُبَالِي أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْثِرَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا لَفْظُ الِاسْتِنْشَاقِ ، فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ الْأَمْرُ بِهِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ ، وَيُوجَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ . وَأَمَّا لَفْظُ الِاسْتِنْثَارِ ، فَمَحْفُوظٌ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، وَالْأَعْرَجِ ، وَعِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْحُكْمَ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ وَالِاخْتِيَارِ ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ فِي الِاسْتِنْثَارِ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَنَزِيدُ الْقَوْلَ هَاهُنَا بَيَانًا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ ، قَالَ : أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ عَاصِمٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ قَارِظِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَدْتُهُ يَتَوَضَّأُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْتَنْثِرُوا اثْنَتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ قَارِظٍ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَانْثُرْ ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لْيَنْثُرْهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا أَبْيَنُ حَدِيثٍ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ ، وَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ طُرًّا أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَالِاسْتِنْثَارَ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَكَذَلِكَ الْمَضْمَضَةُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا ، فَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْثَارَ فِي الْوُضُوءِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الِاسْتِنْثَارِ خَاصَّةً ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ فِي الِاسْتِنْثَارِ خَاصَّةً أَيْضًا ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا يَذْهَبُونَ إِلَى إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ دُونَ الْوُضُوءِ ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ تُوجِبُهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنْ لَا فَرْضَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبٌ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ مُسْتَوْعَبًا مُمَهَّدًا بِعِلَلِهِ ، وَأَوْضَحْنَا وُجُوهَ الْأَقَاوِيلَ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الصُّنَابِحِيِّ فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَذَكَرْنَا أَحْكَامَ الِاسْتِجْمَارِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْوِتْرَ فِي الِاسْتِجْمَارِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَكِنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ سُنَّةٌ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ لَهُمْ وَلِمَنْ خَالَفَهُمْ هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ الْوِتْرَ فِي تَجْمِيرِ ثِيَابِهِ ، وَكَانَ يَسْتَعْمِلُ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، فَكَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالْأَحْجَارِ وِتْرًا ، وَكَانَ يُجَمِّرُ ثِيَابَهُ وِتْرًا تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُسْتَعْمِلًا عُمُومَ الْخِطَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ الْمَرْفُوعِ : إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ · ص 220 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء وحديث مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ · ص 36 33 36 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، ثُمَّ لْيَنْثُرْ ؛ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . 37 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . 1281 - عِنْدَ بَعْضِ شُيُوخِنَا فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ : فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءً . وَالْمَعْنَى قَائِمٌ . 1282 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ لْيَنْثُرْ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : فَلْيَسْتَنْثِرْ فَإِنَّهُ يُقَالُ : نَثَرَ وَاسْتَنْثَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ دَفْعُ مَا اسْتَنْشَقَهُ مِنَ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ . 1283 - وَلَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثٌ هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَلَا يَكُونُ الِاسْتِنْثَارُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَلَفْظُ الِاسْتِنْشَاقِ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ . 1284 - وَيُؤْخَذُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . 1285 - فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرِهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ لْيَنْثُرْ . 1286 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ - وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ صَبْرَةَ - قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ . قَالَ : أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا . 1287 - وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَانْثُرْ ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ . 1288 - وَأَمَّا الِاسْتِنْثَارُ فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادَيْنِ . 1289 - وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ قَارِظِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . 1290 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 1291 - وَقَدْ جَمَعَهَا الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ فَجَوَّدَ . 1292 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ حُمْرَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوُضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . 1293 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ وَالِاسْتِنْثَارَ فِي وُضُوئِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا : أَعَادَ الْوُضُوءَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الِاسْتِنْثَارِ خَاصَّةً دُونَ الْمَضْمَضَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ فِي الِاسْتِنْثَارِ خَاصَّةً . 1294 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، يَذْهَبُونَ إِلَى إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْجَنَابَةِ دُونَ الْوُضُوءِ . 1295 - وَكَانَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَطَائِفَةٌ يُوجِبُونَهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ مَعًا . 1296 - وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْضَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبٌ إِلَّا مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَذَلِكَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ . 1297 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعَانِيَ أَقْوَالِهِمْ وَعُيُونَ احْتِجَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1298 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ فَمَعْنَى الِاسْتِجْمَارِ : إِزَالَةُ الْأَذَى مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْأَحْجَارِ . وَالْجِمَارُ عِنْدَ الْعَرَبِ : الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ . 1299 - وَقَدْ ذَكَرْنَا تَصْرِيفَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ وَشَوَاهِدِ الشِّعْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 1300 - وَالِاسْتِجْمَارُ : هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ ، وَهُوَ إِزَالَةُ النَّجْوِ مِنَ الْمَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ . 1301 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ : هَلْ هُوَ فَرْضٌ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ؟ . 1302 - فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا . وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ ، فَإِنْ صَلَّى كَذَلِكَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ لَهُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ . وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ . 1303 - وَأَبُو حَنِيفَةَ يُرَاعِي [ أَنْ يَكُونَ ] مَا خَرَجَ عَنْ فِي الْمَخْرَجِ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ ، عَلَى أَصْلِهِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ . 1304 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدَ ، وَالطَّبَرِيُّ : الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ ، وَلَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى دُونَ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالْمَاءِ . وَالْمَخْرَجُ مَخْصُوصٌ بِالْأَحْجَارِ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 1305 - وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، الِاسْتِنْجَاءُ بِأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إِذَا ذَهَبَ النَّجْوُ ، لِأَنَّ الْوِتْرَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ ، فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْوِتْرِ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . 1306 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . 1307 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 1308 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ . 1309 - وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ : أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ . قَالَ : أَجَلْ ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا ، أَوْ نَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ ، وَالرِّمَّةِ . وَهُمَا حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ . 1310 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا قَامَ مَقَامَ الْأَحْجَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ فَجَائِزٌ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا . 1311 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ اسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَجْزَأَهُ ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ . 1312 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ . 1313 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : كُلُّ طَاهِرٍ ، وَنَجِسٍ أَزَالَ النَّجْوَ أَجَزَأَ . 1314 - وَقَالَ دَاوُدُ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ الطَّاهِرَةِ . 1315 - وَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ بَيْنَ الْمُعْتَادَاتِ وَغَيْرِ الْمُعْتَادَاتِ : أَنَّ الْأَحْجَارَ تُجْزِئُ فِيهَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . 1316 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيمَا عَدَا الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَكَذَلِكَ مَا عَدَا الْمَخْرَجِ وَمَا حَوْلَهُ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْأَحْجَارُ وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ . 1317 - وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْمَذْيِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 1318 - وَحَكَى ابْنُ خُوازَ بَنْدَاذَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَا حَوْلَ الْمَخْرَجِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ وَالْعَادَةِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ ، وَلَمْ أَرَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْقِيَاسَ . 1319 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الْأَحْجَارَ تُجْزِئُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ مِثْلَ الشَّعْرِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَخْرَجِ . 1320 - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تُجْزِئُ فِيهِ الْأَحْجَارُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى ذَلِكَ . 1321 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَعَلَى أَصْلِهِمْ : أَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ بِكُلِّ مَا أَزَالَ عَيْنَهَا وَأَذْهَبَهَا ، مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ . وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ عِنْدَهُمْ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَصْلًا . 1322 - وَقَالَ دَاوُدُ : النَّجَاسَةُ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ أَجَزَأَ ، وَلَا تُحَدُّ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ . 1323 - قَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ حَسَنٌ ، وَالْمَاءُ أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَيَغْسِلُ مَا هُنَالِكَ بِالْمَاءِ مَنْ لَمْ يَسْتَنْجِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ . 1324 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَجُوزُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ ، وَالْمَاءُ أَطْهَرُ . 1325 - وَمَنْ جَعَلَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِنْجَاءَ وَاجِبًا جَعَلَ الْوِتْرَ فِيهِ وَاجِبًا ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ فِيهِ الْوِتْرَ . 1326 - وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ عِنْدَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ · ص 122 33 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ . 33 33 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَبِالنُّونِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو الزِّنَادِ لَقَبٌ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى مُلَازِمِ النَّارِ لَكِنَّهُ اشْتُهِرَ بِهِ لِجَوْدَةِ ذِهْنِهِ وَحِدَّةِ فَهْمِهِ كَأَنَّهُ نَارٌ مُوقَدَةٌ . ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ ) أَيْ إِذَا شَرَعَ فِي الْوُضُوءِ ( أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ) مَاءً كَمَا فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَابْنِ بُكَيْرٍ وَأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ فِي الْبُخَارِيِّ ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو : لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنَ الْخِطَابِ فَإِنَّ الْمَجْعُولَ فِي أَنْفِهِ إِذَا تَوَضَّأَ إِنَّمَا هُوَ مَاءٌ وَلِذَا قَالَ : ثُمَّ لِيَنْثِرَ بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَفِي الصَّحِيحِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرَ بِزِيَادَةِ تَاءٍ ، وَفِي النَّسَائِيِّ : ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرَ بِزِيَادَةِ سِينٍ وَتَاءٍ كَذَا قَالَ السُّيُوطِيُّ ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ : لِيَنْتَثِرَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ بِوَزْنِ يَفْتَعِلُ ، وَلِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لِيَنْثُرَ بِمُثَلَّثَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ وَالرِّوَايَتَانِ لِأَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ أَيْضًا ، قَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَالُ : نَثَرَ الرَّجُلُ وَانْتَثَرَ . وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ فِي الطَّهَارَةِ . انْتَهَى . فَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ السُّيُوطِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَا فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ فِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ عِيَاضٌ : هُوَ مِنَ النَّثْرِ وَهُوَ الطَّرْحُ وَهُوَ هُنَا طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي تَنْشَّقَ مِنْهُ قَبْلُ لِيُخْرِجَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ قَذَرِ الْأَنْفِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : نَثَرَ يَنْثِرُ بِالْكَسْرِ إِذَا امْتَخَطَ ، وَاسْتَنْثَرَ اسْتَفْعَلَ مِنْهُ أَيِ اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مَا فِي الْأَنْفِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ عَدَدًا وَقَدْ زَادَ سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وِتْرًا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ) أَيِ اسْتَعْمَلَ الْجِمَارَ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبَخُورِ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو لَا يَصِحُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْهُ خِلَافَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ نَفَى وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ لِلْإِتْيَانِ فِيهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ : وَفِي الْإِكْمَالِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : الِاسْتِجْمَارُ الْمَسْحُ بِالْجِمَارِ وَهِيَ الْأَحْجَارُ الصِّغَارُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حِجَارَةُ الرَّمْيِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : يَجُوزُ أَنَّهُ أُخِذَ مِنَ الِاسْتِجْمَارِ بِالْبَخُورِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ الرَّائِحَةُ وَهَذَا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ الْقَبِيحَةَ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي مَعْنَى الِاسْتِجْمَارِ فِي الْحَدِيثِ فَقِيلَ هَذَا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ فِي الْبَخُورِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثَلَاثَ قِطَعٍ أَوْ يَأْخُذَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَعْمِلُ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .