الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم ؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . هَذَا الحَدِيث أنكر بَعضهم وجوده ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فلنذكر أَولا مقالاتهم ثمَّ نبين مَا يسر الله بِهِ علينا فَنَقُول : قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : حَدِيث إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم لم أجد لَهُ أصلا ، وَهَكَذَا جمَاعَة اعتنوا بِالْحَدِيثِ . وَقَالَ : قد ذكر بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : حَدِيث لَا تنفضوا أَيْدِيكُم لَا صِحَة لَهُ ، وَلم أجد لَهُ أَنا فِي جمَاعَة اعتنوا بالبحث عَن أَمْثَاله أصلا ، وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . قَالَ بعض المصنفين : هَذَا شَيْء يُوجد فِي كتب الْفِقْه ، وَلم أظفر لَهُ بِأَصْل من كتب الحَدِيث . قلت : واعجباه من هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة حَيْثُ لم يَجدوا لَهُ أصلا ، وَمن ابْن الصّلاح كَيفَ يَقُول : وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهُ مراوح الشَّيْطَان ! وَقد رَوَى الحَدِيث بِطُولِهِ إمامان جليلان مشهوران بِزِيَادَة فِيهِ . أَحدهمَا : الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي كتاب الْعِلَل - وَمَا أَكثر فَوَائده - من حَدِيث هِشَام بن عمار ، عَن البخْترِي بن عبيد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم من المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم من المَاء ؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . الثَّانِي : الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان ؛ فَإِنَّهُ أخرج فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء فِي تَرْجَمَة البخْترِي بن عبيد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان . وَذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كِتَابه تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب بِإِسْنَادِهِ إِلَى هِشَام بن عمار كَمَا أخرجه ابْن حبَان سَوَاء وَسكت عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَجِيب ؛ فَإِنَّهُ ضَعِيف بِمرَّة ، كَمَا صرح بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة . قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، والبختري ضَعِيف الحَدِيث ، وَأَبوهُ مَجْهُول . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : البخْترِي بن عبيد ابن سلمَان ضَعِيف الحَدِيث ذَاهِب ، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ ، إِذا انْفَرد فَلَيْسَ بعدلٍ فقد رَوَى عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة نُسْخَة فِيهَا عجائب . وَقَالَ ابْن عدي : رَوَى عَن أَبِيه قدر عشْرين حَدِيثا عامتها مَنَاكِير مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَمِنْهَا الأذنان من الرَّأْس . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : البخْترِي ضَعِيف ، وَأَبوهُ مَجْهُول . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب سَاقِط . وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ : رَوَى عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْضُوعَات . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة بعد ذكره : لَا يحل الِاحْتِجَاج بالبختري إِذا انْفَرد . وَقَالَ الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ : أنكر مَا رَوَى عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث . وَذكر هَذَا الحَدِيث الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة وَنقل فِيهِ مقَالَة ابْن حبَان الْمُتَقَدّمَة وَحدهَا ، وَقد أخرج ابْن مَاجَه فِي سنَنه للبختري بن عبيد الْمَذْكُور . قلت : وَلم ينْفَرد بِهِ البخْترِي ؛ بل تَابعه عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي وَإِن كَانَ مَجْهُولا عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه صفوة التصوف وَترْجم عَلَيْهِ : السّنة فِي مسحهم أَعينهم من بَلل الْيَد وكراهيتهم نفض الْيَد . ثمَّ سَاق من حَدِيث أبي الْحسن بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ : كنت مَعَ جدي لأمي فِي وَلِيمَة فِيهَا مُحَمَّد بن المتَوَكل بن أبي السّري ، فَقدم الْغسْل يَعْنِي ليغسل النَّاس أَيْديهم للطعام ، فقدمه الْخَادِم بَين يَدي ابْن أبي السّري ، فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري : قدم بَين يَدي الشَّيْخ - يَعْنِي جدي - فقدمه وَغسل يَدَيْهِ ونفضهما فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري : لَا تنفض يَا أَبَا فلَان ! حَدَّثَنَا عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم ؛ فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان . فَقَالَ لَهُ جدي : فِي الضَّوْء وَغَيره ؟ قَالَ : أعده عَلّي ابْن ابْنَتي لنحفظه . فَأَعَادَهُ عَلّي فَحفِظت فَعلم بِهَذَا كُله أَن الحَدِيث مَوْجُود فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوف وَإِن كَانَ ضَعِيفا ، وَالْإِنْكَار إِنَّمَا وَقع فِي وجوده وَفِي زِيَادَة بعض الْفُقَهَاء فِيهِ ، وَقد تقرر أَن هَذِه الزِّيَادَة من نَفْس الحَدِيث ، وَمن الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى ضعفه أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي تقدم فِي الْبَاب قَرِيبا حَيْثُ أُتِي بِخرقَة فَلم يردهَا وَجعل ينفض المَاء بِيَدِهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرين : أَحدهمَا : عَن عَلّي - كرم الله وَجهه - أَنه قَالَ : مَا أُبَالِي بيميني بدأت أم بشمالي إِذا أكملت الْوضُوء . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ ، نَا مُوسَى بن إِسْحَاق ، نَا أَبُو بكر ، نَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، عَن عَوْف ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ : قَالَ عَلّي : مَا أُبَالِي إِذا أتممت وضوئي بِأَيّ أعضائي بدأت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته و سنَنه : هَذَا مُنْقَطع . قَالَ : وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْأنْصَارِيّ عَن عَوْف عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ : قَالَ عَلّي مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت إِذا أتممت الْوضُوء . قَالَ عَوْف : وَلم يسمعهُ من عَلّي - يَعْنِي : عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد - قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ثمَّ إِن هَذَا مُطلق وَأَظنهُ أَرَادَ مَا رُوِيَ عَن زِيَاد مولَى بني مَخْزُوم قَالَ : قيل لعَلي - رَضي اللهُ عَنهُ - : إِن أَبَا هُرَيْرَة يبْدَأ بميامنه فِي الْوضُوء ! فَدَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ بمياسره . قلت : وَزِيَاد هَذَا فِيهِ مقَال ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا شَيْء . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن زِيَاد قَالَ : قَالَ عَلّي : مَا أُبَالِي لَو بدأت بالشمال قبل الْيَمين إِذا تَوَضَّأت . وَفِي رِوَايَة لَهُ : جَاءَ رجل إِلَى عَلّي بن أبي طَالب فَسَأَلَهُ عَن الْوضُوء ، فَقَالَ : ابدأ بِالْيَمِينِ قبل الشمَال فأضرط عَلّي بِهِ ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بالشمال قبل الْيَمين . وَفِي رِوَايَة لَهُ : سَأَلَ رجل عليًّا : أبدأ بشمالي قبل يَمِيني فِي الْوضُوء ؟ فأضرط بِهِ عَلّى ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بِشمَالِهِ قبل يَمِينه . قلت : وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي العبيدين - عَلّي صِيغَة تَصْغِير عَبْدَيْنِ - عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن رجل تَوَضَّأ فَبَدَأَ بمياسره فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : سَأَلت يَحْيَى بن معِين ، عَن أبي العبيدين ، فَقَالَ : اسْمه : مُعَاوِيَة بن سُبْرَة ، وَهُوَ ثِقَة . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ : لَا بَأْس أَن تبدأ بِرِجْلَيْك قبل يَديك قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا مُرْسل . الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهما - أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي سوق الْمَدِينَة فدعي إِلَى جَنَازَة وَقد بَقِي من وضوءه فرض الرجلَيْن ، فَذهب مَعهَا إِلَى الْمُصَلى ثمَّ مسح عَلَى خفيه ، وَكَانَ لابسًا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث مَالك بن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - وعنى بِهِ فِي موطئِهِ - الَّذِي قَالَ فِيهِ إمامنا الشَّافِعِي : أَنه أصح كتاب بعد كتاب الله تَعَالَى - عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر بَال بِالسوقِ ، ثمَّ تَوَضَّأ فَغسل وَجهه وَيَديه ، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ، ثمَّ دَعَا بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا حِين دخل الْمَسْجِد ، فَمسح عَلَى خفيه ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا . وَهَذَا الْإِسْنَاد لَا يشْتَبه عَلَى أحد صِحَّته ، وَيُسمى هَذَا الْإِسْنَاد : سلسلة الذَّهَب مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ؛ بل هُوَ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا عَلَى قَول إِمَام هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا أصح الْأَسَانِيد : الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَقد أخرجه عَنهُ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ ، وَفِي الْأُم أَيْضا فِي كتاب اخْتِلَاف مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي بَاب نوم الْجَالِس ، وَذكر فِي الْأُم فِي كتاب اخْتِلَاف أبي حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى فِي بَاب صَلَاة الْخَوْف أَنه رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه تَوَضَّأ وَخرج إِلَى السُّوق ثمَّ دعِي بِجنَازَة ، فَمسح عَلَى خفيه وصَلَّى . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الْأَثر صَحِيح عَن ابْن عمر ، مَشْهُور بِهَذَا اللَّفْظ ، قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَهُوَ دَلِيل حسن لمن لم يُوجب الْمُوَالَاة ؛ فَإِن ابْن عمر فعله بِحَضْرَة حاضري الْجِنَازَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ ، وَرَأَيْت فِي الْبَيَان للعمراني - من أَصْحَابنَا - أَن ابْن عمر رَوَى ذَلِك من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَوَاء ، وَعَزاهُ بَعضهم إِلَى الْبَغَوِيّ ، وَلم أر هَذَا فِي كتاب حَدِيث ، وَإِنَّمَا نعرفه من فعل ابْن عمر فَليتبعْ . وَأما البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ علق أثر ابْن عمر هَذَا بِصِيغَة التمريض ذكره بِلَفْظ آخر ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : بَاب تَفْرِيق الْوضُوء وَالْغسْل . وَيذكر عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَنه غسل قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جف وضوءه كَذَا ذكره بِلَفْظ غسل بدل مسح وَالدّلَالَة حَاصِلَة أَيْضا بِهِ . وَتبع ابنُ الرّفْعَة صاحبَ الْبَيَان فَذكره مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِي : وَبَين ذَهَابه من السُّوق إِلَى الْمَسْجِد تَفْرِيق كثير قَالَ : وَقد رُوِيَ ذَلِك مَوْقُوفا عَلَى ابْن عمر ، وَهَذَا قد يُؤذن بِأَن الشَّافِعِي رَوَاهُ مَرْفُوعا ، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مَوْقُوفا كَمَا سلف .
تخريج كتب التخريج والعلل
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم · ص 262 البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبيرالحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم · ص 262 الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم ؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . هَذَا الحَدِيث أنكر بَعضهم وجوده ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فلنذكر أَولا مقالاتهم ثمَّ نبين مَا يسر الله بِهِ علينا فَنَقُول : قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : حَدِيث إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم لم أجد لَهُ أصلا ، وَهَكَذَا جمَاعَة اعتنوا بِالْحَدِيثِ . وَقَالَ : قد ذكر بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : حَدِيث لَا تنفضوا أَيْدِيكُم لَا صِحَة لَهُ ، وَلم أجد لَهُ أَنا فِي جمَاعَة اعتنوا بالبحث عَن أَمْثَاله أصلا ، وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . قَالَ بعض المصنفين : هَذَا شَيْء يُوجد فِي كتب الْفِقْه ، وَلم أظفر لَهُ بِأَصْل من كتب الحَدِيث . قلت : واعجباه من هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة حَيْثُ لم يَجدوا لَهُ أصلا ، وَمن ابْن الصّلاح كَيفَ يَقُول : وَزَاد بعض الْفُقَهَاء فِي آخِره فَإِنَّهُ مراوح الشَّيْطَان ! وَقد رَوَى الحَدِيث بِطُولِهِ إمامان جليلان مشهوران بِزِيَادَة فِيهِ . أَحدهمَا : الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي كتاب الْعِلَل - وَمَا أَكثر فَوَائده - من حَدِيث هِشَام بن عمار ، عَن البخْترِي بن عبيد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم من المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم من المَاء ؛ فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان . الثَّانِي : الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان ؛ فَإِنَّهُ أخرج فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء فِي تَرْجَمَة البخْترِي بن عبيد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان . وَذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كِتَابه تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب بِإِسْنَادِهِ إِلَى هِشَام بن عمار كَمَا أخرجه ابْن حبَان سَوَاء وَسكت عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَجِيب ؛ فَإِنَّهُ ضَعِيف بِمرَّة ، كَمَا صرح بِهِ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة . قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، والبختري ضَعِيف الحَدِيث ، وَأَبوهُ مَجْهُول . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : البخْترِي بن عبيد ابن سلمَان ضَعِيف الحَدِيث ذَاهِب ، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ ، إِذا انْفَرد فَلَيْسَ بعدلٍ فقد رَوَى عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة نُسْخَة فِيهَا عجائب . وَقَالَ ابْن عدي : رَوَى عَن أَبِيه قدر عشْرين حَدِيثا عامتها مَنَاكِير مِنْهَا هَذَا الحَدِيث ، وَمِنْهَا الأذنان من الرَّأْس . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : البخْترِي ضَعِيف ، وَأَبوهُ مَجْهُول . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب سَاقِط . وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ : رَوَى عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْضُوعَات . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة بعد ذكره : لَا يحل الِاحْتِجَاج بالبختري إِذا انْفَرد . وَقَالَ الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ : أنكر مَا رَوَى عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث . وَذكر هَذَا الحَدِيث الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة وَنقل فِيهِ مقَالَة ابْن حبَان الْمُتَقَدّمَة وَحدهَا ، وَقد أخرج ابْن مَاجَه فِي سنَنه للبختري بن عبيد الْمَذْكُور . قلت : وَلم ينْفَرد بِهِ البخْترِي ؛ بل تَابعه عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي وَإِن كَانَ مَجْهُولا عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه صفوة التصوف وَترْجم عَلَيْهِ : السّنة فِي مسحهم أَعينهم من بَلل الْيَد وكراهيتهم نفض الْيَد . ثمَّ سَاق من حَدِيث أبي الْحسن بن حجر الْعَسْقَلَانِي قَالَ : كنت مَعَ جدي لأمي فِي وَلِيمَة فِيهَا مُحَمَّد بن المتَوَكل بن أبي السّري ، فَقدم الْغسْل يَعْنِي ليغسل النَّاس أَيْديهم للطعام ، فقدمه الْخَادِم بَين يَدي ابْن أبي السّري ، فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري : قدم بَين يَدي الشَّيْخ - يَعْنِي جدي - فقدمه وَغسل يَدَيْهِ ونفضهما فَقَالَ لَهُ ابْن أبي السّري : لَا تنفض يَا أَبَا فلَان ! حَدَّثَنَا عبيد الله بن مُحَمَّد الطَّائِي ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا توضأتم فأشربوا أعينكُم المَاء وَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم ؛ فَإِنَّهَا مرواح الشَّيْطَان . فَقَالَ لَهُ جدي : فِي الضَّوْء وَغَيره ؟ قَالَ : أعده عَلّي ابْن ابْنَتي لنحفظه . فَأَعَادَهُ عَلّي فَحفِظت فَعلم بِهَذَا كُله أَن الحَدِيث مَوْجُود فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوف وَإِن كَانَ ضَعِيفا ، وَالْإِنْكَار إِنَّمَا وَقع فِي وجوده وَفِي زِيَادَة بعض الْفُقَهَاء فِيهِ ، وَقد تقرر أَن هَذِه الزِّيَادَة من نَفْس الحَدِيث ، وَمن الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى ضعفه أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي تقدم فِي الْبَاب قَرِيبا حَيْثُ أُتِي بِخرقَة فَلم يردهَا وَجعل ينفض المَاء بِيَدِهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرين : أَحدهمَا : عَن عَلّي - كرم الله وَجهه - أَنه قَالَ : مَا أُبَالِي بيميني بدأت أم بشمالي إِذا أكملت الْوضُوء . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الوَاسِطِيّ ، نَا مُوسَى بن إِسْحَاق ، نَا أَبُو بكر ، نَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، عَن عَوْف ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ : قَالَ عَلّي : مَا أُبَالِي إِذا أتممت وضوئي بِأَيّ أعضائي بدأت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته و سنَنه : هَذَا مُنْقَطع . قَالَ : وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْأنْصَارِيّ عَن عَوْف عَن عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد قَالَ : قَالَ عَلّي مَا أُبَالِي بِأَيّ أعضائي بدأت إِذا أتممت الْوضُوء . قَالَ عَوْف : وَلم يسمعهُ من عَلّي - يَعْنِي : عبد الله بن عَمْرو بن هِنْد - قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ثمَّ إِن هَذَا مُطلق وَأَظنهُ أَرَادَ مَا رُوِيَ عَن زِيَاد مولَى بني مَخْزُوم قَالَ : قيل لعَلي - رَضي اللهُ عَنهُ - : إِن أَبَا هُرَيْرَة يبْدَأ بميامنه فِي الْوضُوء ! فَدَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ بمياسره . قلت : وَزِيَاد هَذَا فِيهِ مقَال ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَا شَيْء . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن زِيَاد قَالَ : قَالَ عَلّي : مَا أُبَالِي لَو بدأت بالشمال قبل الْيَمين إِذا تَوَضَّأت . وَفِي رِوَايَة لَهُ : جَاءَ رجل إِلَى عَلّي بن أبي طَالب فَسَأَلَهُ عَن الْوضُوء ، فَقَالَ : ابدأ بِالْيَمِينِ قبل الشمَال فأضرط عَلّي بِهِ ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بالشمال قبل الْيَمين . وَفِي رِوَايَة لَهُ : سَأَلَ رجل عليًّا : أبدأ بشمالي قبل يَمِيني فِي الْوضُوء ؟ فأضرط بِهِ عَلّى ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فَبَدَأَ بِشمَالِهِ قبل يَمِينه . قلت : وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي العبيدين - عَلّي صِيغَة تَصْغِير عَبْدَيْنِ - عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن رجل تَوَضَّأ فَبَدَأَ بمياسره فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : سَأَلت يَحْيَى بن معِين ، عَن أبي العبيدين ، فَقَالَ : اسْمه : مُعَاوِيَة بن سُبْرَة ، وَهُوَ ثِقَة . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن مُجَاهِد عَنهُ أَنه قَالَ : لَا بَأْس أَن تبدأ بِرِجْلَيْك قبل يَديك قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا مُرْسل . الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهما - أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي سوق الْمَدِينَة فدعي إِلَى جَنَازَة وَقد بَقِي من وضوءه فرض الرجلَيْن ، فَذهب مَعهَا إِلَى الْمُصَلى ثمَّ مسح عَلَى خفيه ، وَكَانَ لابسًا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث مَالك بن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - وعنى بِهِ فِي موطئِهِ - الَّذِي قَالَ فِيهِ إمامنا الشَّافِعِي : أَنه أصح كتاب بعد كتاب الله تَعَالَى - عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر بَال بِالسوقِ ، ثمَّ تَوَضَّأ فَغسل وَجهه وَيَديه ، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ ، ثمَّ دَعَا بِجنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا حِين دخل الْمَسْجِد ، فَمسح عَلَى خفيه ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا . وَهَذَا الْإِسْنَاد لَا يشْتَبه عَلَى أحد صِحَّته ، وَيُسمى هَذَا الْإِسْنَاد : سلسلة الذَّهَب مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ؛ بل هُوَ أصح الْأَسَانِيد مُطلقًا عَلَى قَول إِمَام هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا أصح الْأَسَانِيد : الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَقد أخرجه عَنهُ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ ، وَفِي الْأُم أَيْضا فِي كتاب اخْتِلَاف مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي بَاب نوم الْجَالِس ، وَذكر فِي الْأُم فِي كتاب اخْتِلَاف أبي حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى فِي بَاب صَلَاة الْخَوْف أَنه رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه تَوَضَّأ وَخرج إِلَى السُّوق ثمَّ دعِي بِجنَازَة ، فَمسح عَلَى خفيه وصَلَّى . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الْأَثر صَحِيح عَن ابْن عمر ، مَشْهُور بِهَذَا اللَّفْظ ، قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَهُوَ دَلِيل حسن لمن لم يُوجب الْمُوَالَاة ؛ فَإِن ابْن عمر فعله بِحَضْرَة حاضري الْجِنَازَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ ، وَرَأَيْت فِي الْبَيَان للعمراني - من أَصْحَابنَا - أَن ابْن عمر رَوَى ذَلِك من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَوَاء ، وَعَزاهُ بَعضهم إِلَى الْبَغَوِيّ ، وَلم أر هَذَا فِي كتاب حَدِيث ، وَإِنَّمَا نعرفه من فعل ابْن عمر فَليتبعْ . وَأما البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ علق أثر ابْن عمر هَذَا بِصِيغَة التمريض ذكره بِلَفْظ آخر ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : بَاب تَفْرِيق الْوضُوء وَالْغسْل . وَيذكر عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَنه غسل قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جف وضوءه كَذَا ذكره بِلَفْظ غسل بدل مسح وَالدّلَالَة حَاصِلَة أَيْضا بِهِ . وَتبع ابنُ الرّفْعَة صاحبَ الْبَيَان فَذكره مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِي : وَبَين ذَهَابه من السُّوق إِلَى الْمَسْجِد تَفْرِيق كثير قَالَ : وَقد رُوِيَ ذَلِك مَوْقُوفا عَلَى ابْن عمر ، وَهَذَا قد يُؤذن بِأَن الشَّافِعِي رَوَاهُ مَرْفُوعا ، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مَوْقُوفا كَمَا سلف .