295 حَدِيثٌ ثَانٍ لِسُمَيٍّ مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَغَفَرَ لَهُ . وَقَالَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَقَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ - ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ فِي وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ يَرْوِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَكَذَا هِيَ مَحْفُوظَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ الَّذِي نَزَعَ غُصْنَ الشَّوْكِ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالثَّانِي : حَدِيثُ الشُّهَدَاءِ ، وَالثَّالِثُ : قَوْلُهُ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ سَقَطَ لِيَحْيَى مِنْ بَابٍ ، وَهُوَ عِنْدَهُ فِي بَابٍ آخَرَ ، مِنْهَا مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي بَابِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ . وَقَوْلُهُ : وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ إِلَى قَوْلِهِ : وَلَوْ حَبْوًا فَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ يَحْيَى ، وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْتُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ نَزْعَ الْأَذَى مِنَ الطُّرُقِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ ، وَتُوجِبُ الْغُفْرَانَ وَالْحَسَنَاتِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْتَقِرَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، فَرُبَّمَا غُفِرَ لَهُ بِأَقَلِّهَا ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ شَكَرَ لَهُ إِذْ نَزَعَ غُصْنَ الشَّوْكِ عَنِ الطَّرِيقِ فَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ ؟ ! وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، إِحْدَاهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا : إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَقَالَ الْحَكِيمُ : وَمَتَّى تَفْعَلُ الْكَثِيرَ مِنَ الْخَيْـ ـرِ إِذَا كُنْتَ تَارِكًا لِأَقَلِّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالَةِ صَدَقَةٌ ، وَنَظَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ سَابِقٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حُوسِبَ رَجُلٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا غُصْنُ شَوْكٍ نَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ فَغُفِرَ لَهُ . هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ فَهَكَذَا جَاءَ فِي ( هَذَا ) الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمَعَانِيهِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . أَخْبَرَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِيقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ ، وَالْغَرِقُ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْحَرِقُ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ، يَعْنِي كُلُّهُمْ شَهِيدٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعَانِي هَذَا الْبَابِ مُمَهَّدًا فِي بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : فَضْلُ النِّدَاءِ وَهُوَ الْأَذَانُ ، وَفَضْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفَضْلُ الْبُكُورِ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ بَكَّرَ وَانْتَظَرَ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَأَخَّرَ ، ثُمَّ تَخَطَّى إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفِي هَذَا مَا يُوَضِّحُ لَكَ مَعْنَى فَضْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ أَجْلِ الْبُكُورِ إِلَيْهِ وَالتَّقَدُّمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ : فَضْلُ شُهُودِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي مُكَرَّرَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهَا بَعْدُ هَاهُنَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا : جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - سَمَّاهَا الْعِشَاءَ بِقَوْلِهِ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ ، إِنَّمَا هِيَ الْعِشَاءُ ، وَإِنَّمَا يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَتِّمُونَ بِالْإِبِلِ ، وَمَنْ أَجَازَ تَسْمِيَةَ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ فَحُجَّتُهُ حَدِيثُ سُمَيٍّ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ، فَإِنَّمَا الِاسْتِهَامُ عَلَى الصَّفِّ لَا عَلَى الْأَذَانِ ، وَعَلَيْهِ رَجَعَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُؤَذِّنُ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ كَالْمَغْرِبِ ، وَالْجُمُعَةُ تَجْمَعُ كَثْرَةَ الْمُؤَذِّنِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحُضُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْأَذَانِ فَتَبْطُلُ السُّنَّةُ فِيهِ بِالتَّوَاكُلِ وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ ؛ وَقَدْ رَوَى أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ تَرَكْتَنَا بَعْدَكَ نَتَنَافَسُ فِي الْأَذَانِ ، فَقَالَ : إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا سَفَلَتُهُمْ مُؤَذِّنُوهُمْ ، وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ أَبُو حَمْزَةَ هَذَا ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُ · ص 11 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ · ص 334 295 265 م - وَالَّذِي يَرْوِيهِ الْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إِذْ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، فَأَخَّرَهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ . وَقَالَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُّوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . 7097 - وَكُلُّهُمْ يَرْوِي فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي بَابِ النِّدَاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَوْلَهُ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ . . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى . 7098 - وَسَقَطَ لِيَحْيَى مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ ، إِلَى قَوْلِهِ : لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . 7099 - وَرَوَاهُ فِي بَابِ النِّدَاءِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْآخَرُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْبَابِ ، لَا قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ بِالطَّرِيقِ ، وَالْخَبَرُ عَنِ الشُّهَدَاءِ . 7100 - وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ جَعَلَهَا بَعْضُ رُوَاةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرْبَعَةً . 7101 - فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : وَلَوْ يُعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَمْ يَقَعْ لِيَحْيَى فِي هَذَا الْبَابِ . 7102 - وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ النِّدَاءِ مَعَ قَوْلِهِ : وَلَوْ يُعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِ النِّدَاءِ . 7103 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ نَزْعَ الْأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ ، وَتُوجِبُ الْغُفْرَانَ ، وَتُكْسِبُ الْحَسَنَاتِ . 7104 - وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ مَا يَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا . 7105 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 7106 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ . فَهَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 7107 - وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِهِ : الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ . عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْمُوَطَّأِ . 7108 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي النِّدَاءِ وَفَضْلِهِ ، وَحُكْمِ الِاسْتِهَامِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي بَابِ النِّدَاءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 7109 - وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ الْقَوْلُ فِي الْمَبْطُونِ وَالْغَرِقِ وَالْمَطْعُونِ ، وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 7110 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ فَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ . 7111 - وَهُوَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ ، إِنَّمَا هِيَ الْعِشَاءُ ، وَإِنَّمَا يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَةَ لِأَنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ . 7112 - وَإِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ مِنَ الطُّرُقِ مَا لِلْأَحَادِيثِ فِي تَسْمِيَةِ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ . 7113 - فَجَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ تُسَمَّى بِالِاسْمَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا - الْيَوْمَ - بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ . 7114 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حُوسِبَ رَجُلٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا غُصْنَ شَوْكٍ نَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَغَفَرَ لَهُ تَفْسِيرٌ لِحَدِيثِ سُمِيٍّ . 7115 - وَذَكَرْنَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ فِي حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ بِتَمَامِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ · ص 265 148 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . 151 148 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ ، ( مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( السَّمَّانِ ) لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي السَّمْنِ وَالزَّيْتِ فَلِذَا قِيلَ لَهُ الزَّيَّاتُ أَيْضًا ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ) وَضَعَ الْمُضَارِعَ مَوْضِعَ الْمَاضِي لِيُفِيدَ اسْتِمْرَارَ الْعِلْمِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( مَا فِي النِّدَاءِ ) أَيِ الْأَذَانِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ ( وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ) زَادَ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَطْلَقَ مَفْعُولَ يَعْلَمُ وَهُوَ ما وَلَمْ يُبَيِّنِ الْفَضِيلَةَ مَا هِيَ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصْفِ وَالْإِطْلَاقِ إِنَّمَا هُوَ فِي قَدْرِ الْفَضِيلَةِ ، وَإِلَّا فَقَدَ مُيِّزَتْ فِي رِوَايَةٍ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : اخْتُلِفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ أَوِ الْمُبَكِّرُ السَّابِقُ إِلَى الْمَسْجِدِ ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ قَالَا : فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَائِلٌ كَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ الْمَقَاصِيرَ ، فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ بَكَّرَ وَانْتَظَرَ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِمَّنْ تَأَخَّرَ وَصَلَّى فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفِي هَذَا مَا يُوَضِّحُ مَعْنَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ أَجْلِ الْبُكُورِ إِلَيْهِ وَالتَّقَدُّمِ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الْمُؤَخَّرِ ( ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا ) شَيْئًا مِنْ وُجُوهِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِأَنْ يَقَعَ التَّسَاوِي ، أَمَّا فِي الْأَذَانِ فَبِأَنْ يَسَتَوُوا فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَحُسْنِ الصَّوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَمَّا فِي الصَّفِّ فَبِأَنْ يُصَلُّوا دُفْعَةً وَاحِدَةً وَيَتَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ . ( إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا ) أَيْ يَقْتَرِعُوا ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَشْمَلَ الْأَذَانَ وَالصَّفَّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَا عَلَى النِّدَاءِ وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَنَازَعَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ : يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَبْقَى النِّدَاءُ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ لَهُ ، قَالَ : وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةُ 68 ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِمَا فَهَذَا مُفْصِحٌ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ . ( لَاسْتَهَمُوا ) اقْتَرَعُوا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( سُورَةُ الصَّافَّاتِ : الْآيَةُ 141 ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : قِيلَ لَهُ اسْتِهَامٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى سِهَامٍ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ غَلَبَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَنْ قَالَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِصِحَّةِ اسْتِهَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِهَامَ عَلَى الْأَذَانِ مُتَوَجِّهٌ مِنْ جِهَةِ التَّوْلِيَةِ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَزِيَّةِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِهَامِ هُنَا التَّرَامِي بِالسِّهَامِ وَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُبَالِغَةِ وَاسْتَأْنَسَ بِحَدِيثِ : لَتَجَالَدُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ ، لَكِنَّ فَهْمَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ اقْتَرَعُوا أَوْلَى لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَكَانَتْ قُرْعَةً . وَقَدْ رَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ عَنْ شَقِيقٍ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ قَالَ : افْتَتَحْنَا الْقَادِسِيَّةَ صَدْرَ النَّهَارِ فَتَرَاجَعْنَا وَقَدْ أُصِيبَ الْمُؤَذِّنُ فَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ بِالْقَادِسِيَّةِ فَاخْتَصَمُوا إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ ، وَالْقَادِسِيَّةُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِرَاقِ نُسِبَ إِلَى قَادِسٍ رَجُلٌ نَزَلَ بِهِ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ قَدَّسَ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلِذَا صَارَ مَنْزِلًا لِلْحَاجِّ وَكَانَ بِهَا وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ الْفُرْسِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَكَانَ سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ الْأَمِيرَ عَلَى النَّاسِ . ( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ ) أَيِ التَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَوَاتِ أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : التَّهْجِيرُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ الْبِدَارُ إِلَى الصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَقَبْلَهُ وَانْتِظَارُهَا قَالَ تَعَالَى : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 148 ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَهَا وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا . وَسَمَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ رِبَاطًا ، وَجَاءَ : رِبَاطُ يَوْمٍ خَيْرٌ مِنْ صَوْمِ شَهْرٍ ، انْتَهَى . وَحَمَلَهُ خَلِيلٌ ، وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا : الْمُرَادُ الْإِتْيَانُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّ التَّهْجِيرَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الرِّفْقُ ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ قَائِلَتَهُ وَقَصَدَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيَنْتَظِرَ الصَّلَاةَ فَلَا يَخْفَى مَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ . ( لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ) أَيِ التَّهْجِيرِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْمُرَادُ الِاسْتِبَاقُ مَعْنًى لَا حِسًّا لِأَنَّ الْمُسَابَقَةَ عَلَى الْإِقْدَامِ حِسًّا تَقْتَضِي السُّرْعَةَ فِي الْمَشْيِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، انْتَهَى . ( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ ) أَيِ الْعِشَاءِ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةَ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ ، وَأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ ، أَوِ اسْتَعْمَلَ الْعَتَمَةَ هُنَا لِمَصْلَحَةٍ وَنَفْيِ مَفْسَدَةٍ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُ الْعِشَاءَ فِي الْمَغْرِبِ ، فَلَوْ قَالَ مَا فِي الْعِشَاءِ لَحَمَلُوهَا عَلَى الْمَغْرِبِ فَفَسَدَ الْمَعْنَى وَفَاتَ الْمَطْلُوبُ فَاسْتَعْمَلَ الْعَتَمَةَ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَلَا يَشُكُّونَ فِيهَا ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى احْتِمَالِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أَعْظَمِهِمَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( وَالصُّبْحِ ) أَيْ ثَوَابَ صَلَاتِهِمَا فِي جَمَاعَةٍ ( لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَشْيًا عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ أَوْ عَلَى مَقْعَدَتِهِ . وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الْمَرَافِقِ وَالرُّكَبِ قَالَ الْبَاجِيُّ : خَصَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّعْيَ إِلَيْهِمَا أَشَقُّ مِنْ غَيْرِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيصِ أَوَّلِ النَّوْمِ وَآخِرِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْآثَارُ فِيهِمَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ ، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : اسْمَعُوا وَبَلِّغُوا ، حَافِظُوا عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ يَعْنِي فِي جَمَاعَةٍ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى مَرَافِقِكُمْ وَرُكَبِكُمْ . وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا : شُهُودُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ ، وَشُهُودُ صَلَاةِ الصُّبْحِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَقَالَ عُمَرُ وَالْحَسَنُ : لَأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِيَ مَا بَيْنَهُمَا . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كُنَّا : إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .