154 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَثَلَاثُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا ، وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى . فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا وَقَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ فِي الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ عِنْدَهُمْ ، وَمَا اخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ بِمَا صَحَّ عِنْدَنَا فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَأَفْرَدْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ؛ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَاهُنَا . وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نَادَى الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ سَوَاءً ، وَزَادَ : حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ . وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَتَحْصِيلُهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدِي يَخْرُجُ فِي التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْوَسْوَاسَ الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ وَقُلُوبِهِمْ أَيْ يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمُ الرَّيْبَ ، وَيُحَرِّكُ خَوَاطِرَ الشُّكُوكِ ، وَيُذَكِّرُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بِمَا يَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَصْلُ الْوَسْوَاسِ فِي اللُّغَةِ صَوْتُ حَرَكَةِ الْحُلِيِّ ، وَقَوْلُهُ : الْخَنَّاسُ ؛ لِأَنَّهُ يَخْنِسُ عِنْدَ ذِكْرِ الْعَبْدِ لِلَّهِ ، وَمَعْنَى يَخْنِسُ أَيْ يَرْجِعُ نَاكِصًا . ذَكَرَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ هُوَ الشَّيْطَانُ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ الْعَبْدُ خَنَسَ . وَذَكَرَ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : الْوَسْوَاسُ مَحَلُّهُ الْفُؤَادُ ، فُؤَادُ الْإِنْسَانِ ، وَفِي عَيْنَيْهِ وَذَكَرِهِ ، وَمَحَلُّهِ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي عَيْنَيْهَا إِذَا أَقْبَلَتْ ، وَفِي فَرْجِهَا وَدُبُرِهَا إِذَا أَدْبَرَتْ ، فَهَذِهِ مَجَالِسُهُ مِنْهُمَا . وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَعَلَى قَلْبِهِ وَسْوَاسٌ ، فَإِذَا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : خَنَسَ أَيْ كَفَّ وَأَقْصَرَ . وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ : يُوَسْوِسُ ثُمَّ يَخْنِسُ أَيْ يَتَوَارَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ، يُرِيدُ إِذَا أُذِّنَ لَهَا ، فَرَّ الشَّيْطَانُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْأَذَانِ وَأَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ مِنْ شِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الْخِزْيِ وَالذُّعْرِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَذِكْرُ اللَّهِ فِي الْأَذَانِ تَفْزَعُ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَا لَا تَفْزَعُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ ، وَتَعْظِيمِ اللَّهِ فِيهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ ، فَيُدْبِرُ الشَّيْطَانُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ ، أَقْبَلَ عَلَى طَبْعِهِ وَجِبِلَّتِهِ يُوَسْوِسُ أَيْضًا ، وَيَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ مِمَّا قَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - وَالتَّثْوِيبُ هَاهُنَا الْإِقَامَةُ - أَدْبَرَ أَيْضًا حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ - وَهُوَ الْإِقَامَةُ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ - أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ، يَقُولُ : اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى لِيُنْسِيَهُ وَيَخْلِطَ عَلَيْهِ أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلٌ لِلْأَذَانِ عَظِيمٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يُدْبِرُ مِنْهُ وَلَا يُدْبِرُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِمَنْ تَدَبَّرَ . رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : اسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ ، وَكَانَ مَعْدِنًا لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ قِبَلِ الْجِنِّ ، فَلَمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ ، وَأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ ، فَفَعَلُوا ، فَارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمَ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، هَكَذَا رَوَى سَحْنُونٌ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ . وَذَكَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَا : قَالَ مَالِكٌ : اسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ ، فَذَكَرَهُ سَوَاءً إِلَى آخِرِهِ . وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ ، وَلَكِنْ لِلْجِنِّ سَحَرَةٌ كَسَحَرَةِ الْآدَمِيِّينَ ، فَإِذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَانيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : ذُكِرَ الْغِيلَانُ عِنْدَ عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَتَحَوَّلُ عَنْ خَلْقِهِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ فَإِذَا أَحْسَسْتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ . وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، قَالَ : الْغِيلَانُ سَحَرَةُ الْجِنِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ، فَإِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ التَّثْوِيبُ هَاهُنَا الْإِقَامَةَ ، وَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا التَّأْوِيلِ عِنْدِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْإِقَامَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَثْوِيبًا ؛ لِأَنَّ التَّثْوِيبَ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ الْعَوْدَةُ ، يُقَالُ مِنْهُ : ثَابَ إِلَيَّ مَالِي بَعْدَ ذَهَابِهِ أَيْ عَادَ ، وَثَابَ إِلَى الْمَرِيضِ جِسْمُهُ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا أَيْ مَعَادًا لَهُمْ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِقَامَةِ تَثْوِيبٌ ؛ لِأَنَّهَا عَوْدَةٌ إِلَى مَعْنَى الْأَذَانِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : ثَوَّبَ الدَّاعِي إِذَا كَرَّرَ دُعَاءَهُ إِلَى الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ لَا يَنْكِلُونَ إِذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وَقَالَ آخَرُ : لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَهُوَ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ : فَحَنَّتْ نَاقَتِي وَعَلِمْتُ أَنِّي غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي وَقَالَ آخَرُ : لَوْ رَأَيْنَا التَّوْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ مَا شَفَعْنَا الْأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ وَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ أَنَّ التَّثْوِيبَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَخَاصَّتِهِمْ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا تَثْوِيبَ إِلَّا فِي الْفَجْرِ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : يُثَوَّبُ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ . وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ : التَّثْوِيبُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لَا فِي غَيْرِهِمَا . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : إِنَّمَا سُمِّيَ التَّثْوِيبُ تَثْوِيبًا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ نوْمِ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ثَانٍ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، وَكَانَ هَذَا دُعَاءً إِلَى الصَّلَاةِ ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ، فَدَعَا إِلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى عَادَ إِلَى ذَلِكَ . وَالتَّثْوِيبُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْعَوْدَةُ ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ سُمِّيَتْ تَثْوِيبًا لِتَثْنِيَتِهَا فِي مَذْهَبِ مَنْ رَأَى تَثْنِيَتَهَا أَوْ تَثْنِيَةَ قَوْلِهِ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِقَامَةِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تُفْرَدُ الْإِقَامَةُ وَيُثَنَّى الْأَذَانُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : تُفْرَدُ الْإِقَامَةُ ، يُرِيدُ غَيْرَ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِمَا وَآخِرِهَا ، فَإِنَّهُ يُثَنَّى بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُفْرَدُ الْإِقَامَةُ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَّا قَوْلَهُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهُ يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ ، فَخَالَفَ مَالِكًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَحْدَهُ مِنَ الْإِقَامَةِ . وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ وَوَلَدَهُ وَمُؤَذِّنِي مَكَّةَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَقُولُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَرُوِيَ عَنْ وَلَدِ سَعْدٍ الْقَرَظِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَثْنًى مَثْنًى سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ وَأَوَّلِ الْإِقَامَةِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي شَيْءٍ ، ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي أَلْفَاظِهِ وَإِسْنَادِهِ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْأَذَانِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : اللَّهُ أَكْبَرُ فِي أَوَّلِهِ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ مَرَّتَيْنِ ، وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ أَذَانُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْأَذَانُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ، وَهُوَ شَيْءٌ يُؤْخَذُ عَمَلًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ ، وَمِثْلُ هَذَا يَصِحُّ فِيهِ ادِّعَاءُ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ . وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى التَّرْجِيعِ بِالشَّهَادَةِ فِي الْأَذَانِ خَاصَّةً دُونَ الْإِقَامَةِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ . وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنْ لَا تَرْجِيعَ فِي الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَثْنًى مَثْنًى إِلَّا التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ عَلَى حَسْبَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : إِنْ رَجَّعَ فَلَا بَأْسَ ، قَالَ إِسْحَاقُ : هُمَا مُسْتَعْمَلَانِ ، وَالَّذِي أَخْتَارُ أَذَانُ بِلَالٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الطَّبَرِيُّ : إِنْ شَاءَ رَجَّعَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُرَجِّعْ ، وَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ كَأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَإِنْ شَاءَ كَأَذَانِ بِلَالٍ ، وَفِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا إِنْ شَاءَ ثَنَّى ، وَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّةً ، وَإِنْ شَاءَ مَرَّتَيْنِ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، قَالَ : لَمْ يَرْفَعْ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ، وَوَهْبٌ ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا غَيْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ أَصْحَابِ أَيُّوبَ ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ : أُمِرَ بِلَالٌ ، وَلَا يَذْكُرُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ . زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِثْلَ حَدِيثِ وُهَيْبٍ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : إِلَّا الْإِقَامَةَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إِلَّا الْإِقَامَةَ قَوْلَهُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهَا لَا تُفْرَدُ وَتُثَنَّى ، يَقُولُ : أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ ، إِلَّا قَوْلَهُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ مُثَنًّى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثْنًى مَثْنًى ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً إِلَّا أَنَّكَ تَقُولُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنِ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى - مُؤَذِّنِ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ - أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثْنًى مَثْنًى وَالْإِقَامَةُ وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّهُ إِذَا قَالَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ ، فَكُنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْأَذَانَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْمُثَنَّى ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، فَإِذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ ، فَقَالَ شُعْبَةُ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ خُوَازِ بنْدَادَ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ أَوْكَدُ مِنَ الْأَذَانِ ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ مُسِيءٌ ، وَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ أَنَّهُ مُسِيءٌ بِتَرْكِهَا وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ : هِيَ وَاجِبَةٌ ، وَيَرَوْنَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا أَوْ نَسِيَهَا . ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْفَزَارِيِّ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : الْإِقَامَةُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ ، فَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَحُكْمُهُ أَلَّا تُعَادَ مِنْهُ الصَّلَاةُ إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ فَيُسَلَّمُ لِلْإِجْمَاعِ كَالطَّهَارَةِ ، وَالْقِبْلَةِ ، وَالْوَقْتِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، كَذَا رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ جَمَاعَةٌ ، وَمَعْنَى يَظَلُّ يَصِيرُ ، يَقُولُ حَتَّى يَصِيرَ الْمَرْءُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، وَقِيلَ : يَظَلُّ هَاهُنَا بِمَعْنَى يَبْقَى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، وَأَنْشَدُوا : ظَلِلْتُ رِدَائِي فَوْقَ رَأْسِيَ قَاعِدًا أَعُدُّ الْحَصَى مَا تَنْقَضِي عَبَرَاتِي مَنْ رَوَاهُ بِكَسْرِ الْهَمْزِ إِنْ يَدْرِي مَا صَلَّى ، فَإِنْ بِمَعْنَى مَا كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ عِنْدَنَا فَتْحُ الْهَمْزَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ · ص 305 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط · ص 47 154 128 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ ; حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ ، ( فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ; يَقُولُ : اذْكُرْ كَذَا ، اذْكُرْ كَذَا ، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى . ) 4062 - الْحَدِيثُ فَفِيهِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ النِّدَاءَ لَهَا . قَالَ تَعَالَى : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا وَقَالَ تَعَالَى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ 4063 - وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْمِصْرِ عَلَى جَمَاعَتِهِ . 4064 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ - عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى بِإِقَامَةٍ فِي مِصْرٍ قَدْ أُذِّنَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ . 4065 - وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْأَذَانِ أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ سُنَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ ، وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ . 4066 - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ . 4067 - وَهَذَا فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ الَّتِي فِيهَا الْجَمَاعَاتُ . 4068 - وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْإِقَامَةِ أَنَّهَا سُنَّةٌ أَيْضًا مُؤَكِّدَةٌ ، إِلَّا أَنَّهَا أَوْكَدُ مِنَ الْأَذَانِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَهُوَ مُسِيءٌ ، وَصَلَاتُهُ مُجْزِيَةٌ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ ; أَنَّهُ مُسِيءٌ بِتَرْكِهَا ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . 4069 - وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ : هِيَ وَاجِبَةٌ ، وَيَرَوْنَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا ، أَوْ نَاسِيًا . 4070 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ وُجُوهَ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَوُجُوهِهِ ، وَنُبَيِّنُهُ بِأَبْسَطَ وَأَكْمَلَ مِنْ ذِكْرِنَا لَهُ هُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 4071 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ فَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ فِي نَقْلِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِ أَبِي الزِّنَادِ . 4072 - وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ : لَهُ حُصَاصٌ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 4073 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالٍ ، حَدَّثْنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ ، حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ ، الْحَدِيثَ . 4074 - لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الذُّعْرِ وَالْخِزْيِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْأَذَانِ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَفْزَعُ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَا لَا تَفْزَعُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ ، وَتَعْظِيمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ ; فَيُدْبِرُ الشَّيْطَانُ ; لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ عَلَى طَبْعِهِ وَحِيلَتِهِ ; يُوَسْوِسُ فِي الصُّدُورِ ، وَيَفْعَلُ مَا يَقْدِرُ مِمَّا قَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِ ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - وَالتَّثْوِيبُ هَاهُنَا الْإِقَامَةُ - أَدْبَرَ أَيْضًا ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ - وَهُوَ الْإِقَامَةُ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ - أَقْبَلُ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ، فَيُوَسْوِسُ فِي صَدْرِهِ ، وَيَشْغَلُهُ بِذَكَرِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ; لِيَخْلِطَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ . 4075 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلٌ لِلْأَذَانِ عَظِيمٌ ; ألَا تَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يُدْبِرُ مِنْهُ ، وَلَا يُدْبِرُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ؟ وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِمَنْ تَدَبَّرَ . 4076 - وَرَوَى سَحْنُونٌ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : اسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ بَنِيِ سُلَيْمٍ ، وَكَانَ مَعْدِنًا لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ قِبَلِ الْجِنِّ ، فَلَمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ; فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ ، وَأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ ، فَفَعَلُوا ; فَارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمَ . 4077 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . 4078 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ ، وَلَكِنَّ لِلْجِنِّ سَحَرَةً كَسَحَرَةِ الْإِنْسِ ، فَإِذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ . 4079 - وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : ذَكَرْتُ الْغِيلَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ; فَقَالَ : إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 4080 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا نَادَى الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ هَرَبَ الشَّيْطَانُ حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ . وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ . 4081 - وَأَمَّا لَفْظُ التَّثْوِيبِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ ثَابَ الشَّيْءُ يَثُوبُ : إِذَا رَجَعَ ، كَأَنَّ الْمُقِيمَ لِلصَّلَاةِ عَادَ إِلَى مَعْنَى الْأَذَانِ ، فَأَتَى بِهِ . 4082 - يُقَالُ ثَوَّبَ الدَّاعِي : إِذَا كَرَّرَ دُعَاءَهُ لِلْحَرْبِ . 4083 - قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ لَا يَنْكِلُونَ إِذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي . 4084 - وَقَالَ حُذَيْفَةُ فِي مَعْنَاهُ : لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ : يَالَا . 4085 - وَيُقَالُ : ثَابَ إِلَى الرَّجُلِ عَقْلُهُ ، وَثَابَ إِلَى الْمَرِيضِ جِسْمُهُ : أَيْ عَادَ إِلَى حَالِهِ . 4086 - قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ أَخْوَالِهِ بَنِي النَّجَّارِ : فَحَنَّتْ نَاقَتِي فَعَلِمْتُ أَنِّي غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي . 4087 - وَقَالَ الشَّاعِرُ : لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ مَا شَفَعْنَا الْأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ . 4088 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ; فَإِنَّهُ يُرِيدُ : حَتَّى يَصِيرَ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى . وَالرِّوَايَةُ فِي ( أَنْ ) هَاهُنَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ بِالْفَتْحِ ; فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى لَا يَدْرِي . 4089 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةُ الرُّوَاةُ عَنِ مَالِكٍ بِهَذَا اللَّفْظِ : حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ; فَمَعْنَاهُ : مَا يَدْرِي مَا صَلَّى ، ( وِإِنْ ) بِمَعْنَى ( مَا ) كَثِيرٌ . 4090 - وَقِيلَ : يَظَلُّ هَاهُنَا بِمَعْنَى : يَبْقَى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، وَأَنْشَدُوا : ظَلَلْتُ رِدَائِي فَوْقَ رَأْسِي قَاعِدًا أَعُدُّ الْحَصَى مَا تَنْقَضِي عَبَرَاتِي .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ · ص 272 151 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى . 154 151 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هرمز ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ) أَيْ لِأَجْلِهَا وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ بِالصَّلَاةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ( أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ) إِبْلِيسُ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْجِنِّ أَوِ الْإِنْسِ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا شَيْطَانُ الْجِنِّ خَاصَّةً ، ( لَهُ ضُرَاطٌ ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا بِدُونِ وَاوٍ لِحُصُولِ الِارْتِبَاطِ بِالضَّمِيرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَلَهُ بِالْوَاوِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ نِفَارِهِ ، وَيُقَرِّبُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَهُ حُصَاصٌ بِمُهْمَلَاتٍ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ ، وَفَسَّرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ بِشِدَّةِ الْعَدْوِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهَ شُغْلَ الشَّيْطَانِ نَفْسَهُ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ بِالصَّوْتِ الَّذِي يَمْلَأُ السَّمْعَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ سَمَاعِ غَيْرِهِ ثُمَّ سَمَّاهُ ضُرَاطًا . ( حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ ) أَيِ التَّأْذِينَ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ التِّنِّيسِيِّ لِلْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ إِخْرَاجَ ذَلِكَ إِمَّا لِيَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ الصَّوْتِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ أَوْ يَصْنَعُ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا تَفْعَلُهُ السُّفَهَاءُ أَوْ لِيُقَابِلَ مَا يُنَاسِبُ الصَّلَاةَ مِنَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ شِدَّةُ خَوْفٍ يُحْدِثُ لَهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ بِسَبَبِهَا ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَبْعُدُ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَفِي فِيهَا سَمَاعُهُ لِلصَّوْتِ ، وَقَدْ بُيِّنَتِ الْغَايَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ : حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ ، قَالَ سُلَيْمَانُ يَعْنِي الْأَعْمَشَ : فَسَأَلْتُهُ أَيْ أَبَا سُفْيَانَ رِوَايَةً عَنْ جَابِرٍ عَنِ الرَّوْحَاءِ ، فَقَالَ : هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا ، وَقَدْ أَدْرَجَ هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ : حَتَّى يَكُونَ بِالرَّوْحَاءِ وَهِيَ سِتَّةٌ . . . إِلَخْ ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ . ( فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ ) بِضَمِّ الْقَافِ ، أَيْ : فَرَغَ وَانْتَهَى مِنْهُ ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى حَذْفِ الْفَاعِلِ وَالْمُرَادُ الْمُنَادِي ، أَيْ : إِذَا قَضَى الْمُنَادِي النِّدَاءَ ( أَقْبَلَ ) ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَسْوَسَ ( حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَشَدِّ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ ، قِيلَ مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ ، وَقِيلَ مِنْ ثَوْبٍ إِذَا أَشَارَ بِثَوْبِهِ عِنْدَ الْفَزَعِ لِإِعْلَامِ غَيْرِهِ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : الْمُرَادُ هُنَا الْإِقَامَةُ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ، أَيْ : أُقِيمَتْ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مَا يُشْبِهُ الْأَذَانَ ، وَكُلُّ مُرَدِّدِ صَوْتٍ فَهُوَ مُثَوِّبٌ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّثْوِيبِ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ ، لَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ التَّثْوِيبَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ سَلَفًا فِي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْقَوْلَ الْخَاصَّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا تَعْرِفُ الْعَامَّةُ التَّثْوِيبَ إِلَّا قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ . ( حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ ) بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ، ( أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الطَّاءِ كَمَا ضَبَطَهُ عِيَاضٌ عَنِ الْمُتْقِنِينَ ، وَقَالَ : إِنَّهُ الْوَجْهُ وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَطَرَ الْبَعِيرُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ قَالَ : وَسَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِضَمِّ الطَّاءِ ، وَمَعْنَاهُ الْمُرُورُ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيُشْغِلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُونَ لِلْمُوَطَّأِ ، وَبِالْأَوَّلِ فَسَرَّهُ الْخَلِيلُ ، وَضَعَّفَ الْهَجَرِيُّ فِي نَوَادِرِهِ الضَّمَّ وَقَالَ : هُوَ يَخْطِرُ بِالْكَسْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . ( بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ) أَيْ قَلْبِهِ ، وَكَذَا هُوَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِيهَا ، ( يَقُولُ ) الشَّيْطَانُ ( اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ : وَاذْكُرْ كَذَا ، لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي صَلَاةِ السَّهْوِ : اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا . ( لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ) أَيْ لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذِكْرِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : لِمَا لَمْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ عَنِ الْأَعْرَجِ : فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَنْبَطَ أَبُو حَنِيفَةَ الَّذِي شَكَى إِلَيْهِ أَنَّهُ دَفَنَ مَالًا ثُمَّ لَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَحْرِصَ عَلَى أَنْ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَفَعَلَ فَذَكَرَ مَكَانَ الْمَالِ فِي الْحَالِ ، قِيلَ : خَصَّهُ بِمَا يَعْلَمُ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ; لِأَنَّهُ يَمِيلُ لِمَا يَعْلَمُ أَكْثَرَ لِتَحَقُّقِ وَجُودِهِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيُذَكِّرُهُ لِمَا سَبَقَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ لِيَشْغَلَ بَالَهُ بِهِ ، وَلِمَا لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ لِيُوقِعَهُ فِي الْفِكْرَةِ فِيهِ ، وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ فِي أُمُورِ الدِّينِ كَالْعِلْمِ ، لَكِنْ هَلْ يَشْمَلُ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ فِي مَعَانِي الْآيَاتِ الَّتِي يَتْلُوهَا ؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَرَضَهُ نَقْصُ خُشُوعِهِ وَإِخْلَاصِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ . ( حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ ، وَمَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ اتِّصَافُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا ، لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ أَوْ يَبْقَى ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ مَكْسُورَةً أَيْ يَنْسَى ، وَمِنْهُ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا أَوْ يُخْطِئَ ، وَمِنْهُ : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ( سُورَةُ طه : الْآيَةُ 52 ) وَمَفْتُوحَةً أَيْ يَتَحَيَّرُ مِنَ الضَّلَالِ وَهُوَ الْحَيْرَةُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . ( إِنْ يَدْرِي ) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ النَّافِيَةِ بِمَعْنَى لَا ، وَفِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ : لَا يَدْرِي ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَنَسَبَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَوَجْهَهَا بِمَا تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَيْسَتْ رِوَايَةُ الْفَتْحِ بِشَيْءٍ إِلَّا مَعَ رِوَايَةِ الضَّادِ السَّاقِطَةِ فَيَكُونُ أَنْ وَالْفِعْلُ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَمَفْعُولِ ضَلَّ إِنْ بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ أَيْ يَضِلُّ عَنْ دِرَايَتِهِ ، وَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ : لَا يَصِحُّ فَتْحُهَا إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ يَضِلُّ بِكَسْرِ الضَّادِ فَتَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَفْعُولَهُ أَيْ يَجْهَلُ دِرَايَتَهُ وَيَنْسَى عَدَدَ رَكَعَاتِهِ . ( كَمْ صَلَّى ) وَلِلْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حِكْمَةِ هُرُوبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ دُونَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ فِي الصَّلَاةِ ، فَقِيلَ : حَتَّى لَا يَشْهَدَ لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : نُفُورًا عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ ثُمَّ يَرْجِعُ مُوَسْوِسًا لِيُفْسِدَ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ ، فَصَارَ رجوعه مِنْ جِنْسِ فِرَارِهِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِاسْتِخْفَافُ . وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَذَانَ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى السُّجُودِ الَّذِي أَبَاهُ وَعَصَى بِسَبَبِهِ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَعُودُ قَبْلَ السُّجُودِ ، فَلَوْ كَانَ هُرُوبُهُ لِأَجْلِهِ لَمْ يَعُدْ إِلَّا عِنْدَ فَرَاغِهِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَهْرُبُ عِنْدَ سَمَاعِ الدُّعَاءِ لِذَلِكَ لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ أَمْرًا ثُمَّ يَرْجِعُ لِيُفْسِدَ عَلَى الْمُصَلِّي سُجُودَهُ الَّذِي أَبَاهُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا يَهْرُبُ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى الْإِعْلَانِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ حَاصِلٌ قَبْلَ الْأَذَانِ وَبَعْدَهُ مِنْ جَمِيعِ مَنْ يُصَلِّي . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِعْلَانَ أَخَصُّ مِنَ الِاتِّفَاقِ ، فَإِنَّ الْإِعْلَانَ الْمُخْتَصَّ بِالْأَذَانِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَةِ مَثَلًا ، وَلِذَا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا أَيِ اقْعُدْ بِالْمَدِّ وَالْإِطَالَةِ وَالْإِسْمَاعِ لِيَعُمَّ الصَّوْتُ وَيَطُولَ أَمَدُ التَّأْذِينِ فَيَكْثُرُ الْجَمْعَ وَيَفُوتُ عَلَى الشَّيْطَانِ مَقْصُودُهُ مِنْ إِلْهَاءِ الْآدَمِيِّ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا أَوْ وَقْتِ فَضِيلَتِهَا ، فَيَفِرُّ حِينَئِذٍ وَقَدْ يَئِسَ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَمَّا أَعْلَنُوا بِهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى إِلَى الْوَسْوَسَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : عَلَى الْأَذَانِ هَيْئَةٌ يَشْتَدُّ انْزِعَاجُ الشَّيْطَانِ بِسَبَبِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَقَعُ فِي الْأَذَانِ رِيَاءٌ وَلَا غَفْلَةٌ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَحْضُرُهُ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ النَّفْسَ تَحْضُرُ فِيهَا فَيَفْتَحُ لَهَا الشَّيْطَانُ أَبْوَابَ الْوَسْوَسَةِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ فِي أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْوَسْوَسَةُ وَالرِّيَاءُ لِتَبَاعُدِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَذَانَ إِعْلَامٌ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بِأَلْفَاظٍ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الذَّكَرِ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا بَلْ تَقَعُ عَلَى وَفْقِ الْأَمْرِ فَيَفِرُّ مِنْ سَمَاعِهَا ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِمَا يَقَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِيهَا مِنَ التَّفْرِيطِ تَمَكَّنَ الْخَبِيثُ مِنَ الْمُفَرِّطِ ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ وَفِى جَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ فِيهَا لَمْ يَقْرَبْهُ فِيهَا إِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَهُوَ نَادِرٌ ، وَكَذَا إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَهُوَ أَنْدَرُ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الزَّجْرُ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لِئَلَّا يَكُونَ مُتَشَبِّهًا بِالشَّيْطَانِ الَّذِي يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ ، وَفَهِمَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْإِتْيَانَ بِصُورَةِ الْأَذَانِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ الْأَذَانِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ فَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي ، فَقَالَ : لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ مَالِكٌ : اسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ وَكَانَ لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْجِنِّ ، فَلَمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ وَأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ فَفَعَلُوا فَارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمَ . قَالَ مَالِكٌ : أَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ زَيْدٍ ، وَذُكِرَتِ الْغِيلَانُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ وَلَكِنْ لِلْجِنِّ سَحَرَةٌ كَمَا لِلْإِنْسِ سَحَرَةٌ ، فَإِذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَرَوَاهُ فِي السَّهْوِ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْأَعْرَجِ بِهِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، وَسُهَيْلٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ .