( 13 ) بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ 5079 - ذَكَرَ مَالِكٌ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ دَفَعَ ذَلِكَ . 5080 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، وَلَوْ كَانَ رَأْيًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الذِّكْرِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5081 - وَلَمَّا عَلِمَ مَالِكٌ أَنَّ التَّشَهُّدَ لَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اخْتَارَ تَشَهُّدَ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنَ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَكَانُوا مُتَوَافِرِينَ فِي زَمَانِهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ كَمَا وَصَفْتَ . 5082 - وَفِي تَسْلِيمِهِمْ لَهُ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ - دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيمَا جَاءَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَعَ أَنَّهُ مُتَقَارِبٌ كُلُّهُ : قَرِيبُ الْمَعْنَى بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ ، إِنَّمَا فِيهِ كَلِمَةٌ زَائِدَةٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ نَاقِصَةٌ . 5083 - فَتَشَهُّدُ عُمَرَ كَمَا حَكَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِي . 204 175 - أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ : قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ . أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . 5084 - وَيَتَشَهَّدُ عُمَرُ ، هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ . 5085 - وَمَعْنَى التَّحِيَّةِ : الْمُلْكُ ، وَقِيلَ : التَّحِيَّةُ : الْعَظَمَةُ لِلَّهِ . 5086 - وَالصَّلَوَاتُ : هِيَ الْخَمْسُ ، وَالطَّيِّبَاتُ : الْأَعْمَالُ الزَّكِيَّةُ . 5087 - وَتَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثَابِتٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَهُوَ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ . أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . 5088 - وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْكُوفِيُّونَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ بِالْأَنْدَلُسِ يَخْتَارُهُ ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ ، وَيَتَشَهَّدُ بِهِ . 5089 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ - : أَحَبُّ التَّشَهُّدِ إِلَيْنَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ . 5090 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ - فَذَهَبُوا إِلَى تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . 5091 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَحَبُّ التَّشَهُّدِ إِلَيَّ . 5092 - رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ ; فَكَانَ يَقُولُ : " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ . أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . 5093 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا نَحْوُ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ . 5094 - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَكْمَلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا . 5095 - وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مَا قَدْ عَلِمْتُ ، وَاخْتِيَارُ الْعُلَمَاءِ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ ، وَكُلٌّ حَسَنٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 5096 - وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ - : إِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي التَّشَهُّدِ ، وَفِي الْأَذَانِ ، وَالْإِقَامَةِ ، وَعَدَدِ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَمَا يُقْرَأُ وَيُدْعَى بِهِ فِيهَا ، وَعَدَدِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي فِي رُكُوعِ الصَّلَاةِ ، وَفِي التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَفِي السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ ، وَفِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ وَسَدْلِ الْيَدَيْنِ ، وَفِي الْقُنُوتِ وَتَرْكِهِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا كُلِّهُ - اخْتِلَافٌ فِي مُبَاحٍ : كَالْوُضُوءِ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا ، إِلَّا أَنَّ فُقَهَاءَ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَتْبَاعِهِمُ الْفَتْوَى - يَتَشَدَّدُونَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى الْجَنَائِزِ ، وَيَأْبَوْنَ مِنْ ذَلِكَ . 5097 - وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ السَّلَفَ كَبَّرَ سَبْعًا ، وَثَمَانِيًا ، وَسِتًّا ، وَخَمْسًا ، وَأَرْبَعًا ، وَثَلَاثًا . 5098 - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إِمَامُكَ . وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 5099 - وَهُمْ أَيْضًا يَقُولُونَ : إِنَّ الثَّلَاثَ فِي الْوُضُوءِ أَفْضَلُ مِنَ الْوَاحِدَةِ السَّابِغَةِ . 5100 - وَكُلُّ مَا وَصَفْتُ لَكَ قَدْ نَقَلَتْهُ الْكَافَّةُ مِنَ الْخَلَفِ عَنِ السَّلَفِ ، وَنَقَلَهُ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ عَنِ السَّابِقِينَ نَقْلًا لَا يَدْخُلُهُ غَلَطٌ وَلَا نِسْيَانٌ ; لِأَنَّهَا أَشْيَاءُ ظَاهِرَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا فِي بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ زَمَنًا بَعْدَ زَمَنٍ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ مِنْ عَهْدِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَلُمَّ جَرًّا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ كُلُّهُ إِبَاحَةَ تَوْسِعَةٍ وَرَحْمَةٍ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 5101 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ التَّشَهُّدِ ، وَفِي حُكْمِ صَلَاةِ مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ ; فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ رَجَعَ إِلَيْهِ فَعَمِلَهُ إِنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَمْ يَتَبَاعَدْ وَلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ، ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ . وَإِنْ تَبَاعَدَ أَوِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَأَرْجُو أَنْ تُجْزِيَهُ صَلَاتُهُ . 5102 - قَالَ : وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَعْرِفُ التَّشَهُّدَ ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ أَجْزَأَ عَنْهُ . 5103 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ . 5104 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ; لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَيْنِ . 5105 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَسْجُدُ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ فِي السَّهْوِ عَنِ التَّشَهُّدَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَهَا مِرَارًا . 5106 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ أَنَّهُمَا لِلسَّهْوِ كُلِّهِ . 5107 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِنْ قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ - تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ - فَسَدَتْ صَلَاتُهُ . 5108 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْآخِرَ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا فَعَلَيْهِ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّاهِي قَرِيبًا ; فَيَعُودُ إِلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ ، وَيَتَشَهَّدُ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي آخِرِ صَلَاتِهِ عَنِ التَّشَهُّدِ قَبْلَهُ ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ التَّشَهُّدِ . 5109 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَرْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ . وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 5110 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ ، ، إِنْ كَانَ تَرَكَ ذَلِكَ عَامِدًا ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا ، فَتَرَكَ تَشَهُّدَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ - سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَتَشَهَّدَ ، وَسَلَّمَ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ . 5111 - وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ : مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَرَوَى ذَلِكَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . 5112 - وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ - مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَطَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ - : مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ آخِرِ سَجْدَةٍ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . 5113 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنْ تَرَكَ الْجُلُوسَ وَالتَّشَهُّدَ فِي الرَّابِعَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . 5114 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادٌ : صَلَاتُهُ تَامَّةٌ . 5115 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ وَمَنْ رَأَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَنُوبُ عَنِ التَّشَهُّدِ لِمَنْ سَهَا عَنْهُ - حَدِيثُ ابْنِ بُحَيْنَةَ فِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَالسُّجُودِ فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا نَابَ لَهُ السُّجُودُ عَنِ الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى وَالتَّشَهُّدِ فَأَحْرَى أَنْ يَنُوبَ لَهُ عَنِ التَّشَهُّدِ إِذَا جَلَسَ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ سَاهِيًا عَنْهُ . 5116 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنُوبُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ دُونَ الْإِتْيَانِ بِهِ . 5117 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْجِلْسَةَ الْوُسْطَى عَامِدًا أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ . 5118 - وَمَنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ بِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ الْبَيَانِ لِمُجْمِلَاتِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فُرُوضٌ كُلُّهَا فِي عَمَلِ الْبَدَنِ إِلَّا الْجِلْسَةَ الْوُسْطَى ; فَإِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِالسُّنَّةِ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَالْمُغِيَرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . 5119 - وَلِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِكُلِّ فِرْقَةٍ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَقَدْ أَتَيْنَا مِنْهُ فِي " التَّمْهِيدِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 5120 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ . وَقَالَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالتَّحِيَّةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ . 5121 - وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَمَنْ وَافَقَهُ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ ، فَذَكَرَ حَدِيثَ التَّشَهُّدِ . 5122 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَا بِغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 5123 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، فَذَكَرَهُ . 5124 - وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا أَنَّ الذِّكْرَ كُلَّهُ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا عَدَا الْقِرَاءَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ - سُنَّةٌ ، وَاسْتِحْبَابٌ عِنْدَهُ ، وَعَمَلُ الْبَدَنِ فِيهَا فَرْضٌ . فَإِذَا قَعَدَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فِيهَا فَقَدْ أَتَى بِالْفَرْضِ فِيهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ لِسُقُوطِ الْفَرِيضَةِ فِيهَا ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ لِسُقُوطِ التَّشَهُّدِ . 5125 - وَإِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، وَالْإِعْلَانُ بِهِ جَهْلٌ وَبِدْعَةٌ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأحاديث التَّشَهُّدِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ · ص 272 شرح الزرقاني على الموطأبَاب التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ · ص 337 13 - بَاب التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ 13 - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ لَفْظُهُ وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنْ تَشَهَّدَ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النُّطْقِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ تَغْلِيبًا لَهَا عَلَى بَقِيَّةِ أَذْكَارِهِ لِشَرَفِهَا . وَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَمْ يُوجِبْهُ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ ، بَلْ قَالَ مَالِكٌ : سُنَّةٌ ، وَأَوْجَبَهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ فِي الْجُلُوسَيْنِ مَعًا ، وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَبُو مُصْعَبٍ وَقَالَ : مَنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَاسْتَدَلُّوا لِلْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَحَتَّمُ لِلْوُجُوبِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَنْدُوبٌ ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَ : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( سُورَةُ الْوَاقِعَةِ : الْآيَةُ 74 ) ، فَقَالَ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ الْحَدِيثَ ، فَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ ، وَالصَّارِفُ لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ التَّشَهُّدَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 202 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ يَقُولُ : قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . 204 202 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ ) بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ( الْقَارِيِّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَارَةَ بَطْنٌ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ الْمَدَنِيِّ ، عَامِلُ عُمَرَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، يُقَالُ إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ فِيهِ ، قَالَ تَارَةً لَهُ صُحْبَةٌ ، وَتَارَةٌ تَابِعِيٌّ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ . ( أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ ) ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ : مَا أَوْرَدَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَائِشَةَ حُكْمُهُ الرَّفْعُ ؛ لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، وَلَوْ كَانَ رَأْيًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الذِّكْرِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَذْكَارِ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا ، وَقَدْ رَفَعَهُ غَيْرُ مَالِكٍ ، عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( يَقُولُ : قُولُوا التَّحِيَّاتُ ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ وَمَعْنَاهَا السَّلَامُ أَوِ الْبَقَاءُ أَوِ الْعَظَمَةُ أَوِ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالنَّقْصِ أَوِ الْمُلْكُ ( لِلَّهِ ) ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ : لَيْسَتِ التَّحِيَّةُ الْمُلْكَ نَفْسَهُ ، لَكِنَّهَا الْكَلَامُ الَّذِي يُحَيَّى بِهِ الْمَلِكُ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَمْ يَكُنْ يُحَيَّى إِلَّا الْمَلِكُ خَاصَّةً ، وَكَانَ لِكُلِّ مَلِكٍ تَحِيَّةٌ تَخُصُّهُ فَلِهَذَا جُمِعَتْ ، وَكَانَ الْمَعْنَى التَّحِيَّاتِ الَّتِي كَانُوا يُسَلِّمُونَ بِهَا عَلَى الْمُلُوكِ كَقَوْلِهِمْ : أَنْعِمْ صَبَاحًا ، وَأَبَيْتَ اللَّعْنَ ، وَعِشْ كَذَا سَنَةٍ ، كُلُّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ فِي تَحِيَّاتِهِمْ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ، فَلِهَذَا أُبْهِمَتْ أَلْفَاظُهَا وَاسْتُعْمِلَ مِنْهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ ، فَقَالَ : قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، أَيْ أَنْوَاعُ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ لَفْظَ التَّحِيَّةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُتَقَدِّمَةِ وَكَوْنُهَا بِمَعْنَى السَّلَامِ أَنْسُبُ هُنَا ( الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : هِيَ صَالِحُ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَزْكُو لِصَاحِبِهَا الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ ( الطَّيِّبَاتُ ) أَيْ مَا طَابَ مِنَ الْقَوْلِ وَحَسُنَ أَنْ يُثْنَى بِهِ عَلَى اللَّهِ دُونَ مَا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِ ، مِمَّا كَانَ الْمُلُوكُ يُحَيَّوْنَ بِهِ ، وَقِيلَ : الطَّيِّبَاتُ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : الْأَقْوَالُ الصَّالِحَةُ كَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ ، وَقِيلَ : الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَهُوَ أَعَمُّ ( الصَّلَوَاتُ ) الْخَمْسُ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ أَوِ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا أَوِ الدَّعَوَاتُ أَوِ الرَّحْمَةُ ( لِلَّهِ ) عَلَى عِبَادِهِ ، وَقِيلَ : التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ ، وَالطَّيِّبَاتُ الصَّدَقَاتُ الْمَالِيَّةُ ، وَالصَّلَوَاتُ الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ ، ( السَّلَامُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا ، وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ أَيْ ذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ . ( عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ) أَيْ إِحْسَانُهُ ، ( وَبَرَكَاتُهُ ) وَأَمَّا لِلْجِنْسِ بِمَعْنَى أَنَّ حَقِيقَةَ السَّلَامِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَعَمَّنْ يَصْدُرُ ، وَعَلَى مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 59 ) قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ النَّكِرَةِ لَأَنَّ أَصْلَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ سَلَامًا عَلَيْكَ ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهُ ، وَعُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْمَعْنَى وَاسْتِقْرَارِهِ ، اهـ . وَذَكَرَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ ، وَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لَا يَقِفُ عَنِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، ( السَّلَامُ ) الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الصُّلَحَاءِ ، ( عَلَيْنَا ) يُرِيدُ بِهِ الْمُصَلِّيَ نَفْسَهُ ، وَالْحَاضِرِينَ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ وَالْمَلَائِكَةِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاءِ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي التَّنْزِيلِ ( وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ) جَمْعُ صَالِحٍ وَالْأَشْهَرُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ ، وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْحَكِيمُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى بِهَذَا السَّلَامِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ الْخَلْقُ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَلْيَكُنْ عَبْدًا صَالِحًا وَإِلَّا حُرِمَ هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ لِيَتَوَافَقَ لَفْظُهُ مَعَ قَصْدِهِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : عَلَّمَهُمْ أَنْ يُفْرِدُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ أَنْ يُخَصِّصُوا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلًا لِأَنَّ الِاهْتِمَامَ بِهَا أَهَمُّ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ السَّلَامِ عَلَى الصَّالِحِينَ إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لَهُمْ ، ( أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) زَادَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي : وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . ( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ) ، وَقَدِ اخْتَارَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ تَشَهُّدَ عُمَرَ هَذَا ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلَا يَلْحَقُ بِالْمَرْفُوعِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ ابْنَ مَرْدَوَيْهِ رَوَاهُ فِي كِتَابِ التَّشَهُّدِ مَرْفُوعًا ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ تَشَهُّدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقُولُ : التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ : إِلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ الزَّاكِيَاتِ بِالْمُبَارَكَاتِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَكَأَنَّهَا بِالْمَعْنَى وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ . وَقَالَ الْبَزَّارُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ : هُوَ عِنْدِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِيَ مِنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ طَرِيقًا ، ثُمَّ سَرَدَ أَكْثَرَهَا ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ فِي التَّشَهُّدِ أَثْبَتَ مِنْهُ ، وَلَا أَصَحَّ أَسَانِيدَ ، وَلَا أَشْهَرَ رِجَالًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَمِنْ مُرَجِّحَاتِهِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَأَنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ مِنَ الثِّقَاتِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَلْفَاظِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ تَلْقِينًا ، فَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ قَالَ : أَخَذْتُ التَّشَهُّدَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَقَّنِّنيهِ كَلِمَةً كَلِمَةً . وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَرَجَّحَ أَيْضًا ثُبُوتَ الْوَاوِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا بِخِلَافِ حَذْفِهَا ، فَيَكُونُ صِفَةً لِمَا قَبْلَهَا وَتَعَدَّدُ الثَّنَاءِ فِي الْأَوَّلِ صَرِيحٌ ، فَيَكُونُ أَوْلَى ، وَلَوْ قِيلَ : إِنَّ الْوَاوَ مُقَدَّرَةٌ فِي الثَّانِي ، وَبِأَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَمُجَرَّدُ حِكَايَةٍ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَزِيَّتِهِ ، اهـ . وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ عُمَرَ بِالْأَمْرِ أَيْضًا كَمَا رَأَيْتَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمَزِيَّةِ ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِ ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ حَسَنٍ مُتَقَارِبِ الْمَعْنَى إِنَّمَا فِيهِ كَلِمَةٌ زَائِدَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ ، وَتَسْلِيمُ الصَّحَابَةِ لِعُمَرَ ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالتَّوْسِعَةِ .