337 حَدِيثٌ ثَانٍ لِصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَة بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فِي الْحَضَرِ ، وَالسَّفَرِ ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ النَّقْلِ ، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ ، وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ قَالَ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ . لَا يَقُولُ : فَرَضَ اللَّهُ ، وَلَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَا حَدَّثَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . هَكَذَا قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَعَنْهُ نَقُولُ : فُرِضَتْ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ فِيهِ : عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَا عَنْ هِشَامٍ ، إِلَّا أَنَّ شَيْخًا يُسَمَّى يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ هَانِئٍ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ - جَمِيعًا - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَالصَّحِيحُ فِي إِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَطُرُقُهُ عَنْ عَائِشَةَ مُتَوَاتِرَةٌ ، وَهُوَ عَنْهَا صَحِيحٌ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَذَهَبَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ إِلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ وَمَا يُوجِبُهُ لَفْظُهُ ، فَأَوْجَبُوا الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ فَرْضًا ، وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ أَرْبَعٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالصُّبْحُ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمَا كَذَلِكَ فُرِضَتَا ، وَأَنَّهُمَا لَا قَصْرَ فِيهِمَا ، فِي السَّفَرِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . قَوْلٌ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ; أَلَا تَرَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهَا : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي قَوْلِهَا : فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يُزَدْ فِيهَا وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهَا ، وَأَنَّهَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ سَوَاءٌ ، فَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ فَرْضًا قَوْلُ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ لِلْمُسَافِرِ فَرْضٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْحَضَرِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ سِتًّا ، وَلَا الْعَصْرَ وَلَا الْعِشَاءَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ أَرْبَعًا وَلَا الصُّبْحَ أَرْبَعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ زَائِدًا فِي فَرْضِهِ عَامِدًا لِمَا يُفْسِدُهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ لِلْحَضَرِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ، قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ; لِأَنَّ فَرْضَهُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ عَلَى مَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - إِنْ صَحَّ عَنْهُ - وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْقَصْرِ فَرْضًا فِي السَّفَرِ - حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍعَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عُمَرَ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ زُبَيْدٌ مَرَّةً : عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ . فَخَطَّئُوهُ فِيهِ لِقَوْلِهِ : سَمِعْتُ عُمَرَ . وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : خَطَبَنَا عُمَرُ ، فَقَالَ : أَلَا إِنَّ صَلَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَصَلَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَصَلَاةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَصَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَوَهِمَ أَيْضًا فِيهِ . وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، فَزَادَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ ، أَدْخَلَهُ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ يُعَلِّلُهُ وَيُضَعِّفُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَحِّحُ إِسْنَادَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ هَذَا فِيهِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : هُوَ أَسْنَدُهَا ، وَأَحْسَنُهَا ، وَأَصَحُّهَا ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ أَيْضًا ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً . وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ بُكَيْرُ بْنُ الْأَخْنَسِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا : وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ جَعَلَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِبَاحَةِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقَالُوا : ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا هُوَ قَصْرُ الْمَأْمُومِ خَلْفَ إِمَامِهِ ، يُصَلِّي مَعَهُ بَعْضَهَا بِشَرْطِ الْخَوْفِ ، وَلَا يُتِمُّهَا مَعَهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الْآيَةِ قَدْ أَفَادَ حُكْمًا زَائِدًا . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنْ جَابِرًا ، وَابْنَ عُمَرَ ، قَالَا : لَيْسَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِقَصْرٍ ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا نَزَعَ بِهِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ فَرْضٌ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ وَرُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، فَمَنْ شَاءَ قَصَرَ فِي السَّفَرِ وَمَنْ شَاءَ أَتَمَّ ، كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالُوا : فَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ ; لِأَنَّ الْحَتْمَ لَا يُقَالُ فِيهِ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَفْعَلُوهُ ، قَالُوا : كُلُّ مَا قِيلَ فِيهِ : لَا جُنَاحَ ، فَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ ، لَا حَتْمٌ ، مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ و لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا نَزَلَتْ فِي إِبَاحَةِ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مَحْظُورًا ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَحَرَّجُ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَتَحَرَّجُ مِنْ فِعْلِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَرْطُ الْخَوْفِ مَذْكُورًا فِي الْآيَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مُرَادَهُ - قَدْ بَيَّنَ بِسُنَّتِهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي الْخَوْفِ وَفِي غَيْرِ الْخَوْفِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ وَهُوَ آمِنٌ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَكَانَ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَمْنِ زِيَادَةُ بَيَانٍ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ وَحْيٌ يُتْلَى ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ ، وَاحْتَجُّوا مِنَ الْأَثَرِ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمُسَدَّدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ الْيَوْمَ ؟ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ ، وَقَالَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، قَالُوا : فَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَمْنِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَوْسِعَةٌ وَرُخْصَةٌ وَرَحْمَةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : أَمَّا قَوْلُهُ : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا خَافُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَسَنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَلَيْسَتَا بِقَصْرٍ ، وَلَكِنَّهُمَا وَفَاءٌ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : أُنْبِئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصُرُ وَهُوَ آمِنٌ غَيْرُ خَائِفٍ ، قَصْرُهُ الصَّلَاةَ فِي حَجَّتِهِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَمِنَ ، وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ ، وَعَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، زَادَ عَارِمٌ : وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ ، قَالَ أَنَسٌ : وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا : الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ ، قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا ، وَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ الْحَذَّاءِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : أُصَلِّي فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَاللَّهُ يَقُولُ : إِنْ خِفْتُمْ ، وَنَحْنُ نَجِدُ الزَّادَ وَالْمَزَادَ ؟ فَقَالَ : كَذَلِكَ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَا فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ، وَلَوْ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ لَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَرَضَهَا ، كَمَا قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَأَلَ حُمَيْدٌ الضَّمْرِيُّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : إِنِّي أُسَافِرُ ، أَفَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ أَمْ أُتِمُّهَا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بِقَصْرِهَا ، وَلَكِنَّهُ تَمَامُهَا وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ ثُلُثَيْ إِمَارَتِهِ أَوْ شَطْرَهَا ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهَا بَنُو أُمَيَّةَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَبَلَغَنِي : إِنَّمَا أَوْفَاهَا عُثْمَانُ أَرْبَعًا بِمِنًى مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَادَاهُ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا زِلْتُ أُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ مُذْ رَأَيْتُكَ عَامَ أَوَّلٍ صَلَّيْتَهَا رَكْعَتَيْنِ ، فَخَشِيَ عُثْمَانُ أَنْ يَظُنَّ جُهَّالُ النَّاسِ أَنَّ الصَّلَاةَ رَكْعَتَانِ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَوْفَاهَا بِمِنًى فَقَطْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ اخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَتَمَّ عُثْمَانُ الصَّلَاةَ فِي سَفَرِهِ إِلَى مَكَّةَ وَبِمَكَّةَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : أَخَذَ بِالْمُبَاحِ فِي ذَلِكَ ; إِذْ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ وَأَنْ يُتِمَّ ، كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ وَأَنْ يُفْطِرَ . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ، احْتَجَّ بِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ ، وَبِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ وَيُقْصِرُ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كُلٌّ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَدْ صَامَ وَأَفْطَرَ وَأَتَمَّ وَقَصَرَ فِي السَّفَرِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْمَاطِيُّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ - يَعْنِي الْفَرَائِضَ - فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَرْبَعًا وَثَلَاثًا - صَلَّى وَتَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بِمَكَّةَ تَمَامًا لِلْمُسَافِرِ . فَهَذِهِ عَائِشَةُ قَدْ اضْطَرَبَتِ الْآثَارُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَإِتْمَامُهَا فِي السَّفَرِ يَقْضِي بِصِحَّةِ مَا وَافَقَ مَعْنَاهُ مِنْهَا . وَرَوَى زَيْدٌ الْعَمِّيُّ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسَافِرُ ، فَيُتِمُّ بَعْضُنَا ، وَيَقْصُرُ بَعْضُنَا ، وَيَصُومُ بَعْضُنَا ، وَيُفْطِرُ بَعْضُنَا ، وَلَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَتَمَّ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْمَنَاهِلِ أَهْلٌ وَمَالٌ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عِكْرِمَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ الْمُرْطِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، أَنَّهُ صَلَّى بِأَهْلِ مِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : إِنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا . فَلِذَلِكَ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا . ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ الْهِلَالِيِّ ، وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمْدَوَيْهِ ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَالْحَرِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ قَدْ عَمِلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِتْمَامُهُ إِنَّمَا كَانَ عَلَى نَحْوِ إِتْمَامِ عَائِشَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْوُجُوهَ الَّتِي تُؤُوِّلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فِي إِتْمَامِهَا فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَبَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ أَيْضًا صَلَّاهَا أَرْبَعًا ; لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ، وَقَالَ وُهَيْبٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صَلَّوْا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَعُثْمَانَ شَطْرَ إِمَارَتِهِ ، ثُمَّ أَتَمَّهَا عُثْمَانُ أَرْبَعًا بِمِنًى قَالَ : لِأَنَّهُ اتَّخَذَ أَمْوَالًا بِالطَّائِفِ ، فَأَجْمَعَ الْمُقَامَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ ، أَمَّا قَوْلُهُ : بِالطَّائِفِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ بَلَدٌ آخَرُ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا صَلَّى أَرْبَعًا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ، ثُمَّ قَامَ أَرْبَعًا ، فَقِيلَ لَهُ : اسْتَرْجَعْتَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا ؟ قَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ . وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا ، قَالَ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ . قَالَ الْأَعْمَشُ : فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّاهَا بَعْدُ أَرْبَعًا ، فَقِيلَ لَهُ : عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ وَتُصَلِّي أَرْبَعًا ؟ قَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : صَلَّى عُثْمَانُ - فَذَكَرَهُ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ أَصْحَابِهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى ، فَلَمَّا صَلَّى عُثْمَانُ أَرْبَعًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَكَانِ رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّى عُمَرُ رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ الْأَسْوَدُ : فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَا سَلَّمْتَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَجَعَلْتَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ تَسْبِيحًا ؟ قَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مُخَالَفَةَ عُثْمَانَ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ ، ثُمَّ رَأَى اتِّبَاعَ إِمَامِهِ فِيمَا أُبِيحَ لَهُ أَوْلَى مِنْ إِتْيَانِ الْأَفْضَلِ فِي الْقَصْرِ ; لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَئِمَّةِ لَا تَجُوزُ إِلَّا فِيمَا لَا يَحِلُّ ، وَأَمَّا فِيمَا أُبِيحَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْأَئِمَّةِ - إِذَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ - وَلَعَلَّ عُثْمَانَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اخْتِيَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرِهِ الْقَصْرَ كَانَ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى أُمَّتِهِ ، فَاخْتَارَهُ لِذَلِكَ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا الْحَدِيثَ . وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ مَا اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ وَسَنَّهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّا سِوَاهُ ، وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا حَدِيثُ سَلْمَانَ : ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ قَوْمٍ فِي السَّفَرِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَقَالُوا لَهُ : صَلِّ بِنَا ، فَقَالَ : إِنَّا لَا نَؤُمُّكُمْ وَلَا نَنْكِحُ نِسَاءَكُمْ ، فَأَبَى فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ، فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ سَلْمَانُ : مَا لَنَا وَلِلْمُرَبَّعَةِ ؟ وَإِنَّمَا كَانَ يَكْفِينَا نِصْفُ الْمُرَبَّعَةِ وَنَحْنُ إِلَى الرُّخْصَةِ أَحْوَجُ . أَلَا تَرَى أَنَّ سَلْمَانَ لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ ، بَلْ تَمَادَى مَعَ إِمَامِهِ فَصَلَّى أَرْبَعًا ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْمَدْ ذَلِكَ لَهُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَ سَلْمَانَ رُخْصَةٌ وَسُنَّةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ : أَكُونُ بِمَكَّةَ فَكَيْفَ أُصَلِّي ؟ قَالَ : رَكْعَتَيْنِ ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَحَسْبُكَ بِهَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : قُلْتُ لَهُ : فِيمَ جُعِلَ الْقَصْرُ فِي الْخَوْفِ وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ؟ قَالَ : السُّنَّةُ ، قُلْتُ : وَرُخْصَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مِثْلَهُ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَائِشَةُ يُوَفِّيَانِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَصُومَانِ ، قَالَ : وَسَافَرَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْفَى سَعْدٌ الصَّلَاةَ وَصَامَ ، وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَأَفْطَرُوا ، فَقَالُوا لِسَعْدٍ : كَيْفَ نُفْطِرُ وَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَأَنْتَ تُتِمُّهَا وَتَصُومُ ؟ فَقَالَ : دُونَكُمْ أَمْرُكُمْ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِشَأْنِي ، قَالَ : فَلَمْ يُحَرِّمْهُ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَأَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : قَصْرُهَا ، قَالَ : وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ وَالْأَخْيَارُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ عَطَاءٍ هَذَا وَمَا حَكَاهُ عَنْ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ - أَعْرَفُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَّةَ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ كَانُوا جَمِيعًا ، فَكَانَ سَعْدٌ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَيُفْطِرُ ، وَكَانَا يُتِمَّانِ الصَّلَاةَ وَيَصُومَانِ ، فَقِيلَ لِسَعْدٍ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : نَحْنُ أَعْلَمُ . الْمَشْهُورُ عَنْ سَعْدٍ مَا ذَكَرَهُ عَطَاءٌ ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالتَّمَامِ ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ سَعْدٍ كَأَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ مَرَّةً وَيَقْصُرُ أُخْرَى ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : عَجِبْتُ مِنْ عَائِشَةَ ، حين كَانَتْ تُصَلِّي أَرْبَعًا فِي السَّفَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ! فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ : عَلَيْكَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُعَابُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَدَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَمْنِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ فَرِيضَةٍ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، حَيْثُ قَالَتْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ . فَرَدُّوهُ بِأَنْ قَالُوا : قَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِهَا يَرُدُّ قَوْلَهَا ذَلِكَ ، وَإِنْ صَحَّ قَوْلُهَا ذَلِكَ عَنْهَا ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ الْوَهْمُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ ، وَفِيهِ مَعْنًى مُضْمَرٌ بَاطِنٌ ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَأَنَّهَا قَالَتْ : فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ لِمَنْ شَاءَ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّ تُقِرَّ بِأَنَّ الْقَصْرَ فُرِضَ فِي السَّفَرِ ، وَتُخَالِفَ الْفَرْضَ ، هَذَا مَا لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَيْهَا ، قَالُوا : وَغَيْرُ جَائِزٍ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ عَلَيْهَا أَنَّ إِتْمَامَهَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَتْ حَيْثُمَا نَزَلَتْ عَلَى بَنِيهَا فَلَمْ تَقْصُرْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهَا كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي بَيْتِهَا ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ صَارَتْ عَائِشَةُ وَسَائِرُ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُؤْمِنِينَ أَبًا رَؤُوفًا رَحِيمًا ، وَكَانَ يَقْصُرُ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا : فِي غَزَوَاتِهِ وَعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ ، فَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ : إِتْمَامُهَا فِي أَسْفَارِهَا ، وَمِمَّا يَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَمَا رُوِيَ عَنْهَا مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَمَّ فِي السَّفَرِ وَقَصَرَ وَصَامَ وَأَفْطَرَ . وَمِمَّا يُعَارِضُهُ أَيْضًا : حَدِيثُ الْقُشَيْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَالْوَضْعُ لَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا مِمَّا قَدْ ثَبَتَ فَوُضِعَ مِنْهُ . وَفِي إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا ، فَلَوْ كَانَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إِلَى أَرْبَعٍ ، كَمَا أَنَّ الْمُقِيمَ إِذَا دَخَلَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إِلَى اثْنَيْنِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَأَنْصَفَ ، قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا ، إِنْ شَاءَ دَخَلَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ ، فَصَلَّى أَرْبَعًا ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي حَالِ انْفِرَادِهِ ، إِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا ؟ قَالُوا : وَلَوْ كَانَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ مَا جَازَ لَهُ تَغْيِيرُ فَرْضِهِ بِالدُّخُولِ مَعَ الْمُقِيمِ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلَفَ إِمَامٍ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِلَى آخِرِهَا ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حِبَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَأْكُلُ - أَوْ قَالَ : يَطْعَمُ - فَقَالَ : ادْنُ فَكُلْ ، فَقُلْتُ : إِنِّي صَائِمٌ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامَ ، وَعَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ . وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشِّخِّيرِ ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الشِّخِّيرِ فَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْقُشَيْرِيِّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ . وَرَوَاهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ - يَعْنِي : عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سَفَرٍ ، فَقَالَ : انْتَظِرِ الْغَدَاءَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ ، فَقُلْتُ : إِنِّي صَائِمٌ ، قَالَ : ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَنِ الْمُسَافِرِ ، إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْهُ الصِّيَامَ وَنِصْفَ الصَّلَاةِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، قَالَ : مَرَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَجْلِسِنَا فَقَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ : صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ، وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلَاثَ عُمَرٍ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ . فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْقُلُ فَرْضًا عَنْ حَالِهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ خَلْفَهُ مَنْ أَهَّلِ الْحَضَرِ : صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَيْضًا حِينَ صَلَّى بِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ لَهُمْ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ . فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ يَحْمِلُ الْمُقِيمَ - إِذَا صَلَّى خَلْفَ الْمُسَافِرِ - عَلَى أَنْ يَجْتَزِئَ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَقْتَصِرَ عَلَى السَّلَامِ مَعَهُ ; لِأَنَّ كُلًّا عَلَى فَرْضِهِ ، وَكَانَ الْمُسَافِرُ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ انْتَقَلَ حُكْمُهُ إِلَى حُكْمِ الْمُقِيمِ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا - عَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَأَضَافَ الْمُسَافِرُ إِلَى رَكْعَتِهِ الَّتِي أَدْرَكَهَا مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَةً أُخْرَى ، وَاسْتَجْزَىَ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْقَصْرَ لِلْمُسَافِرِ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُقِيمِ - مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَمَنِ اسْتَحْسَنَهُ - كُلُّهُمْ يُجِيزُهُ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، بَلْ قَدْ قَالَ أَكْثَرُهُمْ : إِنَّهُ إِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ قَبْلَ سَلَامِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ صَلَاةُ الْمُقِيمِ وَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ ، فَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ فَرْضًا وَاجِبًا مَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ مَعَ الْمُقِيمِ فِي صَلَاتِهِ ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاضِحٌ بَيِّنٌ لِمَنْ لَمْ يُعَانِدْ وَأُلْهِمَ رُشْدَهُ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، قَالَا : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا تَمَامٌ . قَالَا : وَالْوَتَرُ فِي السَّفَرِ مِنَ السُّنَّةِ ، فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ قَالَا : إِنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ سُنَّةٌ ، كَمَا قَالَا : إِنَّ الْوَتَرَ فِي السَّفَرِ مِنَ السُّنَّةِ ، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَشْبَعْنَا هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً فِي مُسَافِرٍ أَمَّ مُقِيمِينَ ، فَأَتَمَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ - جَاهِلًا - وَمِنْهُمُ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ ، قَالَ : أَرَى أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ جَمِيعًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ، وَمَا مَضَى وَقْتُهُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا نَاسِيًا لِسَفَرٍ ، أَوْ نَاسِيًا لِإِقْصَارِهِ ، أَوْ ذَاكِرًا : فَلْيُعِدْ فِي الْوَقْتِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ نَاسِيًا أَوْ ذَاكِرًا - وَزَادَ : أَوْ جَاهِلًا - أَرْبَعًا : إِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَوِ افْتَتَحَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَأَتَمَّهُمَا أَرْبَعًا تَعَمُّدًا أَعَادَ أَبَدًا ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا سَجَدَ لِسَهْوِهِ وَأَجْزَأَهُ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : بَلْ يُعِيدُ أَبَدًا لِكَثْرَةِ السَّهْوِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَيْسَ كَسَهْوٍ مُجْتَمَعٍ عَلَيْهِ . وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : وَمَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ أَعَادَهَا مَقْصُورَةً مَا دَامَ فِي وَقْتِهَا إِلَى أَنْ يَنْوِيَ مَقَامًا ، فَيُعِيدُهَا كَامِلَةً مَا دَامَ فِي وَقْتِهَا ، قَالَ : وَلَوْ صَلَّى مُسَافِرٌ بِمُسَافِرِينَ فَسَهَا فَقَامَ لِيُتِمَّ ، فَلْيَجْلِسْ مَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى يُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ ، وَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ : أَحْسَبُهُ أَنَّهُ أَلْزَمَ هَذَا الْإِعَادَةَ ; لِأَنَّهُ سُبِّحَ بِهِ ، فَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا ، عَالِمًا بِذَلِكَ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ سَاهِيًا فَلَا وَجْهَ لِأَمْرِهِ بِالْإِعَادَةِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُقِيمٍ صَلَّى الظَّهْرَ خَمْسًا سَاهِيًا ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ ، وَذَكَرَ ابْنُ خُوَازِ مِنْدَادَ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : إِنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ مَسْنُونٌ غير وَاجِبٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ إِلَّا فِي الْوَقْتِ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ . وَقَدْ حَكَى أَبُو الْفَرَجِ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِي الْمُصْعَبِ ، عَنْ مَالِكٍ : الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ سُنَّةٌ . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : فَلَا مَعْنًى لِلِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ مَعَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمُصْعَبِ : أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ ، قَالَ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، أَنَّهُ لَا يَرَى الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ إِلَّا فِي الْوَقْتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَذَلِكَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ فِيهَا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْأَثَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأُمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، فَكَانَا يَقُولَانِ : إِنْ شَاءَ الْمُسَافِرُ قَصَرَ ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ ، وَذَكَرَ أَبُو سَعْدٍ الْقَزْوِينِيُّ الْمَالِكِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ : التَّخْيِيرُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْقَصْرُ ; وَلِذَلِكَ يَرَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ إِنْ أَتَمَّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا ، فَإِنْ كَانَ قَعَدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ، فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ ، وَالْجُلُوسُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ ، وَبِهِ يَخْرُجُ عِنْدَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَلِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : مَنْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ أَعَادَ ، وَالْإِعَادَةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أُصُولِهِمْ - أَبَدًا . وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ ; لِأَنَّهُ قَالَ : الرَّكْعَتَانِ لِلْمُسَافِرِ حَتْمٌ لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا . وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ مَرَّةً : أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا ، السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَهُنَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ · ص 293 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة فرضت الصلاة ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر · ص 41 337 308 - مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ . وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . 7820 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أُسِيدٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ رُوَاةُ مُوَطَّأِ مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَلَا سَمَّى الرَّجُلَ السَّائِلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 7820 م - وَقَدْ أَقَامَ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ شِهَابٍ وَسَمُّوا الرَّجُلَ ، مِنْهُمْ : مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ; فَرَوَوْهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ ; أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ . . ، وَذَكَرُوا الْحَدِيثَ . 7821 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 7822 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا فَرِيضَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ . 7823 - لِأَنَّ الْقَصْرَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ مُسَافِرًا إِذَا خَافَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَصَحَّ الْقَصْرُ لِلْمُسَافِرِ بِشَرْطِ السَّفَرِ وَشَرْطِ الْخَوْفِ . 7824 - ثُمَّ قَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرِهِ وَغَزَوَاتِهِ وَحَجَّتِهِ آمِنًا ، فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةَ بَيَانٍ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ . 7825 - وَلِهَذَا نَظَائِرٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ عِنْدَ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خَالَتِهَا . 7826 - وَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَنْ إِذَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَعَلَهُ ، وَلَا يَشْرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَمَرَهُ بِهِ . 7827 - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى أَوْطَانِكُمْ وَمَوَاضِعِ أَمْنِكُمْ ، فَأَتِمُّوا الصَّلَاةَ . 7828 - فَهَذِهِ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ [ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا : الْقُرْآنُ ] 7829 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ ؟ قَالَ : رَكْعَتَانِ . قُلْتُ : أَيْنَ قَوْلُهُ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَنَحْنُ آمِنُونَ ؟ قَالَ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7830 - قَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ ، عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَبَيْنَهُمَا آخَرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَبُو بَكْرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 7831 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوحٍ الْمَدَائِنِيُّ ، قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ الْحَذَّاءِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : إِنْ خِفْتُمْ وَنَحْنُ نَجِدُ الزَّادَ وَالْمَزَادَ ؟ فَقَالَ : كَذَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7832 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ : قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ؟ فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ 7833 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُسَدَّدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَرَأَيْتَ إِقْصَارَ النَّاسِ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَقَالَ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ . 7834 - هَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ . 7835 - وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ . 7836 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ هَذَا وَالشَّوَاهِدَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّمْهِيدِ . 7837 - قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ ، وَابْنُ بَابَيْهِ مَكِّيَّانِ ، ثِقَتَانِ . 7838 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ ، وَابْنُ بَابَاهْ ، وَابْنُ بَابِي أَيْضًا . 7839 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَنَحْنُ آمِنُونَ لَا نَخَافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ . 7840 - رَوَاهُ أَيُّوبُ ، وَهِشَامٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 7841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إِذَا سَافَرَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ سَفَرًا طَوِيلًا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا . 7842 - وَالْمَسَافَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ عَنْهُمْ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 7843 - وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا فِي غَيْرِ جِهَادٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ . 7844 - فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ . 7845 - مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ : أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ . 7846 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَامِّ ، قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَا يَرَى الْقَصْرَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ ، أَوْ عُمْرَةٍ . 7847 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي حَجٍّ ، أَوْ جِهَادٍ . 7848 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَذْكُرِ الْعُمْرَةَ لِأَنَّهَا حَجٌّ وَفِي مَعْنَى الْحَجِّ . 7849 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : مَا أَرَى أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ . 7850 - وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ ، كَانَ يَقُولُ : تُقْصَرُ فِي كُلِّ ذَلِكَ . 7851 - قَالَ : وَكَانَ طَاوُسٌ يَسْأَلُهُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ : أُسَافِرُ لِبَعْضِ حَاجَتِي أَفَأَقْصُرُ الصَّلَاةَ ؟ فَسَكَتَ وَقَالَ : إِذَا خَرَجْنَا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ . 7852 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلَهُمْ : لَا تُقْصَرُ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ . قَالَ : إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . قُلْتُ : لِمَ ؟ قَالَ : مِنْ أَجْلِ أَنَّ إِمَامَ الْمُتَّقِينَ لَمْ يَقْصُرِ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ ; حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ . وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ أَيُّهُمْ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغِي الدُّنْيَا ؟ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ خَرَجَ فِي غَيْرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ؟ قَالَ : لَا . إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ إِلَى الطَّائِفِ . قُلْتُ : فَجَائِزٌ . وَأَبُو عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ؟ قَالَ : لَا . وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ . قُلْتُ : فَمَاذَا تَرَى ؟ قَالَ أَرَى أَلَّا تُقْصَرَ إِلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ . وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ : تُقْصَرُ فِي ذَلِكَ . 7853 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ دَاوُدُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا ، وَهُوَ عِنْدِي نَقْضٌ لِأَصْلِهِ فِي تَرْكِهِ ظَاهِرَ كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قَوْلِهِ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ وَلَمْ يَخُصَّ ضَرْبًا فِي حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ ، وَأَخَذَهُ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ بِخِلَافِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الضَّرْبَ فِي الْأَرْضِ ابْتِغَاءَ فَضْلِ اللَّهِ . 7854 - وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . فَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِقَوْلِ دَاوُدَ . وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : يَقْصُرُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي . كُلُّ مُسَافِرٍ ضَارِبٍ فِي الْأَرْضِ . 7855 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِيهَا : 7856 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُسَافِرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي طَاعَةٍ أَوْ فِي مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ السَّفَرَ فِيهِ وَلَمْ يَحْظُرْهُ عَلَيْهِ . 7857 - وَسُئِلَ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي الصَّيْدِ ، فَقَالَ : إِنْ خَرَجَ لِلصَّيْدِ وَهَذَا مَعَاشُهُ قَصَرَ ، وَإِنْ خَرَجَ مُتَلَذِّذًا لِمْ أَسْتَحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ . 7858 - قَالَ : وَمَنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ . 7859 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يَقْصُرْ ، وَلَمْ يَمْسَحْ مَسْحَ الْمُسَافِرِ . 7860 - وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ . 7861 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُنْتَهَاهُمَا : 7862 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ، قَالَ حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ أخْتَلِفُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ . 7863 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كُلُّ مَا فِي كِتَابِنَا هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ لَيْسَ مِنَ الْمُسْنَدِ فِيهِ هَذَا الْإِسْنَادُ . 7864 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يُقْصَرُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ . 7865 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَصَرَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ . 7866 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَاصٍ . 7867 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 7868 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ وَلَمْ يَخُصَّ ضَرْبًا مِنْ ضَرْبٍ . 7869 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَالِهِ بِخَيْبَرَ . 7870 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى مَالِهِ بِالطَّائِفِ . 7871 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ إِلَى مَالِهِ بِخَيْبَرَ يُطَالِعُهُ . 7872 - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا غَزْوٍ . 7873 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ فَقَصَرَ الصَّلَاةَ . 7874 - وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيُقْصَرُ إِلَى عَرَفَةَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ ؟ فَقَالَ : لَا . وَلَكِنِ أقْصُرْ إِلَى الطَّائِفِ وَإِلَى عَسْفَانَ . 7875 - وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُحَدَّدًا تَامًّا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 7876 - وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ رُوَاتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَغَيْرِهِ . وَلَمْ يَرَوِهِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابَ 7877 - وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ خَالَفَ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَقَالَ : بَلْ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ . 7878 - وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، مِنْهُمْ : عُمَرُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ . 7879 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ . 7880 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ . قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً . 7881 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ . 7882 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ . 7883 - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ ( رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ) عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ . 7884 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ أَثْبَتُ . 7885 - وَرَوَى وَكِيعٌ ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَكَمَا يُصَلِّي فِي الْحَضَرِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فَكَذَلِكَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ . 7886 - وَقَدْ طَعَنَ قَوْمٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فَقَالُوا : لَوْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُقْصَرْ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمُسَافِرُ الْآمِنُ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ ، فَأَيُّ قَصْرٍ كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ؟ 7887 - وَهَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنْ كَانَتْ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، فَقَدْ زِيدَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهَا بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ لِلضَّارِبِينَ فِي الْأَرْضِ وَهُمُ الْمُسَافِرُونَ ، وَهَذَا لَا يُخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَقَلُّ فَهْمٍ . 7888 - عَلَى أَنَّا نَقُولُ : إِنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ اسْتَقَرَّ مِنْ زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ عِنْدَ قَوْمٍ ، وَعِنْدَ آخَرِينَ عَلَى الْإِلْزَامِ ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَوَّلِ فَرْضِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ . فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِلْزَامِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ قَدْ خُولِفَتْ فِيهِ فَكَانَتْ هِيَ أَيْضًا ( رَحِمَهَا اللَّهُ ) لَا تَأْخُذُ بِهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تُتِمُّ فِي سَفَرِهَا ، وَالْمَصِيرُ إِلَى ظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَوَّلًا لِأَنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الْإِلْزَامِ ، مَعَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ الْمُنْبِئَةِ بِأَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ سُنَّةٌ وَرُخْصَةٌ وَصَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ . 7889 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي حَنْظَلَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ : رَكْعَتَانِ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7890 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي إِيجَابِ الْقَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : 7891 - فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ فِي السَّفَرِ فَرْضًا . 7892 - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَطَائِفَةٍ . 7893 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِيِّ . 7894 - وَذَكَرَ ابْنُ الْجَهْمِيِّ أَنَّ أَشْهَبَ رَوَى ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ . 7895 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَدِيثُ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ركعتين فِي السِّفْرِ وَالْحَضَرِ ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى . 7896 - وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ . 7897 - وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ رَكْعَتَانِ ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7898 - وَذَكَرْنَا حَدِيثَ عُمَرَ هَذَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرْنَا الْعِلَّةَ فِيهِ . 7899 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَرْضٌ أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ عَامِدًا ، أَوْ رَأَى الْإِعَادَةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةً رَكْعَتَيْنِ . 7900 - عَلَى أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ . 7901 - فَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ قَعَدَ الْمُسَافِرُ فِي اثْنَتَيْنِ لَمْ يُعِدْ . 7902 - وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يُعِدْ . 7903 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا مُتَعَمِّدًا أَعَادَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَإِنْ طَالَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ وَكَثُرَ لَمْ يُعِدْ . 7904 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي أَرْبَعًا عَامِدًا : بَطُلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ صَلَّاهَا سَاهِيًا فَإِنْ قَعَدَ فِي اثْنَتَيْنِ فَقَرَأَ التَّشَهُّدَ قُضِيَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ . 7905 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِأَنَّهُ خَلَطَ الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ بِالنَّافِلَةِ إِذَا لَمْ يَقْعُدْ فِي الِاثْنَيْنِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَفَسَدَتْ لِذَلِكَ صَلَاتُهُ عِنْدَهُمْ . 7906 - وَأَصْلُ الْكُوفِيِّينَ فِي مُرَاعَاةِ الْجُلُوسِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ; لِأَنَّ الْقُعُودَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَالتَّشَهُّدُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِوَاجِبٍ ، وَلَا السَّلَامُ ; لِأَنَّهُمَا مِنَ الذِّكْرِ . 7907 - وَحُجَّتُهُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ ; لِأَنَّ فِيهِ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ : فَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ إِذَا سَلَّمْتَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَهُمْ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ فَرْضًا فَكَذَلِكَ السَّلَامُ ; لِأَنَّهُمَا جَاءَا مَجِيئًا وَاحِدًا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ . 7908 - عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ هَذَا مَا يُوجِبُ أَنَّ مَنْ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ . 7909 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي التَّشَهُّدِ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 7910 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ : أَنَّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ ، لَا فَرِيضَةٌ . 7911 - وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ . 7912 - فَمَنْ جَعَلَهَا سُنَّةً رَأَى الْإِعَادَةَ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَكَرِهَ الْإِتْمَامَ : وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ . 7913 - وَمَنْ رَآهَا رُخْصَةً ، أَجَازَ الْإِتْمَامَ وَجَعَلَ الْمُسَافِرَ بِالْخِيَارِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ . 7914 - وَذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . 7915 - وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ : رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ أَغْنَتْنَا عَنْ طَلَبِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ; يَعْنِي مِنْ مَسَائِلِهِ وَأَجْوِبَتِهِ . 7916 - وَقَالَ ابْنُ خُوَازِ مَنْدَادَ الْمَالِكِيُّ : الْقَصْرُ عِنْدَ مَالِكٍ مَسْنُونٌ غَيْرُ وَاجِبٍ . 7917 - قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 7918 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا . 7919 - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ صَلَاةَ سَفَرٍ ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 7920 - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ . 7921 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فِي الْوَقْتِ لَأَعَادَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً أَرْبَعًا . 7922 - قَالَ : وَلَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ فَنَوَى أَرْبَعًا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ . 7923 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ ; عَنْ مُطَرِّفٍ ; عَنْ مَالِكٍ قَالَ : إِذَا أَتَمَّ الْمُسَافِرُ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا : أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ . 7924 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ; فِي مُسَافِرٍ أَمَّ قَوْمًا فِيهِمْ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَاهِلًا . 7925 - قَالَ : أَرَى أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ جَمِيعًا . 7926 - وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ . 7927 - وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي سَفَرِهِ أَرْبَعًا نَاسِيًا لِسَفَرِهِ أَوْ عَامِدًا لِذَلِكَ أَوْ جَاهِلًا ; فَلْيُعِدْ فِي الْوَقْتِ . 7928 - وَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ . 7929 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ خَائِفًا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ فِي السَّفَرِ قَصَرَ بِالسُّنَّةِ . 7930 - قَالَ : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُتِمَّ مُتَأَوِّلًا ، فَإِنْ أَتَمَّ مُتَأَوِّلًا وَأَخَذَ بِالرُّخْصَةِ ; فَلَا حَرَجَ . 7931 - قَالَ : وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ ; فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ أَرْبَعًا . 7932 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ كَمَا هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ الْمَالِكِيِّينَ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ . 7933 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا قَامَ الْمُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةٍ وَصَلَّاهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ ; فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . 7934 - وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِيمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا : بِئْسَ مَا صَنَعَ وَقَدْ قَضَتْ عَنْهُ صَلَاتَهُ ! ! ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِلِ : لَا أُمَّ لَكَ تَرَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكُوهَا ; لِأَنَّهَا ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ ؟ 7935 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي عَلَيْهِ بَنَى مَذْهَبَهُ مِنْ جَعْلِ الْقَصْرِ فَرْضًا ، يُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ تَمَامُهَا فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ عَاقِلٌ بِهَا تَعَمُّدَ إِفْسَادِ صَلَاتِهَا بِالزِّيَادَةِ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا عَامِدَةً . 7936 - يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا عَلِمَتْ أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ ; وَإِذَا كَانَتْ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ فَالنَّاسُ مُخَيَّرُونَ فِي قَبُولِهَا ; إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدِي : الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا سُنَّةٌ لِأُمَّتِهِ ; وَفِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ . 7937 - وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا أَتَمَّتْ فِي سَفَرِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ مَا كَانَتْ فَهِيَ عِنْدَ بَنِيهَا كَأَنَّهَا فِي أَهْلِهَا . 7938 - وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا إِنَّمَا صَارَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ كَانَتْ زَوْجًا لِأَبِي الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ صَارَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ . 7939 - وَقَدْ رَوَى فِي قِرَاءَاتِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . 7940 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ . 7941 - وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوا مِنْ تَأْوِيلِ عَائِشَةَ لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهَا وَصَلَاتُهُ فِي أَسْفَارِهِ رَكْعَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ سَنَّ لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ فِي مَوْضِعِ إِقَامَتِهِ رَكْعَتَيْنِ فِي صَلَاةِ أَرْبَعٍ خِلَافَ مَا شَرَعَ لِأُمَّتِهِ وَبَيَّنَ فِي ذَلِكَ مُرَادَ رَبِّهِ . 7942 - وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ) إِنَّمَا أَتَمَّتْ فِي السَّفَرِ لِوُجُوهٍ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ; أَوْلَاهَا عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا عَلِمَتْ مِنْ قَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خُيِّرَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ اخْتَارَ الْإِقْصَارَ ; لِيُسْرِ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ . وَقَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا . فَأَخَذَتْ هِيَ فِي خَاصَّتِهَا بِغَيْرِ رُخْصَةٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهَا فِي حُكْمِ التَّخْيِيرِ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ . 7943 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْنَى ذَلِكَ : 7944 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ; قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ; قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ; قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ . 7945 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ; قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ; قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ; قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ ; عَنْ عَطَاءٍ ; عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَيَقْصُرُ ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ ، وَيُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ . 7946 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ; عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : إِنْ صَلَّيْتُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَالسُّنَّةُ ، وَإِنْ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا فَالسُّنَّةُ . 7947 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ; عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ; عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شِئْتَ أَرْبَعًا . 7948 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ ; قَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فَقَالَ : إِنْ قَصَرْتَ فَسُنَّةٌ وَإِنْ شِئْتَ أَتْمَمْتَ . 7949 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خُضَيْرٍ ; عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيِّ ; قَالَ : اصْطَحَبْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُتِمُّ وَبَعْضُهُمْ يَقْصُرُ ، وَبَعْضُهُمْ يَصُومُ وَبَعْضُهُمْ يُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ . 7950 - وَرَوَى زَيْدٌ الْعَمِّيُّ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ . 7951 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ; عَنْ عَطَاءٍ ; قَالَ : كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُوَفِّي الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ وَيَصُومُ قَالَ : وَسَافَرَ النَّاسُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَعْدٌ مَعَهُمْ ، فَأَوْفَى سَعْدٌ الصَّلَاةَ وَصَامَ ، وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَأَفْطَرُوا ; فَقَالُوا لِسَعْدٍ : كَيْفَ نُفْطِرُ وَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَأَنْتَ تُتِمُّهَا وَتَصُومُ ؟ فَقَالَ : دُونَكُمْ أَمْرَكُمْ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِشَأْنِي ; قَالَ : فَلَمْ يُحَرِّمْهُ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهَاهُمْ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَأَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : قَصْرُهَا ; وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ الصَّالِحُونَ وَالْأَخْيَارُ . 7952 - وَرَوَى جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ ; عَنِ الزُّهْرِيِّ ; عَنْ رَجُلٍ ; عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ : أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، سَافَرُوا ; فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ سَعْدٌ وَقَصَرَ الْقَوْمُ وَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ عَطَاءٍ . 7953 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ سِتَّةِ أَعْوَامٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ خِلَافَتِهِ . 7954 - وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ وُجُوهًا أَرْبَعَةً وَرَوَوْا بَعْضَهَا عَنْهُ فَذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 7955 - مِنْهَا : أَنَّهُ اتَّخَذَ أَهْلًا بِمَكَّةَ . 7956 - وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : أَنَا خَلِيفَةٌ حَيْثُ مَا كُنْتُ فَهُوَ عَمَلِي . 7957 - وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا صَلَّى مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ ، فَظَنَّ أَنَّ الْفَرِيضَةَ رَكْعَتَانِ ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ السَّنَةَ كُلَّهَا فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ . 7958 - وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ : عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ جَمِيعًا أَصَحُّ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمَا رَأَيَا أَنَّ لَهُمَا الْقَصْرَ وَالتَّمَامَ كَمَا لَهُمَا الْفِطْرُ وَالصِّيَامُ ، وَرَأَيَا أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ فَمَالَا إِلَى التَّمَامِ . 7959 - هَذَا هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 7960 - وَلَا يَصِحُّ عِنْدِي مِنْهَا إِلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ التَّمَامَ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ تَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالتَّمَامِ . 7961 - وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ; عَنْ سَالِمٍ ; عَنِ ابْنِ عُمَرَ ; قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّاهَا أَرْبَعًا . 7962 - قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَبَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا ; لِأَنَّهُ أَزْمَعَ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ . 7963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ مُهَاجِرِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُ قَدْ رَحَلَتْ . 7964 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ; قَالَ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ ; قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ; قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ . 7965 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَابَ ابْنُ مَسْعُودٍ عُثْمَانَ بِالْإِتْمَامِ بِمِنًى ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى خَلْفَهُ أَرْبَعًا ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ . 7966 - رَوَيْنَا ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عُثْمَانَ لَوْ كَانَ الْقَصْرُ عِنْدَهُ فَرْضًا مَا أَتَمَّ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِمِنًى . 7967 - وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَوْ كَانَ الْقَصْرُ عِنْدَهُ وَاجِبَ فَرْضٍ ; مَا صَلَّى خَلْفَ عُثْمَانَ أَرْبَعًا ، وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْخِلَافَ عَلَى الْإِمَامِ فِيمَا سَبِيلُهُ التَّخْيِيرُ وَالْإِبَاحَةُ شَرٌّ ; لِأَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ لِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَسْفَارِهِ [ عَلَيْهِ ] ، وَإِنَّمَا عَابَهُ لِتَرْكِهِ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ . 7968 - وَكَذَلِكَ صَنَعَ سَلْمَانُ ; سَافَرَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ ، فَأَبَى ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ سَلْمَانُ : مَا لَنَا وَلِلْمُرَبَّعَةِ ؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِينَا رَكْعَتَيْنِ نَصِفَ الْمُرَبَّعَةِ وَلَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ ، وَلَا أَمَرَ أَحَدًا بِالْإِعَادَةِ ، بَلْ تَمَادَى وَرَاءَ إِمَامِهِ وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ . 7969 - ذُكِرَ خَبَرُ سَلْمَانَ هَذَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ ، قَالَ : خَرَجَ سَلْمَانُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُزَاةً وَسَلْمَانُ أَسَنُّهُمْ ، وَذَكَرَ الْخَبَرَ بِتَمَامِهِ . 7970 - وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطَّائِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ نَضْلَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ وَمَعَنَا سَلْمَانُ وَنَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَاكِبًا ، كُلُّهُمْ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مَعْنَى مَا وَصَفْنَاهُ . 7971 - وَفِي هَذَا كُلِّهِ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ صِحَّةُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ وَرُخْصَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 7972 - وَإِنَّمَا اخْتَارَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْقَصْرَ ; لِأَنَّهُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَلِيٌّ يَقْصُرُ فِي أَسْفَارِهِ كُلِّهَا إِلَى صِفِّينَ وَغَيْرِهَا . 7973 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، قَالَ : مَرَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فِي مَجْلِسِنَا ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَتًى مِنَ الْقَوْمِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ ، وَالْغَزْوِ ، وَالْعُمْرَةِ ، فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا فَقَالَ : إِنَّ هَذَا سَأَلَنَا عَنْ أَمْرٍ فَأَرَدْتُ أَنْ تَسْمَعُوهُ - أَوْ كَمَا قَالَ - غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشَرَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ : صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ ، وَاعْتَمَرَ وَاعْتَمَرْتُ مَعَهُ ثَلَاثَ عُمَرٍ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، وَخَرَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَغَزَوْتُ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ حَجَّاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ إِمَارَتِهِ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعًا .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ · ص 510 334 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . 337 334 - ( مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ الْمَدَنِيِّ ، مُؤَدِّبُ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ ، مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثِينَ أَوْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَانِ مُسْنَدَانِ ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَنَيِّفًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُلْمِذَ لِلزَّهْرِيِّ وَتَلَقَّنَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً ، قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَهَذِهِ مُجَازِفَةٌ قَبِيحَةٌ مُقْتَضَاهَا أَنْ يَكُونَ صَالِحٌ وُلِدَ قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ ؟ وَلَوْ كَانَ طَلَبَ الْعِلْمِ كَمَا حَدَّدَ الْحَاكِمُ لَكَانَ قَدْ أَخَذَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ . انْتَهَى . ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ ) ، وَلِلتِّنِيسِيِّ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا ( رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ) بِالتَّكْرِيرِ لِإِفَادَةِ عُمُومِ التَّثْنِيَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ) ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ الْمَدَنِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا الْمَغْرِبَ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ . ( فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ) رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ( وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ) بَعْدَ الْهِجْرَةِ . فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ ، وَاسْتَدَلَّ مُخَالِفُوهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 101 ) لِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزِيمَةِ ، وَالْقَصْرَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ شَيْءٍ أَطْوَلَ مِنْهُ ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَالْمَفْرُوضُ الْأَرْبَعُ إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ بِأَدَاءِ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ وَبِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَدْ زَمَانَ فَرْضِ الصَّلَاةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تُدْرِكِ الْقِصَّةَ يَكُونُ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا أَخَذَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ أَدْرَكَ ذَلِكَ ، وَقَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ : لَوْ ثَبَتَ لَنُقِلَ مُتَوَاتِرًا ، فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ، لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَلْزَمُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ ، ثُمَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ أَنَّ نُزُولَ آيَةِ الْخَوْفِ كَانَ فِيهَا . وَذَكَرَ الدُّولَابِيُّ أَنَّ الْقَصْرَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ . وَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ بِلَفْظِ : بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهُ ، وَقِيلَ : بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ : فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ، أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ ، وَقَدْ أُلْزِمُوا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ إِذَا عَارَضَ رَأْيُ الصَّحَابِيِّ رِوَايَتَهُ ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ بِرَأْيِهِ لَا بِمَرْوِيِّهِ ، وَخَالَفُوا ذَلِكَ هُنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُمْ أَنَّ عُرْوَةَ الرَّاوِي عَنْهَا قَالَ : لَمَّا سَأَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ إِتْمَامِهَا فِي السَّفَرِ : إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ ، فَرِوَايَتُهَا صَحِيحَةٌ وَرَأْيُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا تَأَوَّلَا فَقِيلَ : رَأَيَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَصَرَ أَخْذَا بِالْأَيْسَرِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِ فَأَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا بِالشِّدَّةِ ، صَحَّحَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَجَمَاعَةٌ آخِرُهُمُ الْقُرْطُبِيُّ . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُتِمُّ فَإِذَا احْتَجُّوا عَلَيْهَا تَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَرْبٍ وَكَانَ يَخَافُ ، فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ ؟ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ، فَقُلْتُ لَهَا : لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَأَنَّ الْإِتْمَامَ لِمَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ رَأَيَا الْقَصْرَ جَائِزًا وَالْإِتْمَامَ جَائِزًا ، فَأَخَذَا بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ ، انْتَهَى . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ سَافَرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَكُلُّهُمْ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي السَّيْرِ وَفِي الْمَقَامِ بِمَكَّةَ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .