358 حَدِيث ثان لِمُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَّ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو مُرَّةَ هَذَا قِيلَ اسْمُهُ يَزِيدُ ، وَيُقَالُ : هُوَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَمُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَأَمَّا أَمُّ هَانِئٍ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الصَّحَابَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا . وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا ، وَسِتًّا ، وَثَمَانِيًا ، وَأَكْثَرَ ، لَا يُسَلَّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ أَنَّ حَدِيثَ أَمِّ هَانِئٍ هَذَا فِي صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَاةَ الضُّحَى يَشْهَدُ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا فِي آخِرِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مُجْمَلٌ يُفَسِّرُهُ غَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ الْأَزْدِيُّ الْبَارِقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى . وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ابْنُ عُمَرَ . ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَمَثْنَى وَمَثْنَى يَقْتَضِي الْجُلُوسَ ، وَالسَّلَامَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، كَصَلَاةِ اللَّيْلِ سَوَاءٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَبَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَاحْتَجَّ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُخَالِفُ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ ، وَيُضَعِّفُهُ ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ ، وَيَذْهَبُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَيَقُولُ : إِنَّ نَافِعًا ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ ، وَجَمَاعَةً رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ وَالنَّهَارِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَذْهَبُ أَحْمَدَ مَعَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْحِجَازِيِّينَ أَوْلَى ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، وَفَهِمَ مَخْرَجَهُ ، وَكَانَ يَقُولُ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عُمَرَ لِيُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ فَهِمَ أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ بِخِلَافِ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ رَوَى اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ الْعَمْيَاءِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى وَلَمْ يَخُصَّ لَيْلًا مِنْ نَهَارٍ ، وَلَكِنَّهُ إِسْنَادٌ مُضْطَرِبٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ ( رَوَاهُ شُعْبَةُ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ) ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عن عياض ، عن مخرمة بن سليمان ، عن كريب ، عن ابن عباس عَنْ أَمِّ هَانِئٍ ، هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الضُّحَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْهَا ، وَهَذَا إِسْنَادٌ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْبَلٍ : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ؟ فَقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، أَفَتَرَاهُ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهَا ؟ ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : ) هَذَا حَدِيثُ أَمِّ هَانِئٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ، حَدِيثٌ ثَبَتَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رُوِيَ حَدِيثُ أَمِّ هَانِئٍ مِنْ وُجُوهٍ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا التَّسْلِيمَ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ مُفَسَّرًا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عِيَاضٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيَّ عن مخرمة بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثْنَى مَثْنَى خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَثْنَى مَثْنَى ، وَلَوْ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ النَّهَارِ احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ كَذَلِكَ أَيْضًا ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ ، وَحَسْبُكَ بِفَتْوَى ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ ، وَمَنْ رَوَى شَيْئًا سُلِّمَ لَهُ فِي تَأْوِيلِهِ ; لِأَنَّهُ شَهِدَ مَخْرَجَهُ وَفَحْوَاهُ . وَأَمَّا صَلَاةُ الضُّحَى ، وَاخْتِلَافُ الْآثَارِ فِيهَا ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ تَقَصَّيْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى سَالِمٌ ، وَنَافِعٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى ، لَمْ يَذْكُرُوا النَّهَارَ . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ ، وَمَالِكٌ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، وَبَلَاغَاتُهُ إِذَا تُفُقِّدَتْ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا صِحَاحًا ، فَحَصَلَ ابْنُ عُمَرَ مُخْتَلِفًا عَنْهُ فِي فِعْلِهِ وَفِي حَدِيثِهِ الْمَرْفُوعِ ، إِلَّا أَنَّ حَمْلَ الْمَرْفُوعِ مِنْ حَدِيثِهِ الَّذِي فِيهِ الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْأَزْدِيِّ عَنْهُ كَانَ مَذْهَبًا حسنا ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ · ص 184 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أم هانئ أَنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ · ص 132 358 ( 8 ) بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى . 329 - ذَكَرَ مَالِكٌ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . 330 - وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئِ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ : ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ . قَالَتْ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ : أُمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ : مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي ; عَلِيٌّ ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ : وَذَلِكَ ضُحًى . 8267 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي أَبِي مُرَّةَ ، أَنَّهُ مَوْلَى عَقِيلٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَلَكِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ : مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، وَاسْمُهُ يَزِيدُ . 8268 - وَاسْمُ أُمِّ هَانِئٍ فَاخِتَةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ذِكْرِهَا . 8269 - احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ : الْكُوفِيُّونَ فِي جَوَازِ صَلَاةِ النَّهَارِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ بِلَا فَصْلٍ مِنْ سَلَامٍ . 8270 - وَهَذَا الَّذِي نَزَعُوا بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . 8271 - وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عِيَاضٍ الْفِهْرِيِّ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّهُ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا . 8272 - وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . 8273 - قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ؟ فَقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيًا ، فَتَرَاهُ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهَا . 8274 - وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ وَهْبٍ هَذَا بِإِسْنَادِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ . 8275 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمَضَى تَفْسِيرُ الِالْتِفَافِ وَالِالْتِفَاعِ وَالِالْتِحَافِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ أَيْضًا . 8276 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : الِاغْتِسَالُ بِالْعَرَاءِ إِلَى سُتْرَةٍ ; لِأَنَّ اغْتِسَالَهُ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْأَبْطُحِ ، وَفِيهِ كَانَ يَوْمئِذٍ نُزُولُهُ . 8277 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْحُسَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ : أَتَانِي يَوْمَ الْفَتْحِ حَمَوَانِ لِي فَأَجَرْتُهُمَا ، فَجَاءَ عَلِيٌّ يُرِيدُ قَتْلَهُمَا ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ بِالْأَبْطُحِ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، فَوَجَدْتُ فَاطِمَةَ فَأَخْبَرْتُهَا ، فَكَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ ، فَقَالَتْ : تُؤَمِّنِينَ الْمُشْرِكِينَ وَتُجِيرِينَهُمْ . فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهَا إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى وَجْهِهِ وَهَجُ الْغُبَارِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَمَّنْتُ حَمَوَيْنِ لِي وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي عَلِيًّا يُرِيدُ قَتْلَهُمَا ، فَقَالَ : مَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ ، ثُمَّ أَمَرَ فَاطِمَةَ أَنْ تَسْكُبَ لَهُ غُسْلًا ، فَسَكَبَتْ لَهُ فِي جَفْنَةٍ إِنِّي لِأَرَى فِيهَا أَثَرَ الْعَجِينِ ، ثُمَّ سَتَرَتْ عَلَيْهِ ، فَاغْتَسَلَ ، فَقَامَ فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، لَمْ أَرَهُ صَلَّاهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ . 8278 - وَفِيهِ أَنَّ سَتْرَ ذَوِي الْمَحَارِمِ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ مُبَاحٌ حَسَنٌ . 8279 - وَفِيهِ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ يَغْتَسِلُ ، وَفِي حُكْمِ ذَلِكَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ يَتَوَضَّأُ ، وَرَدُّ الْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ السَّلَامَ فِي ذَلِكَ كَرَدِّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَلِكَ حَالَتُهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا وَلَمْ يَخُصَّ حَالًا مِنْ حَالٍ . إِلَّا حَالًا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَلَامُ . 8280 - وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ رَدَّ شَهَادَةَ الْأَعْمَى وَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُمَيِّزْ صَوْتَ أُمِّ هَانِئٍ مَعَ عِلْمِهِ بِهَا حَتَّى قَالَ لَهَا : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا أُمُّ هَانِئٍ ، فَلَمْ يَعْرِفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا وَكُلُّ مَنْ لَا يَرَى فَذَلِكَ أَحْرَى . 8281 - وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ الْحَسَنَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَطِيبِ الْكَلَامِ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ وَيُرْوَى : مَرْحَبًا يَا أُمَّ هَانِئٍ . وَالرَّحْبُ وَالتَّسْهِيلُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى فَرَحِ الْمَزُورِ بِالزَّائِرِ ، وَفَرَحِ الْمَقْصُودِ إِلَيْهِ بِالْقَاصِدِ . 8282 - وَهَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعَرَبِ ، قَالَ شَاعِرُهُمْ : فَقُلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا فَهَذَا مَبِيتٌ صَالِحٌ وَصَدِيقُ 8283 - وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ أَبْيَاتٍ حِسَانٍ لِعَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَمِعَهُ مَدَحَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بُرْدٍ ، ثُمَّ ذَمَّهُ لَمْ يَتَنَاقَضْ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا . 8284 - وَقَدْ ذَكَرْتُ الشِّعْرَ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي صَلَاةِ الثَّمَانِي رَكَعَاتٍ . 8285 - وَأَمَّا قَوْلُهَا : زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلُ رَجُلٍ أَجَرْتُهُ ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ ، فَفِيهِ : مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَسْمِيَةِ كُلِّ شَقِيقٍ بِابْنِ أُمٍّ ، دُونَ ابْنِ أَبٍ عِنْدَ الدُّعَاءِ لَهُمْ . 8286 - وَالْخَبَرُ عِنْدهُمْ يدلكَ بذلكَ عَلَى قُرْبِ الْمَحَلِّ مِنَ الْقَلْبِ ، وَالْمَنْزِلَةِ مِنَ النَّفْسِ ; إِذْ جَمِيعُهُمْ بَطْنٌ وَاحِدٌ ، وَنَحْوَ هَذَا . 8287 - وَبِهَذَا نَطَقَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حَاكِيًا عَنْ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ : يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي وَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي وَهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ . 8288 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَمَانِ الْمَرْأَةِ ، وَأَنَّهَا إِذَا أَمَّنَتْ مَنْ أَمَّنَتْ حَرُمَ قَتْلُهُ وَحُقِنَ دَمُهُ ، وَأَنَّهَا لَا فَرْقَ بَيْنَهَا فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الرَّجُلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَاتُلٌ . 8289 - وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ : مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُدَ ، وَغَيْرِهِمْ . 8290 - وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : أَمَانُ الْمَرْأَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى جَوَازِ الْإِمَامِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ ، وَإِنْ رَدَّهُ رُدَّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُقَاتِلُ وَلَا مِمَّنْ لَهَا سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ . 8291 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ ، بِأَنَّ أَمَانَ أُمِّ هَانِئٍ لَوْ كَانَ جَائِزًا عَلَى كُلِّ حَالٍ دُونَ إِذْنِ الْإِمَامِ ، مَا كَانَ عَلِيٌّ لِيُرِيدَ قَتْلَ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ ; لِأَمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ . فَلَوْ كَانَ أَمَانُهَا جَائِزًا لَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ أَمَّنْتِهِ أَنْتِ أَوْ غَيْرُكِ ، فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا : قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ وَأَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَمَانَ الْمَرْأَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْإِمَامِ أَوْ رَدِّهِ . 8292 - وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، بِأَنَّ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِلْمِ دِينِهِ . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : بُعِثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ . 8293 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ ، أَيْ فِي حُكْمِنَا وَسُنَّتِنَا إِجَارَةُ مَنْ أَجَرْتِهِ أَنْتَ وَمِثْلُكِ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ لَهَا : أَوْ مِثْلُكِ مِنَ النِّسَاءِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وَأَرَادَ تَطْيِيبَ نَفْسِهَا بِإِسْعَافِهَا فِي رَغْبَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَادَفَتْ حُكْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ . 8294 - وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ . 8295 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ : يُرِيدُ أَنَّ شَرِيفَهُمْ يُقْتَلُ بِوَضِيعِهِمْ إِذَا شَمِلَهُمُ الْإِسْلَامُ ، وَجَمَعَهُمُ الْإِيمَانُ وَالْحُرِّيَّةُ . 8296 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ; لِقَوْلِهِ : الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ . لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ . 8297 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَمَّنَ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ أَحَدًا جَازَ أَمَانُهُ دَنِيئًا كَانَ أَوْ شَرِيفًا ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً ، عَبْدَا كَانَ أَوْ حُرًّا ، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُجِزْ أَمَانَ الْمَرْأَةِ وَأَمَانَ الْعَبْدِ . 8298 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ يُرِيدُ السَّرِيَّةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْعَسْكَرِ فَغَنِمَتْ ، أَبْعَدَتْ فِي خُرُوجِهَا فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ تَبْعُدْ تَرُدُّ مَا غَنِمَتْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْعَسْكَرِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ ; لِأَنَّ بِهِ وَصَلَتْ إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ . 8299 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إِذَا نَزَلُوا بِمَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْمُسْلِمِينَ ، فَوَاجِبٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى الْكُفَّارِ ; حَتَّى يَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً عَلَى مُدَافَعَتِهِمْ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُدَافَعَتُهُمْ نَدْبًا وَفَضْلًا لَا وَاجِبَ فَرْضٍ . 8300 - وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ أَمَانِ الْمَرْأَةِ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ . . . . . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَفِيهِ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي أَجَرْتُ حَمَوَيْنِ لِي ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي عَلِيًّا أَرَادَ قَتْلَهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ . وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 8301 - وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ . 8302 - وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ جَارَتْ عَلَيْهِمْ جَارِيَةٌ فَلَا تُخْفِرُوهَا ، فَإِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 8303 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّمْهِيدِ . 8304 - وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ . 8305 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ . 8306 - وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَدِيثَ . 8307 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : أَمَانُهُ جَائِزٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ . 8308 - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . 8309 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَمَانُهُ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ . 8310 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ . 8311 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ . 8312 - وَالْحُجَّةُ فِيمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أَوْرَدْنَا فِي هَذَا الْبَابِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 8313 - وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ هَانِئٍ فِي الْحَدِيثِ : وَذَلِكَ ضُحًى فَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى . وَلَيْسَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب صَلَاةِ الضُّحَى · ص 522 8 - بَاب صَلَاةِ الضُّحَى 356 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . 8 - بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى 358 356 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ ) الدِّيلِيِّ بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَوْلَاهُمْ أَبي عُرْوَةَ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ ، كَانَ مَالِكٌ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَصِفُهُ بِالْفَضْلِ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِي مُرَّةَ ) اسْمُهُ يَزِيدُ بِتَحْتِيَّةٍ وَزَايٍ ، وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ الثِّقَةُ مِنْ رِجَالِ الْجَمِيعِ ( مَوْلَى عَقِيلِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ) الصَّحَابِيِّ الشَّهِيرِ ، وَيُقَالُ مَوْلَى أُخْتِهِ أُمِّ هَانِئٍ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَهُ فِي التَّمْهِيدِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ حَقِيقَةً ، وَنُسِبَ إِلَى وَلَاءَ عَقِيلٌ مَجَازًا بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ لِأَنَّهُ أَخُوهَا أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مُلَازَمَةَ عَقِيلٍ . ( أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ) بِكَسْرِ النُّونِ فَهَمْزَةٍ ( بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ ) الْهَاشِمِيَّةَ اسْمُهَا فَاخِتَةُ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَقِيلَ فَاطِمَةُ ، وَقِيلَ هِنْدُ صَحَابِيَّةٌ لَهَا أَحَادِيثُ مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . ( أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَامَ الْفَتْحِ ) بِمَكَّةَ ( ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مَفْعُولُ صَلَّى ( مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ) ، وَذَلِكَ ضُحًى كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُ .