401 حَدِيثٌ تَاسِعٌ وَثَلَاثُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . هَذَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا سَبِيلَ إِلَى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ، وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْوَرَّاقُ ، أَخْبَرَنَا الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ، فَقَالَ : كَانَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، قُلْتُ لَهُ : إِنَّ إِنْسَانًا قَالَ لِي : هُوَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرَاهُمْ كَمَا يَنْظُرُ الْإِمَامُ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إِنْكَارًا شَدِيدًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ وَحُمَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى وَأَبُو بَكْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ : رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ ، قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي السَّاجِدِينَ فِي الْمُصَلِّينِ ، قَالَ : وَقَالَ عِكْرِمَةُ : قَائِمًا ، وَرَاكِعًا ، وَسَاجِدًا ، وَجَالِسًا . وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ ، فَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ ، وَأَحْسِنُوا رُكُوعَكُمْ وَسُجُودَكُمْ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ · ص 346 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي · ص 271 401 374 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ فَوَاللَّهِ ، مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . 8954 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : دَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالُوا : كَيْفَ تَقْبَلُونَ مِثْلَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ ضِدَّهُ ؟ 8955 - فَذَكَرُوا حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ إِذْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : أَيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَالَ : أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ . 8956 - وَذَكَرُوا حَدِيثَ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ الصَّفَّ ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ . . . الْحَدِيثَ . 8957 - وَذَكَرُوا مِثْلَ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَالُوا : أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْلَمْ مَنِ الرَّاكِعُ دُونَ الصَّفِّ حَتَّى اسْتَعْلَمَ ، وَلَا وَمَنِ الْمُتَكَلِّمُ . 8958 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَالْجَوَابُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ فَضَائِلُهُ تَزِيدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَى أَنْ مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 8959 - أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا ، وَكُنْتُ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا . 8960 - وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى . 8961 - وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ، فَقَالَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ . 8962 - وَقَالَ لَهُ آخَرُ : يَا سَيِّدُ ابْنُ السَّادَةِ أَوْ يَا شَرِيفُ ابْنُ الشُّرَفَاءِ فَقَالَ : ذَاكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ . 8963 - وَذَلِكَ قَوْلُهُ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةُ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَلَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَفِيهَا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَلَمْ يُغْفَرْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ قَالَ حِينَئِذٍ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ . 8964 - وَحِينَئِذٍ قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . 8965 - فَكَانَتْ فَضَائِلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ . 8966 - وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ أَنَّ أَرَى هُنَا بِمَعْنَى أَعْلَمُ ، كَمَا قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَ أَعْمَى - إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ . 8967 - وَأَرَى بِمَعْنَى أَعْلَمُ ، مَعْلُومٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ أَرَاكُمْ : أَعْلَمُ خُشُوعَكُمْ وَتَمَامَ رُكُوعِكُمْ بِمَا يَخْفَى عَنْكُمْ وَيُلْقِي اللَّهُ فِي قَلْبِي مَعْرِفَةَ أَحْوَالِكُمْ . 8968 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ دَعْوَى فِيهَا تَحْدِيدٌ لِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ ، وَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ كَسَائِرِ مَا أُعْطِيهِ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ ، فَيَكُونُ قَوْلُنَا عَلَى ظَاهِرِ مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ إِلَى كَيْفِيَّتِهِ وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ . 8969 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : قَوْلُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي فَقَالَ : كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ . 8970 - قُلْتُ لَهُ : إِنَّ إِنْسَانًا هُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرَاهُمْ كَمَا يَنْظُرُ الْإِمَامُ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إِنْكَارًا شَدِيدًا . 8971 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَصَحِيحُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ . 8972 - وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ دَاوُدَ ، وَحُمَيْدٌ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَرَى مَنْ خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَرَى مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ . 8973 - وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ . 8974 - وَخَالَفَ مُجَاهِدٌ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ . 8975 - وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 8976 - وَذَكَرَ سُنَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ وَرَائِي كَمَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ أَمَامِي ; فَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ ، وَأَحْسِنُوا رُكُوعَكُمْ وَسُجُودَكُمْ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي جَامِعِ الصَّلَاةِ · ص 575 401 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . 401 401 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَرَوْنَ ) بِفَتْحِ التَّاءِ ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ ، أَيْ أَتَظُنُّونَ ( قِبْلَتِي ) أَيْ مُقَابَلَتِي وَمُوَاجَهَتِي ( هَاهُنَا ) فَقَطْ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ شَيْئًا اسْتَدْبَرَ مَا وَرَاءَهُ ، فَبَيَّنَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ لَا تَخْتَصُّ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ ( فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوُعُكُمْ ) أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السُّجُودَ لِأَنَّ فِيهِ غَايَةُ الْخُشُوعِ ، وَصُرِّحَ بِالسُّجُودِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ : ( وَلَا رُكُوعُكُمْ ) مِنَ الْأَخَصِّ بَعْدَ الْأَعَمِّ إِمَّا لِأَنَّ التَّقْصِيرَ فِيهِ كَانَ أَكْثَرَ أَوْ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِتَمَامِهَا بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ ( إِنِّي لَأَرَاكُمْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَدَلٌ مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ وَهُوَ مَا يَخْفَى أَوْ بَيَانٌ لَهُ ( مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ) رُؤْيَةٌ حَقِيقِيَّةٌ اخْتَصَّ بِهَا عَلَيْكُمْ وَهُوَ تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ لَمَّا رَآهُمْ يَلْتَفِتُونَ وَهُوَ مُنَافٍ لِكَمَالِ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا لَا وَاجِبًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : لَا يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا سَهَا عَنْهُ . وَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ ، ثُمَّ الْخُشُوعُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ كَالْخَشْيَةِ وَتَارَةً مِنْ فِعْلِ الْبَدَنِ كَالسُّكُونِ ، وَقِيلَ : لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِمَا ، حَكَاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالنَّفْسِ يَظْهَرُ عَنْهُ سُكُونٌ فِي الْأَطْرَافِ يُلَائِمُ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ حَدِيثُ عَلِيٍّ : الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ : لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الرُّؤْيَةِ فَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ إِمَّا بِأَنْ يُوحَى إِلَيْهِ كَيْفِيَّةَ فِعْلِهِمْ وَإِمَّا بِأَنْ يُلْهَمَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الْعِلْمُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ عَنْ يَسَارِهِ مِمَّنْ تُدْرِكُهُ عَيْنُهُ مَعَ الْتِفَاتٍ يَسِيرٍ نَادِرٍ ، أَوْ يُوصَفُ مَنْ هُنَاكَ بِأَنَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ التَّكَلُّفِ وَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا دَلِيلٍ ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ هَذَا الْإِبْصَارَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ خَاصٌّ بِهِ انْخَرَقَتْ لَهُ فِيهِ الْعَادَةُ ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِرُؤْيَةِ عَيْنٍ انْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَةُ فِيهِ فَكَانَ يَرَى مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَقْلًا عُضْوٌ مَخْصُوصٌ وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ ، وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا عَقْلًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَةِ ، وَقِيلَ : كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ خَلْفَ ظَهْرِهِ يَرَى بِهَا مَنْ وَرَاءَهُ دَائِمًا ، وَقِيلَ : كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلَ سَمِّ الْخِيَاطِ يُبْصِرُ بِهِمَا لَا يَحْجُبُهُمَا ثَوْبٌ وَلَا غَيْرُهُ ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَتْ صُوَرُهُمْ تَنْطَبِعُ فِي حَائِطِ قِبْلَتِهِ كَمَا تَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ فَتَرَى أَمْثِلَتَهُمْ فِيهَا فَيُشَاهِدُ أَفْعَالَهُمْ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَحَكَى بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبْصِرُ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يُبْصِرُ فِي الضَّوْءِ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ تَخْصِيصُهُ بِالصَّلَاةِ بِأَنَّ جَمْعًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ صَرَّحَ بِالْعُمُومِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُبْصِرُ مَنْ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : دَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ هَذَا قَالُوا : كَيْفَ يُقْبَلُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّكُمُ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا ، فَقَالَ : زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ ، وَسَمِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَقَالَ : مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ؟ الْحَدِيثَ ، إِذْ لَوْ كَانَ يَرَى مَا سَأَلَ . وَالْجَوَابُ أَنَّ فَضَائِلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ تَزِيدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا ، وَكُنْتُ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا ، وَقَالَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ . وَقِيلَ لَهُ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ، قَالَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى نَزَلَ : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ( سُورَةُ الْفَتْحِ : الْآيَةُ 2 ) وَلَمْ يَغْفِرْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مَا تَأَخَّرَ مِنْ ذَنْبِهِ ، قَالَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ . وَفِي أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ مُسْلِمٍ : فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا سُجُودُكُمْ .