455 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَثَلَاثُونَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ : إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ . لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى لَفْظِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَسَلِيمُ بْنُ بِلَالٍ . ذَكَرَهُ الْمَرْوَزِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، وعن القعنبي ، عَنْ سُلَيْمَانَ : كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا ، مِثْلُ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً لَا زِيَادَةً . وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ ، فَقَالُوا فِيهِ : عَلَى لَبِنَتَيْنِ يَقْضِي حَاجَتَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ ، وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِيهِ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ : لَا تُسْتَقْبَلُ الْكَعْبَةُ وَلَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْعُلَمَاءِ : ابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ إِسْحَاقَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ · ص 302 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ · ص 172 455 430 - وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ فِيهِ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ . 10065 - وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَعْنَاهُ . 10066 - وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ فِيهِ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ . 10067 - وَقَالَ فِيهِ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْقِبْلَةِ لَمْ يَقُلِ : الْكَعْبَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ . 10068 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا : إِنَّمَا نُسِخَ فِيهِ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِدْبَارَهُ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ . 10069 - قَالَ : هَذَا الَّذِي لَا أَشُكُّ فِيهِ ، وَأَنَا أَشُكُّ فِي الْكَعْبَةِ . 10070 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ لَا مَدْفَعَ لِأَحَدٍ فِي نَقْلِهِ وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الصَّحَارِي لَا الْبُيُوتُ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِنَّمَا ذُكِرَ فِي وَقْتِ كَوْنِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قِبْلَةً ، فَالْقِبْلَةُ : الْبَيْتُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ ، فَكَيْفَ وُفِي نَقْلِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظُ : مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا . 10071 - وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَوْمًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ فَقَالَ : فَعَلُوهَا اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدِي الْقِبْلَةَ . 10072 - وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ خُصُوصِ الْبُيُوتِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقَاعِدَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْبُيُوتِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّحَارِي عَلَيْهَا حَرَجُ النَّهْيِ خَاصَّةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 10073 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا فِي التَّمْهِيدِ . 10074 - وَقَدْ رَوَى مَرْوَانُ الْأَصْفَرُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَآهُ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا ; فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ وَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بِأْسَ . 10075 - وَرَوَى وَكِيعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى الْخَيَّاطِ ، وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَنِيفِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ . 10076 - فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَصَدَقَ ابْنُ عُمَرَ ، قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْكَنِيفِ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَأَمَّا كُنُفُكُمْ هَذِهِ فَلَا قِبْلَةَ لَهَا . 10077 - هَذَا حَدِيثُ وَكِيعٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى الْحَنَّاطِ . 10078 - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مِنْهُمْ دَاوُدُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ : جَائِزٌ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الصَّحَارِي وَالْبُيُوتِ . 10079 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ . قَالَ : ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِبَوْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ . 10080 - وَقَدْ ذَكَرْتُ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 10081 - قَالُوا : فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ نَهْيَهُ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخٌ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَتَعَارَضَ فَتَسْقُطَ ، وَأَصْلُ الْأُمُورِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَظْرُ بِمَا لَا مُعَارِضَ لَهُ . 10082 - هَذَا مَا نَزَعَ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ دَاوُدَ ، وَلَيْسَ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي عَوَّلُوا عَلَيْهِ فِي النَّسْخِ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ وَلَا مِمَّا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 10083 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 10084 - وَكَانَ مُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُونَ أَنْ تُسْتَدْبَرَ إِحْدَى الْقِبْلَتَيْنِ أَوْ تُسْتَقْبَلَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ : الْكَعْبَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ . 10085 - وَهَؤُلَاءِ غَابَ عَنْهُمْ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَهُ غَيْرُهُمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 10086 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ إِنَّمَا عَنَى بِهِ الصَّحَارِي وَالْفَضَاءَ وَالْفَيَافِي دُونَ كُنُفِ الْبُيُوتِ . 10087 - قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدٍ الْقِبْلَةَ ، وَالْمَقْعَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْبُيُوتِ . 10088 - وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ ، رَآهُ عَلَى سَطْحٍ أَشْرَفَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَرَآهُ عَلَى لَبِنَتَيْنِ يَقْضِي حَاجَتَهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ . 10089 - وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مُتَبَرَّزَ الْقَوْمِ إِنَّمَا كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الصَّحْرَاءِ وَخَارِجًا مِنَ الْبُيُوتِ . 10090 - أَلَا تَرَى أَنَّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ( رَحِمَهَا اللَّهُ ) : وَكَانَتْ بُيُوتُنَا لَا مَرَاحِيضَ لَهَا وَإِنَّمَا أَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ تَعْنِي الْبُعْدَ فِي الْبِرَازِ . 10091 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الصَّحَارِي ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي فِي الصَّحَارِي . 10092 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَابِيسِ فَهِيَ الْمَرَاحِيضُ ، وَاحِدُهَا كِرْبَاسٌ ، مِثْلَ سِرْبَالٌ وَسَرَابِيلٌ . 10093 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْكَرَابِيسَ مَرَاحِيضُ الْعَرَبِ وَأَمَّا مَرَاحِيضُ الْبُيُوتِ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا الْكُنُفُ . 10094 - وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِفَرْجِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُبُلَ يُسَمَّى فَرْجًا وَأَنَّ الدُّبُرَ أَيْضًا يُسَمَّى فَرْجًا . 10095 - وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوُا الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ فِي مَسِّ الدُّبُرِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 10096 - وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ : إِنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ لَفْظُ الْفَرْجِ الْوَجْهَيْنِ كَانَ الْمُبَيِّنُ لِلْمُرَادِ مِنْهُ وَالْقَاضِي فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَّ ذَكَرِهِ . 10097 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ فَإِنَّهُ يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ لَاصِقًا بِهَا . 10098 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيمَا يُجْزِئُ مِنَ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 10099 - ( مِنْهَا ) حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ نافع ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ وَعَلَّمَهُ الْفَرَائِضَ فِيهَا : ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا . . . الْحَدِيثَ . 10100 - وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي وَصْفِهِ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَكَانَ يَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ أَوْهَمَ . 10101 - وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ أَيْضًا ، قَالَ : رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ ، فَكَانَ قِيَامُهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرُكُوعُهُ وَقِيَامُهُ مِنَ السُّجُودِ وَسُجُودُهُ سَوَاءً أَوْ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ . 10102 - أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . 10103 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو النَّمَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ رَجُلٍ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ · ص 658 2 - بَاب الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ 457 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ ، قَالَ : قُلْتُ : لَا أَدْرِي وَاللَّهِ . قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ . 2 - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ الرُّخْصَةُ ؛ شَرْعًا : الْإِبَاحَةُ لِلضَّرُورَةِ ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي إِبَاحَةِ نَوْعٍ مِنْ جِنْسٍ مَمْنُوعٍ ، فَالرُّخْصَةُ هُنَا تَنَاوَلَتْ بَعْضَ أَحْوَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وهي مَا إِذَا كَانُوا فِي الْبُيُوتِ . 455 457 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ( عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ) وَالثَّلَاثَةُ مَدَنِيُّونَ أَنْصَارِيُّونَ تَابِعِيُّونَ لَكِنْ قِيلَ : لِوَاسِعٍ رُؤْيَةٌ ، فَلِذَا ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ، وَأَبَوْهُ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ) أَيِ : ابْنَ عُمَرَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ : زَعْمُ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى وَاسِعٍ وَهْمٌ ( كَانَ يَقُولُ : إِنَّ أُنَاسًا ) كَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَرَى بِعُمُومِ النَّهْيِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا ( يَقُولُونَ : إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ ) كِنَايَةً عَنِ التَّبَرُّزِ وَنَحْوِهِ ، وَذَكَرَ الْقُعُودَ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَإِلَّا فَحَالُ الْقِيَامِ كَذَلِكَ . ( فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ مُخَفَّفًا ، وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَشَدِّ الدَّالِ مَفْتُوحَةً ، وَ بَيْتَ نُصِبَ عَطْفًا عَلَى الْقِبْلَةِ ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) لَيْسَ جَوَابًا لِوَاسِعٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْرَدَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ مُنْكَرًا لَهُ ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ إِنْكَارِهِ بِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلِذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّنِّيسِيِّ ؛ فَقَالَ بِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ : فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَقَدِ ارْتَقَيْتُ . . . إِلَخْ ، لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ وَاسِعٌ أَرَادَ التَّأْكِيدَ بِإِعَادَةِ قَوْلِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ( لَقَدِ ارْتَقَيْتُ ) أَيْ : صَعِدْتُ ، وَاللَّامُ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ( عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ يَحْيَى : عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ ؛ أَيْ : أُخْتِهِ ، كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ : دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَصَعِدْتُ ظَهْرَ الْبَيْتِ ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ حَيْثُ أَضَافَهُ إِلَيْهِ مَجَازًا ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ ، وَحَيْثُ أَضَافَهُ إِلَيْهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْبَيْتُ الَّذِي أَسْكَنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهَا إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَوَرِثَ عَنْهَا ، وَحَيْثُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ كَأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ حَفْصَةَ دُونَ إِخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا شَقِيقَتُهُ وَلَمْ تَتْرُكْ مَنْ يَحْجُبُهُ مِنْ الِاسْتِيعَابِ . ( فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ النُّونِ ؛ تَثْنِيَةَ لَبِنَةٍ ، وَهِيَ مَا يُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْبِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحْرَقَ ( مُسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ) أَيْ : لِأَجْلِ حَاجَتِهِ ، أَوْ وَقْتَ حَاجَتِهِ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ : فَأَشْرَفْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى خَلَائِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَرَأَيْتُهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ مَحْجُوبًا عَلَيْهِ بِلَبِنَتَيْنِ . وَلِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ : فَرَأَيْتُهُ فِي كَنِيفٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ النُّونِ فَتَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ ، وَانْتَفَى بِهَذَا إِيرَادُ مَنْ قَالَ مِمَّنْ يَرَى الْجَوَازَ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْفَضَاءِ ، وَكَوْنُهُ عَلَى لَبِنَتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْبِنَاءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَيْهِمَا لِيَرْتَفِعَ عَنِ الْأَرْضِ بِهِمَا ، وَيُرَدُّ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى الْمَنْعَ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي الْفَضَاءِ إِلَّا بِسَاتِرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَمْ يَقْصِدِ ابْنُ عُمَرَ الْإِشْرَافَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَإِنَّمَا صَعِدَ السَّطْحَ لِضَرُورَةٍ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : ارْتَقَيْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي ، فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْهُ ، فَلَمَّا اتَّفَقَتْ لَهُ رُؤْيَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِلَا قَصْدٍ أَحَبَّ أَنْ لَا يَخْلَى ذَلِكَ مِنْ فَائِدَةٍ فَحَفِظَ هَذَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ ، وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا رَآهُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهِ حَتَّى صَاغَ لَهُ تَأَمُّلَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ شِدَّةُ حِرْصِهِ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَتَّبِعَهَا ، وَكَذَا كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . ( ثُمَّ قَالَ ) ابْنُ عُمَرَ ( لَعَلَّكَ ) الْخِطَابُ لِوَاسِعٍ ، وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، ( مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ قَالَ ) وَاسِعٌ ( قُلْتُ : لَا أَدْرِي وَاللَّهِ ) أَنَا مِنْهُمْ أَمْ لَا ( قَالَ مَالِكٌ ) مُفَسِّرُ الْقَوْلَ يُصَلُّونَ . . . إِلَخْ ( يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ ) وَهُوَ خِلَافُ هَيْئَةِ السُّجُودِ الْمَشْرُوعَةِ ؛ وَهِيَ مُجَافَاةُ بَطْنِهِ عَنْ وِرْكَيْهِ وَالتَّجَنُّحُ تَجَنُّحًا وَسَطًا ، وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا مَعَ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ ، وَأَجَابَ الِكْرِمَانِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ ، إِذْ لَوْ عَرَفَهَا لَعَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ ، أَوِ الْفَرْقَ بَيْنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَنَّى عَنْ مَنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ بِالَّذِي يُصَلِّي عَلَى وِرْكَيْهِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ أَنَّ وَاسِعًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَتَّى يَنْسُبَهُ إِلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهَا ، ثُمَّ الْحَصْرُ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْجُدُ عَلَى وِرْكَيْهِ مَنْ يَعْلَمُ سُنَنَ الْخَلَاءِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ مُسْلِمٍ فَأَوَّلَهُ عِنْدَهُ عَنْ وَاسِعٍ قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّيَ الْأَيْسَرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَقُولُ نَاسٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَأَى مِنْهُ فِي حَالِ سُجُودِهِ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ عِنْدَهُ فَقَدَّمَهَا عَلَى ذَلِكَ لِلْأَمْرِ الْمَظْنُونِ ، وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ قَرِيب عَهِد بِقَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ مَا نَقَلَ ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعَرِّفَهُ هَذَا الْحُكْمَ لِيَنْقِلَهُ عَنْهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِبْدَاءُ مُنَاسِبَةٍ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا ، فَإِنَّ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى تَعَلُّقًا بِأَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ الَّذِي كَانَ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بَطْنَهُ بِوِرْكَيْهِ كَانَ يَظُنُّ امْتِنَاعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِفَرْجِهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَأَحْوَالُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةٌ : قِيَامٌ ، وَرُكُوعٌ ، وَسُجُودٌ ، وَقُعُودٌ ، وَانْضِمَامُ الْفَرْجِ فِيهَا بَيْنَ الْوِرْكَيْنِ مُمْكِنٌ ، إِلَّا إِذَا جَاءَ فِي السُّجُودِ ، فَرَأَى أَنَّ فِي الْإِلْصَاقِ ضَمًّا لِلْفَرْجِ فَفَعَلَهُ ابْتِدَاعًا وَتَنَطُّعًا . وَالسُّنَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَالسِّتْرُ بِالثِّيَابِ كَافٍ فِي ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الْجِدَارَ كَافٍ فِي كَوْنِهِ حَائِلًا بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَالْقِبْلَةِ إِنْ قُلْنَا : إِنَّ مَثَارَ النَّهْيِ الِاسْتِقْبَالُ بِالْعَوْرَةِ ، فَلَمَّا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ التَّابِعِيَّ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَشَارَ لَهُ بِالْحُكْمِ الثَّانِي مُنَبِّهًا لَهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي رَآهُ صَلَّاهَا . وَقَوْلُ وَاسِعٍ ( لَا أَدْرِي ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شُعُورَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ظَنَّهُ بِهِ ، وَلِذَا لَمْ يُغْلِظْ لَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي الزَّجْرِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ فِي الْأَبْنِيَةِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْبَالِهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ جَابِرٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَانَا أَنْ نَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ أَوْ نَسْتَقْبِلَهَا بِفُرُوجِنَا إِذَا أَهْرَقْنَا الْمَاءَ ثُمَّ رَأَيْتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لِحَدِيثِ النَّهْيِ خِلَافًا لِزَاعِمِهِ ، بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ فِي بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُبَالَغَتِهِ فِي السِّتْرِ ، وَرُؤْيَةُ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ لَهُ كَانَتْ بِلَا قَصْدٍ ، وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ؛ إِذِ الْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَوْلَا حَدِيثُ جَابِرٍ لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ لَا يَخُصُّ مِنْ عُمُومِهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا الِاسْتِدْبَارَ فَقَطْ ، وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ الِاسْتِقْبَالِ بِهِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فَقَالُوا : يَجُوزُ الِاسْتِدْبَارُ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ . وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا ؛ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ لِإِعْمَالِهِ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ . وَقَالَ قَوْمٌ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَرَجَّحَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَمِنَ الظَّاهِرِيَّةِ ابْنُ حَزْمٍ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ النَّهْيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَلَمْ يُصَحِّحُوا حَدِيثَ جَابِرٍ ، وَقَالَ قَوْمٌ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَدَاوُدَ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فَرَجَعَ إِلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ . وَقِيلَ : يَجُورُ الِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ فَقَطْ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ . وَقِيلَ : يَحْرُمُ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِحَدِيثِ مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ عَلَى سَمْتِهَا ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِدْبَارَهُمُ الْكَعْبَةَ ، فَالْعِلَّةُ اسْتِدْبَارُهَا لَا اسْتِقْبَالُهُ . وَقِيلَ : يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ عَلَى سَمْتِهَا ، فَأَمَّا مَنْ قِبْلَتُهُ فِي الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ فَيَجُوزُ لَهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ : شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا انْتَهَى . قَالَ الْبَاجِيُّ : أَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ : رَأَيْتُهُ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَ بِالْمَدِينَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَدِ اسْتَدْبَرَ مَكَّةَ فَرَاعَى مَالِكٌ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ فِي التَّرْجَمَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةً ؛ فَإِنْ نُسِخَتِ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا فَسَائِرُ أَحْكَامِهَا وَحَرَمِهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ النَّسْخِ ، وَقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبَالِهَا وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْهَى عَنِ اسْتِقْبَالِهِ حِينَ كَانَ قَبْلَهُ ثُمَّ نَهَى عَنِ اسْتِقْبَالِهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ .