569 حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٌ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَحُمَيْدٌ ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ ، فَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَالزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ يُونُسُ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ كُلَّهَا صِحَاحٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَحْفُوظَةٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ شَيْخُ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَالْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا إِلَى هَهُنَا انْتَهَى حَدِيثُهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ قَوْلَهُ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَزَادَ فِيهِ وَيُمَجِّسَانِهِ وَهَكَذَا رِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهَا قَوْلُهُ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : كُلُّ مَوْلُودٍ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ . قَالُوا : وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ هَوَّدَاهُ أَوْ نَصَّرَاهُ أَوْ مَجَّسَاهُ ، قَالُوا : وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَوْلُودِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ أَجْمَعِينَ يُولَدُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْلُودَ عَلَى الْفِطْرَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُكَفِّرَانِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُولَدْ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي صِغَرِهِ ، إِنْ كَانَا يَهُودِيَّيْنِ فَهُوَ يَهُودِيٌّ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ أَوْ مَجُوسِيَّيْنِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ وَيَبْلُغَ الْحِنْثَ ، فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ حِينَئِذٍ لَا حُكْمَ أَبَوَيْهِ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طَبَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ طَبَعَهُ كَافِرًا ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمَوْتِ الْمَكِّيَّ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ بِنَهَارٍ ، ثُمَّ قَامَ وَخَطَبَنَا إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَ بِهِ ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ، وَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا أَنْ قَالَ : أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ ، وَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا أَنْ قَالَ : أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ إِذَا عَلِمَهُ ، فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ : قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا فَهِبْنَا ، وَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا أَنْ قَالَ : أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، وَلَا غَدْرَ أَعْظَمُ مِنْ غَدْرِ إِمَامِ عَامَّةٍ ، وَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا أَنْ قَالَ : أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ شَتَّى مِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الْقَضَاءِ حَسَنُ الطَّلَبِ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . قَالُوا : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعَ الْحَدِيثِ فِي غُلَامِ الْخَضِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَوْلُودٍ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ أَوْ نَصْرَانِيَّانِ ، فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَأَلْفَاظُ الْحُفَّاظِ عَلَى نَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا ، وَدَفَعُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالُوا : وَلَوْ صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ مَا كَانَ فِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ الْخُصُوصَ جَائِزٌ دُخُولُهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَمْ تُدَمِّرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَقَوْلِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ . وَذَكَرُوا مِنْ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَذَلِكَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ ، وَهَكَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعْمَرٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، أَعْنِي قَوْلَهُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيثَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيثَ كَلَفْظِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ سَوَاءً إِلَّا قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدِيثُ الرُّؤْيَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ هَذَا لَفْظُهُ ، وَرَوَى أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ حَدِيثَ الرُّؤْيَا ، وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَبَدًا ، وَأَبَوَاهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى كَمَا وَصَفْنَا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالَ : أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ بَنَى آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ سَوَاءً ، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى فِطْرَةٍ ، ثُمَّ قَرَأَ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدِيثُ الرُّؤْيَا ، فِيهِ : وَالشَّيْخُ الَّذِي فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَالْوِلْدَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ ، قَالُوا : فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ أَلْفَاظُهَا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ لَيْسَ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يُهَوِّدَانِ وَلَا يُنَصِّرَانِ إِلَّا مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ مِنْ أَوْلَادِهِمَا ، بَلِ الْجَمِيعُ يُولَدُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا ، وَاضْطَرَبُوا فِي مَعْنَاهَا ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ مُتَبَايِنَةً ، وَنَزَعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ آيَةٍ وَنَصِّ سُنَّةٍ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَنُوَضِّحُهُ ، وَنَذْكُرُ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ وَالِاعْتِلَالِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِعَوْنِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَدْ سَأَلَ أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْفَقِيهُ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَمَا أَجَابَهُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ : كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يُفَسِّرُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ لَمْ يَزِدْ عَلَى تِلْكَ عَنْهُمَا وَلَا عَنْ غَيْرِهِمَا . فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَقْنَحٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَلَا شَرْحٌ مُوعَبٌ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ ، وَلَكِنَّهَا جُمْلَةٌ تُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوفِ عَنِ الْقَطْعِ فِيهِمْ بِكُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ مَا لَمْ يَبْلُغُوا . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَظُنُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ فِيهِ إِمَّا لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ ، أَوْ لِكَرَاهِيَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهِ : إِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَالُ قَوْمٍ بَالَغُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَوَلَيْسَ إِنَّمَا هُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَيُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ ، وَيُهَوِّدُهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ ، وَالسَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَحْنَفِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ بَصْرِيٌّ صَحِيحٌ ، وَرَوَى عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَنَادَاهُ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ : أُرِيدَ بِالْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ ، يُرِيدُ خِلْقَةً مُخَالِفَةً لِخِلْقَةِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِخِلْقَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ وَالْفَاطِرَ الْخَالِقُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَعْنِي : خَالِقُهُنَّ ، وَبِقَوْلِهِ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي يَعْنِي : خَلَقَنِي ، وَبِقَوْلِهِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ يَعْنِي : خَلَقَهُنَّ ، قَالُوا : فَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ ، وَالْفَاطِرُ الْخَالِقُ . وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ يُفْطَرُ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ أَوْ إِنْكَارٍ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَى السَّلَامَةِ فِي الْأَغْلَبِ خِلْقَةً ، وَطَبْعًا ، وَبِنْيَةً لَيْسَ مَعَهَا إِيمَانٌ وَلَا كُفْرٌ ، وَلَا إِنْكَارٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ ، ثُمَّ يَعْتَقِدُونَ الْكُفْرَ أَوِ الْإِيمَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِذَا مَيَّزُوا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ يَعْنِي سَالِمَةً ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ، يَعْنِي مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ ، فَمَثَّلَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بِالْبَهَائِمِ ; لِأَنَّهَا تُولَدُ كَامِلَةَ الْخَلْقِ لَيْسَ فِيهَا نُقْصَانٌ ثُمَّ تُقْطَعُ آذَانُهَا بَعْدُ وَأُنُوفُهَا ، فَيُقَالُ : هَذِهِ بِحَائِرُ ، وَهَذِهِ سَوَائِبُ ، يَقُولُ : فَكَذَلِكَ قُلُوبُ الْأَطْفَالِ فِي حِينِ وِلَادَتِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ كُفْرٌ حِينَئِذٍ وَلَا إِيمَانٌ ، وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا إِنْكَارٌ ، كَالْبَهَائِمِ السَّالِمَةِ ، فَلَمَّا بَلَغُوا اسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ ، فَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ ، وَعَصَمَ اللَّهُ أَقَلَّهُمْ ، قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الْأَطْفَالُ قَدْ فُطِرُوا عَلَى شَيْءٍ عَلَى الْكُفْرِ أَوِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِيَّةِ أَمْرِهِمْ مَا انْتَقَلُوا عَنْهُ أَبَدًا ، وَقَدْ نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ ، قَالُوا : وَيَسْتَحِيلُ فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ فِي حِينِ وِلَادَتِهِ يَعْقِلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ فِي حَالٍ لَا يَفْقَهُونَ مَعَهَا شَيْئًا ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا فَمَنْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا اسْتَحَالَ مِنْهُ كُفْرٌ أَوْ إِيمَانٌ أَوْ مَعْرِفَةٌ أَوْ إِنْكَارٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ النَّاسُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلَامَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ - يَعْنِي عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَلَامَةٍ - وَالْحَنِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَقِيمُ السَّالِمُ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْأَعْرَجِ : أَحْنَفُ عَلَى جِهَةِ الْفَأْلِ ، كَمَا قِيلَ لِلْقَفْرِ مَفَازَةٌ ، فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ الَّذِينَ خُلِّصُوا مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَالزِّيَادَاتِ ، وَمِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ ، فَلَا طَاعَةَ مِنْهُمْ وَلَا مَعْصِيَةَ إِذَا لَمْ يَعْمَلُوا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ مُوسَى فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغِ الْعَمَلَ فَيَكْسِبَ الذُّنُوبَ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَقْتَ الْعَمَلِ لَمْ يَرْتَهِنْ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْقَوَدِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَالْحُدُودِ ، وَالْآثَامِ عَنْهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَانَتِ الْآخِرَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ فَالْبَهِيمَةُ الْجَمْعَاءُ : الْمُجْتَمِعَةُ الْخَلْقِ التَّامَّةُ غَيْرُ النَّاقِصَةِ ، الصَّحِيحَةُ غَيْرُ السَّقِيمَةِ ، لَيْسَ فِيهَا قَطْعُ أُذُنٍ ، وَلَا شَقُّهَا ، وَلَا نَقْصُ شَيْءٍ مِنْهَا ، يَقُولُ : فَهَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ ؟ يَقُولُ : هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدَعٍ أَوْ نُقْصَانٍ حِينَ تُنْتَجُ لِتَمَامٍ ؟ يَقُولُ : ثُمَّ الْجَدْعُ وَالْآفَاتُ تَدْخُلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ سَالِمًا ثُمَّ يَحْدُثُ فِيهِ بَعْدُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفِطْرَةُ هَهُنَا الْإِسْلَامُ ، قَالُوا : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ قَدْ أَجْمَعُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ قَالُوا : فِطْرَةُ اللَّهِ : دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا قَالُوا : دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالُوا : لِدِينِ اللَّهِ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي الْكِتَابِ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُهَاجِرٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ - وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ حَمَلَةِ الْعِلْمِ ، يَطْلُبُهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابِ أَصْحَابِهِ - أَنَّهُ حَدَّثَهُ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي الْكِتَابِ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ ، وَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ حَلَالًا لَا حَرَامَ فِيهِ ، فَجَعَلُوا مِمَّا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ حَلَالًا وَحَرَامًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ . قال أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَتَادَةُ ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن الشِّخِّيرِ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ مُطَرِّفٍ ، لِأَنَّ هَمَّامَ بْنَ يَحْيَى رَوَى عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مُطَرِّفٍ ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ : عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : حَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ فِيهِ : وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، لَمْ يَقُلْ مُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، أَنَّ عِيَاضَ بْنَ حِمَارٍ حَدَّثَهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ فِيهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، فَأَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا قَالَ حُنَفَاءَ فَقَطْ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عِنْدَهُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ فِيهِ : أَلَا وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَسَاقَ الْحَدِيثَ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَإِتْقَانِهِ ، وَضَبْطِهِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُسْلِمِينَ فِي رِوَايَتِهِ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَسْقَطَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِيَاضٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَقُولُوا فِيهِ عَنْ قَتَادَةَ مُسْلِمِينَ ، فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ ذِكْرُ مُسْلِمِينَ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ حُنَفَاءَ ، فَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ حُنَفَاءَ قَالَا : حُجَّاجًا . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الْحَنَفِيَّةُ : حَجُّ الْبَيْتِ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ حُنَفَاءَ قَالَ : مُسْلِمِينَ مُتَّبِعِينَ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ الْإِسْلَامُ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَقَالَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ ، قَالَ الشَّاعِرُ ، وَهُوَ الرَّاعِي : أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلَا عَرَبٌ نَرَى لِلَّهِ فِي أَمْوَالِنَا حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلَا فَهَذَا قَدْ وَصَفَ الْحَنَفِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَقِيلَ : الْحَنِيفُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ يَخْتَتِنُ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَنِيفًا ، وَالْحَنِيفُ الْيَوْمَ الْمُسْلِمُ ، وَيُقَالُ : إِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا ; لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفَ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْآلِهَةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، أَيْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ وَمَالَ ، وَأَصْلُ الْحَنَفِ مَيْلٌ مِنْ إِبْهَامَيِ الْقَدَمَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَمِمَّا احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْإِسْلَامُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ، فَذَكَرَ مِنْهُنَّ قَصَّ الشَّارِبَ ، وَالِاخْتِتَانَ ، وَهِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِسْلَامُ : أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ أَنْ يَعْتِقَهُ وَهُوَ رَضِيعٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ - يَعْنِي الْإِسْلَامَ - وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ يَقُولُ : خُلِقَ الطِّفْلُ سَلِيمًا مِنَ الْكُفْرِ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا عَلَى الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مَنْ صُلْبِهِ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، الْإِسْلَامُ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ ، وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ مِنَ الطِّفْلِ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ ذُو عَقْلٍ ، وَالْفِطْرَةُ لَهَا مَعَانٍ وَوُجُوهٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ الطِّفْلُ الْمُرْضِعُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ عِتْقَهُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى ، وَقَدْ مَضَى فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَكْفِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، يَعْنِي عَلَى الْبَدْأَةِ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا ، أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُمُ ابْتَدَأَهُمْ لِلْحَيَاةِ ، وَالْمَوْتِ ، وَالشَّقَاءِ ، وَالسَّعَادَةِ ، وَإِلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ مِنْ مُيُولِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ ، وَذَلِكَ مَا فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ ، قَالُوا : وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَدْأَةُ ، وَالْفَاطِرُ الْمُبْدِئُ وَالْمُبْتَدِئُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَا ابْتَدَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ مِمَّا يَصِيرُ إِلَيْهِ . وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَى أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ ، قَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا فَطَرْتُهَا ، أَيِ ابْتَدَأْتُهَا ، قَالُوا : فَالْفِطْرَةُ الْبَدْأَةُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وَذَكَرُوا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بَعْضِ دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ جَبَّارَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا وَشَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ : وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَبِيهٌ بِمَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَقَالَ : يُفَسِّرُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : وَلَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ نَحْوُ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَىُ بْنُ عُبَيْدَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ قَالَ : مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ لِلضَّلَالَةِ صَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَةِ ، وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى ، وَمَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ عَلَى الْهُدَى صَيَّرَهُ اللَّهُ إِلَى الْهُدَى ، وَإِنْ عَمَلَ بِأَعْمَالِ الضَّلَالَةِ ، ابْتَدَأَ خَلْقَ إِبْلِيسَ عَلَى الضَّلَالَةِ وَعَمِلَ بِعَمَلِ السَّعَادَةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى مَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنَ الضَّلَالَةِ ، قَالَ : وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . وَابْتَدَأَ خَلْقَ السَّحَرَةِ عَلَى الْهُدَى وَعَمِلُوا بِعَمَلِ الضَّلَالَةِ ثُمَّ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْهُدَى وَالسَّعَادَةِ ، وَتَوَفَّاهُمْ عَلَيْهَا مُسْلِمِينَ ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مَنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ يَقُولُ : فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَجْسَادُهَا . أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي وَضَّاحٍ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فِي قَوْلِهِ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قَالَ : كَمَا كَتَبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُوا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قَالَ : شَقِيًّا وَسَعِيدًا ، وَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ إِيَاسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قَالَ : يُبْعَثُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا ، وَالْكَافِرُ كَافِرًا . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قَالَ : عَادُوا إِلَى عِلْمِهِ فِيهِمْ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي تَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَمُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - ، قَالَ : سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مَنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ الْآيَةَ ، فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي ، فَقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ ، وَمَسَحَ ظَهْرَهُ ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذَرْءًا ، قَالَ : ذَرْءٌ ذَرَأْتُهُمْ لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِمَا شِئْتُ مِنْ عَمَلٍ ، ثُمَّ أَخْتِمُ لَهُمْ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ ذَرْءًا ، فَقَالَ : ذَرْءٌ ذَرَأْتُهُمْ لِلنَّارِ يَعْمَلُونَ بِمَا شِئْتُ مِنْ عَمَلٍ ، ثُمَّ أَخْتِمُ لَهُمْ بِسُوءِ أَعْمَالِهِمْ ، فَأُدْخِلُهُمُ النَّارَ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَنِيسَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى حَسْبَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ وَلَا فِي : لَنْ يَخْتِمَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ وَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ حِينَ أَخْرَجَ ذَرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرٍ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ حِينَ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا لِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْعُقُولُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْقِلُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا . وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا - عَلَى حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ - لَيْسَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ يَتَكَلَّمُ فِيهِ ، عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ يُولَدُ مُؤْمِنًا : يُولَدُ لِيَكُونَ مُؤْمِنًا ، وَيُولَدُ لِيَكُونَ كَافِرًا ، عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ ، وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ ، أَكْثَرُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ لَهُمْ ، لَا أَنَّهُمْ فِي حِينِ طُفُولَتِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ جَنَّةً أَوْ نَارًا ، أَوْ يَعْقِلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْحُجَّةَ ، فِي هَذَا لِمَنْ أَلْهَمَ رُشْدَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ ، وَاخْتِلَافِ مَا رُوِيَ مِنَ الْآثَارِ فِي الْأَطْفَالِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ مَا قُلْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَعَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الْمِيثَاقَ حِينَ خَلَقَهُمْ ، فَقَالَ : أَلِسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا جَمِيعًا : بَلَى ، فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَقَالُوا : بَلَى عَلَى مَعْرِفَةٍ لَهُ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَقَالُوا : بَلَى كَرْهًا لَا طَوْعًا ، قَالُوا : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا قَالُوا : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ - يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ : يَقُولُ : لَا تَبْدِيلَ لِخِلْقَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ - يَعْنِي مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ - وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الْآيَةَ . قَالَ إِسْحَاقُ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ اسْتَنْطَقَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَقَالَ : انْظُرُوا أَلَّا تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الْآيَةَ ، مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَىُ بْنُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَنْجَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ السَّرِيِّ ، عَنْ أَصْحَابِهِ ، قَالَ عَمْرٌو : أَصْحَابُهُ : أَبُو مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ ، قَالُوا : لَمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُهْبِطَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُمْنَى ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا ذَرِّيَّةً بَيْضَاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، فَقَالَ لَهُمُ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي ، وَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ مِنْهَا ذَرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، فَقَالَ : ادْخُلُوا النَّارَ وَلَا أُبَالِي ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ ، فَقَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَأَعْطَاهُ طَائِفَةً طَائِعِينَ وَطَائِفَةً كَارِهِينَ عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ ، فَقَالَ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ قَالُوا : فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ اللَّهَ أَنَّهُ رَبُّهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَذَلِكَ قَوْلُهُ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ يَعْنِي يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ . وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طَبَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ طَبَعَهَ كَافِرًا ، قَالَ إِسْحَاقُ : وَكَانَ الظَّاهِرُ مَا قَالَ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْخَضِرَ مَا كَانَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ فِي الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا . قَالَ إِسْحَاقُ : وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ، قَالَ إِسْحَاقُ : فَلَوْ تَرَكَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّاسَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ حُكْمَ الْأَطْفَالِ لَمْ يَعْرِفُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مَنِ الْكَافِرِينَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا جُبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، فَبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمَ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ : أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، يَقُولُ : أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ فِي الْفِطْرَةِ الْأُولَى ، وَلَكِنَّ حُكْمَ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا حُكْمُ أَبَوَيْهِ ، فَاعْرَفُوا ذَلِكَ بِالْأَبَوَيْنِ ، فَمَنْ كَانَ صَغِيرًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ أُلْحِقَ بِحُكْمِهِمَا ، وَمَنْ كَانَ صَغِيرًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أُلْحِقَ بِحُكْمِهِمَا ، وَأَمَّا إِيمَانُ ذَلِكَ وَكُفْرُهُ مِمَّا يَصِيرُ إِلَيْهِ فَعِلْمُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ، وَيَعْلَمُ ذَلِكَ فَضَلَ الْخَضِرُ مُوسَى إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْغُلَامِ وَخَصَّهُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ حُكْمَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغَارًا بَيَانًا يَقْطَعُ حُجَّةَ الْعُذْرِ ، بَلِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِمَا سَنُورِدُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ حِينَ مَاتَ صَبِيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ ، فَرَدَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : مَهْ يَا عَائِشَةُ ، وَمَا يُدْرِيكِ ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا ، قَالَ إِسْحَاقُ : فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ فِي الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ : إِنَّهَا الْمَعْرِفَةُ وَالْإِنْكَارُ ، وَالْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَطْفَالَ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لِيَعْرِفَ مِنْهُمُ الْعَارِفُ وَيَعْتَرِفَ فَيُؤْمِنُ ، وَلِيُنْكِرَ مِنْهُمُ الْمُنْكِرُ مَا يَعْرِفُ فَيَكْفُرُ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَدْ سَبَقَ بِهِ لَهُمْ قَضَاءُ اللَّهِ ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ عِلْمُهُ ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ فِي حِينِ تَصِحُّ مِنْهُمُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ ، وَالْكُفْرُ وَالْجُحُودُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّمْيِيزِ وَالْإِدْرَاكِ ، فَذَلِكَ مَا قُلْنَا ، أَوْ يَكُونُوا أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ عَارِفًا مُقِرًّا مُؤْمِنًا ، أَوْ عَارِفًا جَاحِدًا مُنْكِرًا كَافِرًا فِي حِينِ وِلَادَتِهِ ، فَهَذَا مَا يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ وَالْعَقْلُ ، وَلَا عِلْمَ أَصَحُّ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا شَوَاهِدُ الْأُصُولِ ، وَدَلَائِلُ الْعُقُولِ ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ الْآيَةَ دَلِيلٌ يَشْهَدُ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا فِيهِ رَدٌّ لِمَا قُلْنَا ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْخَلْقَ يُحْشَرُونَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ ، وَهَذَا مَا لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحَقِّ فِيهِ ، وَمَعْنَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخْرَجَ ذَرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ كَيْفَ شَاءَ ذَلِكَ ، وَأَلْهَمَهُمْ أَنَّهُ رَبُّهُمْ ، فَقَالُوا : بَلَى ، لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، ثُمَّ تَابَعَهُمْ بِحُجَّةِ الْعَقْلِ عِنْدَ التَّمْيِيزِ ، وَبِالرُّسُلِ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِظْهَارًا بِمَا فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الْمُنَازَعَةِ إِلَى خَالِقٍ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ يُدَبِّرُهُمْ بِمَا لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ جَحْدُهُ ، وَهَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ طِفْلٌ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ عَلَى مَا نُوَضِّحُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَيْهَا ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ فَأَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا وَلَمْ يَكُنْ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ رَجُلًا قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرِيعَتَنَا وَرَدَتْ بِأَنَّ كُلَّ أَبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ لَا يُحْكَمُ لِطِفْلِهِمَا الصَّغِيرِ بِحَالِ الْكُفْرِ ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِإِجْمَاعٍ ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةٌ فِي تَخْصِيصِ غُلَامِ الْخَضِرِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا الْمُجْبِرَةَ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ انْفَرَدَ بِهِ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، فَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَضَعَّفُوهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقَوْلُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَرْضَاهُ الْحُذَّاقُ الْفقهة مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْمُجْبِرَةِ ، وَفِيمَا مَضَى كِفَايَةٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَوْلُودِينَ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنَ الْمِيثَاقِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الدُّنْيَا يَوْمَ اسْتَخْرَجَ ذَرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فَخَاطَبَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَأَقَرُّوا جَمِيعًا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ بِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ مَخْلُوقِينَ مَطْبُوعِينَ عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَذَلِكَ الْإِقْرَارِ ، قَالُوا : وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ ، وَلَا ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِإِيمَانٍ ، وَلَكِنَّهُ إِقْرَارٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ لِلرَّبِّ ، فِطْرَةٌ أَلْزَمَهَا قُلُوبَهُمْ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الِاعْتِرَافِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْخُضُوعِ ، تَصْدِيقًا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ وَجَحَدَ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ ، وَهُوَ بِهِ عَارِفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَدْعُوَ خَلْقَهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَهُوَ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ نَفْسَهُ ، إِذْ كَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ كَلَّفَهُمُ الْإِيمَانَ بِمَا لَا يَعْرِفُونَ ، قَالُوا : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَذَكَرُوا مَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى حَسْبَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الْآيَةَ . وَذَكَرُوا أَيْضًا مَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ قَالَ : جَمَعَهُمْ جَمِيعًا ، فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ ، فَقَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَمْ نَعْلَمْ هَذَا ، قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا ، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ ، قَالَ : فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي ، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي ، فَلَا تُكَذِّبُوا رُسُلِي ، وَصَدِّقُوا بِوَعْدِي ، وَإِنِّي سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ أَشْرَكَ بِي ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِي ، قَالَ : فَأَخَذَ عَهْدَهُمْ وَمِيثَاقَهُمْ ، وَرَفَعَ أَبَاهُمْ آدَمَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ ، فَرَأَى مِنْهُمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ ، قَالَ : أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ ، قَالَ : وَالْأَنْبِيَاءُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمْ مِثْلُ السَّرْجِ ، قَالَ : وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ لِلرِّسَالَةِ أَنْ يُبَلِّغُوهَا ، قَالَ : فَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ، قَالَ : وَهِيَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ قَالَ : فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مَنْ يُكَذِّبُ بِهِ وَمَنْ يُصَدِّقُ ، قَالَ : وَكَانَ رُوحُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي أَخَذَ عَهْدَهَا وَمِيثَاقَهَا فِي زَمَنِ آدَمَ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . وَسُئِلَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَقَالَ : هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أُخِذَ الْعَهْدُ عَلَيْهِمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقَوْلُ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْقَوْلِ هَهُنَا ، وَقَدْ قَالَ هَؤُلَاءِ : لَيْسَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ ، وَلَا ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِإِيمَانٍ ، وَلَكِنَّهُ إِقْرَارٌ مِنَ الطَّبِيعَةِ لِلرَّبِّ ، فِطْرَةٌ أَلْزَمَهَا قُلُوبَهُمْ ، فَكَفَوْنَا بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْفُسَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفِطْرَةُ مَا يُقَلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ مِمَّا يُرِيدُ وَيَشَاءُ ، فَقَدْ يَكْفُرُ الْعَبْدُ ثُمَّ يُؤْمِنُ ، فَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَقَدْ يُؤْمِنُ ثُمَّ يَكْفُرُ ، فَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَقَدْ يَكْفُرُ ثُمَّ لَا يَزَالُ عَلَى كُفْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَمُوتَ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ تَقْدِيرُ اللَّهِ وَفِطْرَتُهُ لَهُمْ . وَاحْتَجُّوا مِنَ الْأَثَرِ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ ، قَالَ : أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا يقدم مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَالْفِطْرَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا قَضَاهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَوَّلِ أَحْوَالِهِمْ إِلَى آخِرِهَا كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِطْرَةٌ ، سَوَاءً كَانَتْ عِنْدَهُمْ حَالًا وَاحِدَةً لَا تَنْتَقِلُ أَوْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أَيْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ ، فَإِنَّهُ أَضْعَفُ الْأَقَاوِيلِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ ، فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، فَمُنْكِرُونَ لِكُلِّ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . الْآيَةَ ، قَالُوا : مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ وَلَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِيثَاقًا قَطُّ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ ، وَمَا خَلَقَهُمْ قَطُّ إِلَّا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، وَمَا اسْتَخْرَجَ قَطُّ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ مِنْ ذُرِّيَّةٍ تُخَاطِبُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَأَحْيَاهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَالْقُرْآنُ قَدْ نَطَقَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا مَا لَمْ يَرُدَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقًا لِذَلِكَ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا يَعْنِي فِي حَالِ عَدَمٍ غَيْرِ وُجُودٍ ، فَأَحْيَاكُمْ يُرِيدُ بِخَلْقِهِ إِيَّاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ، فَجَعَلَ الْحَيَاةَ مَرَّتَيْنِ ، وَالْمَوْتَ مَرَّتَيْنِ ، قَالُوا : وَكَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ ؟ وَكَيْفَ يُجِيبُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ؟ وَكَيْفَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمِيثَاقٍ لَا يَذْكُرُونَهُ ؟ وَهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا نَسُوا ، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ ذَلِكَ عَرَضَ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الْآيَةَ إِخْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَخَلْقَهُ لَهُمْ ، وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ فَطَرَهُمْ وَبَنَاهُمْ ، فِطْرَةً إِذَا بَلَغُوا وَعَقَلُوا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ ، وَخَالِقُهُمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَخْرَجَ الذَّرِّيَّةَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا جَعَلَ فِي عُقُولِهِمْ مِمَّا تُنَازِعُهُمْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، حَتَّى صَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قِيلَ لَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَالَ لَهُمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ عَلَى لِسَانِ بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّ الْحَدِيثَ الْمَأْثُورَ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ لِلْأُمَّةِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا كُلِّهِ فِي الْمَعْرِفَةِ هَلْ تَقَعُ ضَرُورَةً أَوِ اكْتِسَابًا ؟ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَطْفَالِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَوْلَادُ النَّاسِ كُلُّهُمُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرِينَ إِذَا مَاتُوا أَطْفَالًا صِغَارًا لَمْ يَبْلُغُوا فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُصَيِّرُهُمْ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَدْلٌ مِنْهُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَقَالَ آخَرُونَ وَهُمُ الْأَكْثَرُ : أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : حُكْمُ الْأَطْفَالِ كُلِّهِمْ كَحُكْمِ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، هُمْ مُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ ، وَكَافِرُونَ بِكُفْرِ آبَائِهِمْ ، فَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْكُفَّارِ إِذَا مَاتُوا صِغَارًا جَمِيعًا فِي الْجَنَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ . وَرَوَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ آثَارًا وَقَفَتْ عِنْدَهَا ، وَدَانَتْ بِهَا لِصِحَّتِهَا لَدَيْهَا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ بِعَوْنِ رَبِّنَا لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَوْجَبَ الْوُقُوفَ عَنِ الشَّهَادَةِ لِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ وَجَعَلَ جَمِيعَهُمْ فِي مَشِيئَةِ الْجَبَّارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ هَكَذَا قَالَ : كُلُّ بَنِي آدَمَ ، وَهُوَ يَقْتَضِي كُلَّ مَوْلُودٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِ مُسْلِمٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي الْقَطَّانَ - ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَطْفَالِ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . هَكَذَا قَالَ : الْأَطْفَالُ ، لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلِكًا يَقُولُ : يَا رَبِّ نُطْفَةٌ ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ ، قَالَ : أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ فَمَا الرِّزْقُ ؟ وَمَا الْأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُنْقَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، قَالَ الْمُنْقَرِيُّ : وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الزَّهْرَانِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ كُلُّهُمْ يَقُولُ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : أَنَّ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ مَا الْأَجَلُ ؟ وَمَا الْأَثَرُ ؟ فَيُوحِي اللَّهُ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ ذِرَاعٍ ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَدْخُلُ النَّارَ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قَيْدُ ذِرَاعٍ ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : أَنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : رَزَقِهِ ، وَأَجَلِهِ ، وَعَمَلِهِ ، وَشِقِّيٍّ أَمْ سَعِيدٍ ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ أَتَعَجَّبُ مِمَّا سَمِعْتُهُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، فَتَعَجَّبْتُ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : مِمَّ تَتَعَجَّبُ ؟ فَقُلْتُ : سَمِعْتُ أَخَاكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ، فَقَالَ : وَمِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُ ؟ فَقُلْتُ : أَيَشْقَى أَحَدٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ ؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ : إِنَّ النُّطْفَةَ تَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ ، قَالَ زُهَيْرٌ : حَسِبْتُهُ قَالَ : الَّذِي وُكِّلَ بِخَلْقِهَا ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ سَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ ، ذَكَر أَمْ أُنْثَى ؟ ثُمَّ يَقُولُ : مَا رِزْقُهُ ؟ مَا أَجَلُهُ ؟ مَا خُلُقُهُ ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُفَسِّرِ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غَالِبٍ الشَّكْشَرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُمَرَ ، سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ بِخَمْسِ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَيَكْتُبُ ، قَالَ : ثُمَّ يَكْتُبُ عَمَلَهُ ، وَرِزْقَهُ ، وَأَجَلَهُ ، وَأَثَرَهُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّانَ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : الشَّقِيُّ مِنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، قَالَ : فَفَزِعْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، فَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : الشَّقِيُّ مِنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، فَقَالَ : وَمَا أَنْكَرْتُ مِنْ ذَلِكَ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَمَلَتْ فَأَتَتْ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا نَزَلَ إِلَيْهَا مَلَكٌ ، فَإِذَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلْقٍ مَا فِي بَطْنِهَا مَا قَضَى ، قَالَ الْمَلَكُ : يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمَلَكِ ، وَيَكْتُبُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمَلَكِ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْمَلَكِ فَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَتَكُونُ مَعَ الْمَلَكِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ خَالَتِهَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ ذَنْبٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا ، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا ، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عَمَّتِهِ - يَعْنِي عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ - ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَتْ ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَوَاءً . وَرَوَاهُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى جَمَاعَةٌ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ يَحْيَى انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ، وَقَدْ رَوَاهُ فُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ كَمَا رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى سَوَاءً ، ذَكَرَهُ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : تُوُفِّيَ صَبِيٌّ ، فَقُلْتُ : طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَلَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا ؟ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ يَقُولُونَ : إِنَّهُ انْفَرَدَ بِرَفْعِهِ رَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ ، وَإِنَّ أَصْحَابَ أَبِي إِسْحَاقَ الثِّقَاتِ يُوقِفُونَهُ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَرَقَبَةُ بْنُ مَصْقَلَةَ ثِقَةٌ ، فَصِيحٌ ، عَاقِلٌ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُثْنِيَانِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ عَلَى رَفْعِهِ ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَبَّاسِ رَجُلٌ كُوفِيٌّ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ جِلَّةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، مِنْهُمْ : الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَوَكِيعٌ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَيَحْيَى : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : هُوَ ثِقَةٌ ، قِيلَ لَهُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : ثِقَةٌ . ذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ - ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا . وَقَدْ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا الصِّبْيَانُ فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْخَضِرُ تَعْلَمُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ فَاقْتُلْهُمْ . وَرَوَى قَتَادَةُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزٍ ، قَالَ : كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ ، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْعَالِمَ صَاحِبَ مُوسَى قَدْ قَتَلَ الْمَوْلُودَ ، قَالَ يَزِيدُ : فَأَنَا كَتَبْتُ كِتَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِيَدَيَّ ، جَوَابُهُ إِلَى نَجْدَةَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ ، وَتَذْكُرُ فِي كِتَابِكَ أَنَّ الْعَالِمَ صَاحِبَ مُوسَى قَدْ قَتَلَ الْمَوْلُودَ ، فَلَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مِنَ الْوِلْدَانِ مَا عَلِمَ ذَلِكَ الْعَالِمُ لَقَتَلْتَ ، وَلَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مَعَ صِحَّتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ كَانَ رَجُلًا ، وَكَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ ، وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عِكْرِمَةَ حَكَاهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : لَعَمْرِي مَا قَتَلَهُ إِلَّا عَلَى كُفْرٍ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمْ يَقْتُلْهُ الْخَضِرُ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ ، كَانَ قَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِدْرَاكِهِ وَبُلُوغِهِ ، أَوْ عَمِلَ عَمَلًا اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ فَقَتَلَهُ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ غُلَامَانِ شَابَّانِ قَدْ بَلَغْنَا ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّدَقَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ : وَنَحْنُ غُلَامَانِ شَابَّانِ قَدْ بَلَغْنَا ، فَهُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْقُرْبِ وَالْمَجَازِ ، وَقَدْ بَانَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ قَدْ بَلَغْنَا ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْغُلَامَ كَانَ رَجُلًا قَدْ كَفَرَ أَوْ عَمِلَ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ ، فَتَخَرُّصٌ وَظَنٌّ لَمْ يَصِحَّ فِي أَثَرٍ ، وَلَا جَاءَ بِهِ خَبَرٌ ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَلَا أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ غُلَامًا ، وَالْغُلَامُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ يَقَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ اسْمُ غُلَامٍ مِنْ حِينِ يُفْطَمُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا ، وَيَفَاعًا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، ثُمَّ يَصِيرُ حُزُورًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ مَنَازِلِ سِنِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ هَمًّا فَانِيًا كَبِيرًا بِمَا لَا حَاجَةَ بِنَا هَهُنَا إِلَى ذِكْرِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْغُلَامِ أَنَّهُ مَا دَامَ رَضِيعًا فَهُوَ طِفْلٌ ، وَغُلَامٌ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْكَهْلِ وَالشَّيْخِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْكَهْلُ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْكَهْلُ مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى خَمْسِينَ ، وَالشَّيْخُ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى ثَمَانِينَ ، ثُمَّ يَصِيرُ هَمًّا فَانِيًا . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسًا زَاكِيَةً قَالُوا : لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، قَالَ : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ : غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَفَتَلَ عُنُقَهُ فَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا مُوسَى ، وَلَوْ رَآهُ الْقَوْمُ لَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، قَالَ : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً أَوْ زَكِيَّةً ، قَالَ : لَمْ تَبْلُغِ الْخَطَايَا . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : وَجَدَ الْخَضِرُ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ ، فَأَخَذَ غُلَامًا ، فَأَضْجَعَهُ ، وَذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، وَأَبُو الظَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، قَالُوا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُنَيْدَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ ، قَالَ مَلَكُ الْأَرْحَامِ مُعْرِضًا : يَا رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ أَمْرَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ أَمْرَهُ ، ثُمَّ يُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَا هُوَ حَتَّى النَّكْبَةُ يَنْكُبُهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : بِهَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْوُقُوفِ عَنِ الشَّهَادَةِ لِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُشْرِكِينَ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ ، وَإِلَيْهَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ، فِي مُوَطَّئِهِ وَمَا أَوْرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَلَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَطْفَالَ الْكُفَّارِ خَاصَّةً فِي الْمَشِيئَةِ ; لِآثَارٍ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ نَحْنُ نَذْكُرُهَا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ لِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْجَنَّةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : أخبرنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ ، يُجَاءُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ لَهُمُ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُونَ : لَا حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : ادْخُلُوا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَابَةَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَتُحِبُّهُ ؟ فَقَالَ : أَحَبَّكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أُحِبُّهُ ، فَتُوُفِّيَ الصَّبِيُّ ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : أَيْنَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ ابْنُهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا تَرْضَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا جَاءَ يَسْعَى يَفْتَحُهُ لَكَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لَنَا كُلِّنَا ؟ قَالَ : بَلْ لَكُمْ كُلِّكُمْ . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ : إِنَّ لَهُ مَوْضِعًا فِي الْجَنَّةِ . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْحَرِيرِيُّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلَّانَ ، قَالَ : مَاتَ ابْنٌ لِي ، فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَسَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا يُسْخِي أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا ؟ فَقَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَبَلٍ تَكْفُلُهُمْ سَارَّةُ وَإِبْرَاهِيمُ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَفَعُوهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ قَالَ : هُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ . وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ قَالَ : أَصْحَابُ الْيَمِينِ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَصَرْتُ هَذَا الْبَابَ لِأَنِّي قَدْ تَقَصَّيْتُهُ فِي كِتَابِ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَغْرَبَةِ ، وَتَكَلَّمْتُ عَلَيْهِ فِي بَابِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ لِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ خَنْسَاءَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي صُرَيْمٍ ، عَنْ عَمِّهَا ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ . وَحَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ ، حَدَّثَنَا هَوْذَةُ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَتْ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ ، فَنَزَلَتْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَقَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، أَوْ قَالَ : فِي الْجَنَّةِ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ ، فَأَعْطَانِيهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قِيلَ لِلْأَطْفَالِ اللَّاهِينَ ; لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَزْمٍ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : لَهَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ أَيْ لَمْ أَعْتَمِدْهُ ، كَقَوْلِهِ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَرَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فُضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْوِلْدَانُ - أَوْ قَالَ الْأَطْفَالُ - خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ حَدِيثَ الرُّؤْيَا ، وَفِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، قَالَ : فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ . وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ وَعُمُومُهُ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ لِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّارِ حَدَّثَنَا يَعِيشُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، قَالَ مَرْجِيُّ بْنُ رَجَاءٍ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجَعْفِيُّ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَأَخِي ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّنَا مَاتَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ تُقْرِي الضَّيْفَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَفْعَلُ ، وَتَفْعَلُ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا مِنْ عَمَلِهَا ذَلِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَقُلْنَا : إِنَّ أُمَّنَا وَلَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلُغِ الْحِنْثَ ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُخْتَنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرَأَيْتُمُ الْوَائِدَةَ وَالْمَئُودَةَ ، فَإِنَّهُمَا فِي النَّارِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلَامَ ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ أَقْوَى وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا رَوَاهُ دَاوُدُ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ كَمَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ إِلَّا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ فِي عَيْنٍ مَقْصُودَةٍ ، فَكَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ لِمُعَارَضَةِ الْآثَارِ لَهُ ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ ، فَيُصَابُ مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْهُمْ ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فِي ذَلِكَ هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ، وَعَلَى ذَلِكَ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ قَوْدٌ وَلَا دِيَةٌ ; لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ مَنْ لَا دِيَةَ فِي قَتْلِهِ وَلَا قَوْدَ ; لِمُحَارَبَتِهِ وَكُفْرِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَلَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ رَوَى بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، قُلْتُ : بِلَا عَمَلٍ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ شَامِيٌّ ، تَابِعِيٌّ ، ثِقَةٌ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ فَضَعِيفٌ ، وَأَكْثَرُ حَدِيثِهِ مَنَاكِيرُ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، وَيُحْتَمَلُ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ كَحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ سَوَاءً فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ بَهِيَّةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ أَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ : فِي الْجَنَّةِ يَا عَائِشَةُ ، قَالَ : وَسَأَلْتُهُ عَنْ وِلْدَانِ الْمُشْرِكِينَ أَيْنَ هُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : فِي النَّارِ ، قَالَتْ : فَقُلْتُ مُجِيبَةً لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ ، وَلَمْ تَجْرِ عَلَيْهِمُ الْأَقْلَامُ ، قَالَ : رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو عَقِيلٍ هَذَا صَاحِبُ بَهِيَّةَ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ أَيْضًا احْتَمَلَ مِنَ الْخُصُوصِ مَا احْتَمَلَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خُصُوصٌ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَوْلُهُ : لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَنْ قَدْ مَاتَ وَصَارَ فِي النَّارِ ، وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْحَدِيثَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مِنَ الْآثَارِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِظَاهِرِ آثَارِ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنُوحٍ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَمَّا قِيلَ لِنُوحٍ ذَلِكَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ يَمُوتُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِهَلَاكِ جَمِيعِهِمْ ، فَقَالَ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لِكُفْرِهِمْ لَا يَلِدُونَ إِلَّا كَفَّارًا ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَوْجَبَ الْوُقُوفَ عَنِ الشَّهَادَةِ لِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ إِذْ خَلَقَهُمْ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ حُبَابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ هَذَا بِمِثْلِهِ ، وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . وَقَالَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَطْفَالِ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُنْتُ أَقُولُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ حَتَّى حَدَّثَنِي رَجُلٌ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ، هُوَ خَلَقَهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ وَبِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَوْجَبَ امْتِحَانَهُمْ وَاخْتِبَارَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْرُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَىُ بْنُ مُسَيْكِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ ، وَالْمَعْتُوهِ ، وَالْمَوْلُودِ ، قَالَ : يَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ : لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ ثُمَّ تَلَا : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ : رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا ، قَالَ : وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ : رَبِّ لَمْ أُدْرِكِ الْعَمَلَ ، قَالَ : فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ ، فَيُقَالُ : رِدُوهَا ادْخُلُوهَا ، قَالَ : فَيَرِدُهَا أَوْ يَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا وَأَدْرَكَ الْعَمَلَ ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ، قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِيَّايَ عَصَيْتُمْ ، فَكَيْفَ رُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ النَّاسِ مَنْ يُوقِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ وَلَا يَرْفَعُهُ ، مِنْهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ الْمَلَّايُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَا : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةٍ : بِالْمَوْلُودِ ، وَالْمَعْتُوهِ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ ، وَبِالشَّيْخِ الْهَرِمِ الْفَانِي ، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعُنُقٍ مِنْ جَهَنَّمَ : ابْرُزِي ، وَيَقُولُ لَهُمْ : إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمْ ، قَالَ : فَيَقُولُ لَهُمْ : ادْخُلُوا هَذِهِ ، فَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ : يَا رَبِّ أَتُدْخِلُنَاهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ ؟ قَالَ : وَأَمَّا مَنْ كُتِبَ لَهُ السَّعَادَةُ فَيَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيهَا ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ عَايَنْتُمُونِي ، فَعَصَيْتُمُونِي ، فَأَنْتُمْ بِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً ، فَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ وَهَؤُلَاءِ النَّارَ . وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الصَّفَّارِ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حُلَيْسٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْمَمْسُوحِ أَوِ الْمَمْسُوحِ عَقْلًا ، وَبِالْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ ، وَبِالْهَالِكِ صَغِيرًا ، فَيَقُولُ الْمَمْسُوحُ عَقْلًا : يَا رَبِّ ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا مَا كَانَ مَنْ آتَيْتَهُ عَقَلًا أَسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي ، وَيَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ : يَا رَبِّ لَوْ أَتَانِي مِنْكَ عَهْدٌ مَا كَانَ مَنْ آتَيْتَهُ عَهْدًا بِأَسْعَدَ بِعَهْدِكَ مِنِّي ، وَيَقُولُ الْهَالِكُ صَغِيرًا : يَا رَبِّ لَوْ آتَيْتَنِي عُمْرًا مَا كَانَ مَنْ آتَيْتَهُ عُمْرًا بِأَسْعَدَ بِعُمْرِهِ مِنِّي ، فَيَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : إِنِّي آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ أَفَتُطِيعُونِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ وَعِزَّتِكَ يَا رَبُّ ، فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَادْخُلُوا النَّارَ ، قَالَ : وَلَوْ دَخَلُوهَا مَا ضَرَّتْهُمْ ، فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوَانِصُ يَظُنُّونَ أَنَّهَا قَدْ أَهْلَكَتْ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَيَرْجِعُونَ سِرَاعًا فَيَقُولُونَ : يَا رَبُّ خَرَجْنَا وَعَزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولَهَا ، فَخَرَجَتْ عَلَيْنَا قَوَانِصُ ظَنَنَّا أَنَّهَا قَدْ أَهْلَكَتْ مَا خَلَقَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ الثَّانِيَةَ فَيَرْجِعُونَ كَذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، فَيَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكُمْ عَلِمْتُ مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ ، فَعَلَى عِلْمِي خَلَقْتُكُمْ ، وَإِلَى عِلْمِي تَصِيرُونَ ، فَتَأْخُذُهُمُ النَّارُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَثَوْبَانَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ مِنْ أَسَانِيدِ الشُّيُوخِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا لَمْ يَرْفَعْهُ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا سَوَاءً ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرُ الْمَوْلُودِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُ أَرْبَعَةٍ كُلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُدْلِي بِحُجَّتِهِ : رَجُلٌ أَصَمُّ أَبْكَمُ ، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ ، وَرَجُلٌ هَرِمٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرُ الْمَوْلُودِ لَمْ نَذْكُرْهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهَا مَا ذَكَرْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَذْكُرْ أَنَّهَا مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ ، وَفِيهَا عِلَلٌ ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ ، وَالْقَطَعُ فِيهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَعْفٌ فِي الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ مَعَ أَنَّهُ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . بَابٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَيْفُورَ ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا أَوْ مُقَارِبًا ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَاتَيْنِ ، حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَنْظُرُوا فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : قَدْ ذَكَرْتُهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ، فَقَالَ : أَفَيَسْكُتُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْجَهْلِ ؟ قُلْتُ : فَتَأْمُرُ بِالْكَلَامِ ؟ فَسَكَتَ . وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ شَيْبَةَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا يَزَالُ أَمْرُهَا مُقَارِبًا أَوْ مُوَاتِيًا أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا الشَّكُّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ : مُوَاتِيًا أَوْ مُقَارِبًا ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ مِنَ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ ، أَوِ النَّاقِلِ عَنِ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ ، هَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَا تَجِدُهُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّكِّ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَغَيْرِهَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ النَّاقِلِينَ ، فَاعْرِفْ ذَلِكَ وَقِفْ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَلَّمَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ وَرَعِ الْمُحَدِّثِ وَتَثَبُّتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : مَاذَا كَانَ بَيْنَ قَتَادَةَ وَبَيْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : أَوَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ الرَّأْيَ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : إِذَا اللَّهُ انْتَهَى عِنْدَ شَيْءٍ فَانْتَهُوا وَقِفُوا عِنْدَهُ ، قَالَ : فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نَارًا فَأُطْفِئَتْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ ذَكَرْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بَلَغَنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَيْهَا ، وَاخْتَرْنَا مِنْ ذَلِكَ أَصَحَّهُ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِنَا ، وَلَعَلَّ غَيْرَنَا أَنْ يُدْرِكَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمُنَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَشَاءُ ، وَيَحْجُبُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ ; لِيُبَيِّنَ الْعَجْزَ فِي الْبَرِّيَّةِ ، وَيَصِحَّ الْكَمَالُ لِلْخَالِقِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، وَذَكَرْنَا فِي الْأَطْفَالِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا مِمَّا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَنَقَلُوهُ ، وَدَانُوا بِهِ ، وَاعْتَقَدُوهُ ، مِنْ حُكْمِهِمْ فِيمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ فِي آخِرَتِهِمْ ، وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِيهِمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَمَا اخْتَلَفُوا ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ هَهُنَا مُمَهَّدًا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ . بَابُ ذِكْرِ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْمَذَاهِبِ فِي أَحْكَامِ الْأَطْفَالِ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِأَجْمَعِهِمْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَطْفَالِ فِي الدُّنْيَا حُكْمُ آبَائِهِمْ مَا لَمْ يَبْلُغُوا ، فَإِذَا بَلَغُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ أَبَدًا مَا لَمْ يَبْلُغُوا ; لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُمْ سَبْيٌ مِنْ قِبَلِ مُسْلِمٍ فَيُغَيِّرُ حُكْمَهُمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُمْ كَآبَائِهِمْ أَبَدًا فِي الْمَوَارِيثِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِهِمْ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِمْ ، وَكَذَلِكَ أَطْفَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَآبَائِهِمْ أَيْضًا فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ أَطْفَالُ الْحَرْبِ كَآبَائِهِمْ فِي أَحْكَامِهِمْ إِلَّا مَا خَصَّتِ السُّنَّةُ مِنْهُمْ وَمِنْ نِسَائِهِمْ أَلَّا يُقْتَلُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا ; لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ فَمَا دَامَ أَطْفَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ يُسْبُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ أَبَدًا عَلَى حَسْب مَا ذَكَرْنَا ، لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الطِّفْلِ الْحَرْبِيِّ يُسْبَى وَمَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ يُسْبَى وَحْدَهُ ، مَا حُكْمُهُ حَيًّا وَمَيِّتًا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَدَفْنِهِ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ فِي حَيَاتِهِ ؟ فَذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الطِّفْلَ مِنْ أَوْلَادِ الْحَرْبِيِّينَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ لَمْ يَكُونَا حَتَّى يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ فَيُسْلِمَ ، وَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى دِينِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِهِ هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَا دَامَ مَعَ أَبَوَيْهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ سَبَأٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ ، فَكَذَلِكَ إِذَا سُبِيَ وَحْدَهُ لَا يُغَيِّرُ السَّبْيُ حُكْمَهُ ، وَيَكُونُ عَلَى حُكْمِ أَبَوَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يُزِيلُ حُكْمَهُ عَنْ حُكْمِ أَبَوَيْهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ إِلَّا حُجَّةٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ، وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ عَوْنٍ ، فِي هَذَا كَقَوْلِ مَالِكٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْمِصِّيصِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ تَمَّامٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : إِنِّي بِخُرَاسَانَ ، فَأَبْتَاعُ السَّبْيَ ، فَيَمُوتُ بَعْضُهُمْ أَفَنُصَلِّي عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : إِذَا صَلَّى فَصَلِّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : وَسَأَلْتُ هِشَامًا ، وَابْنَ عَوْنٍ ، عَنِ السَّبْيِ يَمُوتُونَ وَهُمْ صِغَارٌ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ هِشَامٌ : يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : حَتَّى يُصَلُّوا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : أَبِيهِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْمَخْزُومِيِّ ، وَابْنِ دِينَارٍ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّبْيَانَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ أَبُوهُمْ فَهُمْ عَلَى دِينِ أَبِيهِمْ إِنْ أَسْلَمَ أَبُوهُمْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ ثَبَتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُمْ عَلَى دِينِهِ ، وَلَا يُعْتَدُّ فِيهِمْ بِدِينِ الْأُمِّ عَلَى حَالٍ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إِلَى أَبِيهِمْ ، وَبِهِ يُعْرَفُونَ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : هَذَا إِذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمُ السَّبْيُ فَيَقَعُونَ فِي قَسْمِ مُسْلِمٍ وَمِلْكِهِ بِالْبَيْعِ أَوِ الْقَسْمِ ، فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ بِالْبَيْعِ وَالْقَسْمِ فَأَحْكَامُهُمْ حِينَئِذٍ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِصَاصِ ، وَالْقَوَدِ ، وَالْخَطَأِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمَوَارِثِ ، وَغَيْرِهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ أَمْيَلُ إِلَى مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ مِنْهَا إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَتْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مُجَرَّدًا ; لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَهُمَا فِي فُصُولٍ تَرَاهَا إِنْ تَدَبَّرْتَ وَتَأَمَّلْتَ بِعَوْنِ اللَّهِ ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الشَّامِ إِذَا صَارَ السَّبْيُ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَوْلَى بِهِ مِنَ النَّسَبِ . ذَكَرَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الطَّبَّاعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ ، عَنْ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بِأَرْضِ الرُّومِ ، وَهُوَ عَلَى السَّبْيِ ، فَكَانُوا يَمُوتُونَ صِغَارًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَلَيْسَ كَانَ يُقَالُ : مَا أَحْرَزَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : ذَاكَ إِذَا اشْتَرَاهُمْ رَجُلٌ فَصَارُوا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُغِيرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا وَمَشْيَخَتَنَا يَقُولُونَ : مَا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ صِبْيَانِ الْعَدُوِّ فَمَاتُوا فَلْيُصَلَّ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا فَإِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ سَاعَةَ مَلَكَهُمُ الْمُسْلِمُونَ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنِ السَّبْيِ يَمُوتُ بِأَرْضِ الرُّومِ أَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصِيرُوا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ ، فَإِذَا صَارُوا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ دَخَلُوا فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الطَّبَّاعِ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الصِّبْيَانِ يَمُوتُونَ مِنَ السَّبْيِ ، فَقَالَ : إِنِ اشْتُرَوْا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يُبَاعُوا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ ابْنُ الطَّبَّاعِ : عَلَى هَذَا فُتْيَا أَهْلِ الثَّغْرِ عَلَى قَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وَرِوَايَةِ الْحَارِثِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِشَيْءٍ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَهْمًا ، قَالَ : سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الطِّفْلِ يُسْبَى ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ فَلْيُصَلَّ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رِوَايَةُ مَخْلَدِ بْنِ حُسَيْنٍ هَذِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ هِيَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ ، وَقَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، قَالُوا : حُكْمُ الطِّفْلِ حُكْمُ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَعَهُ ، أَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدُهُمَا ، وَسَوَاءٌ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُهُمَا ، وَصَارَ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ ، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَيَكُونُ دِينُهُ دِينَهُمَا ، يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُونَا مَعَهُ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَالِكِهِ . فَهَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ : يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مَعَ أَبَوَيْنِ مُشْرِكَيْنِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ أَغْلَبُ عَلَيْهِ وَأَمْلَكُ بِهِ ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ . حَدَّثْنَا عَبْدَ الْوَارِثِ بْنَ سُفْيَانَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ ، أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْمِصِّيصِيُّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، قَالَ سُفْيَانُ : إِذَا دَخَلُوا فِي الْمُسْلِمِينَ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ ، وَإِذَا صَارُوا فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ ، قَالَ الْفَزَارِيُّ : وَسَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ قُلْتُ : السَّبْيُ يُصَابُونَ وَهُمْ صِغَارٌ مَعَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ وَآبَاؤُهُمْ ، قَالَ : إِذَا مَاتَ صغيرا وَهُوَ فِي جَمَاعَةِ الْفَيْءِ أَوِ الْخُمُسِ أَوْ فِي نَفْلِ قَوْمٍ وَهُمْ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يُقَسَمْ ، فَإِذَا قُسِّمُوا وَصَارُوا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ ، أَوِ اشْتَرَاهُمْ قَوْمٌ بَيْنَهُمْ فَاشْتَرَكُوا فِيهِمْ ، أَوْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ مَاتَ صُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ ، وَكَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ كُلِّفَ خَلَاصُهُ مِنْ شُرَكَائِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا حِينَ سُبِيَ فَهُوَ عَلَى دِينِهِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَهُوَ مُسْلِمٌ وَيُجْزِئُ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ عَنْهُ فِيهِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالَّذِي يُخْتَارُ مِنْ هَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّ دِينَ سَيِّدِهِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ غَائِبَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَا حَيَّيْنِ مُقِيمَيْنِ . وَقَالَ الْمَيْمُونُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ مِنْ وَلَدِ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الصَّغِيرِ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ لَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ ، قَالَ : إِذَا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، قُلْتُ : يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، قَالَ : مَنْ يَلِيهِ إِلَّا هُمْ ، حُكْمُهُ حُكْمُهُمْ ، قَالَ : كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يُكْرَهْ وَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ قُلْتُ : وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، قُلْتُ : فَيُفْدَى الصَّغِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَبَوَاهُ ، فَذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ فَادَى بِصَغِيرٍ ، وَقَالَ : نَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ صَغِيرًا وَيَرُدُّهُ اللَّهُ إِلَيْنَا كَبِيرًا فَنَضْرِبُ عُنُقَهُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا لَا شَكَّ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَتَعَجَّبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ قَالَ : إِذَا أَخَذُوا الصَّغِيرَ وَمَعَهُ أَبَوَاهُ كَانَ حُكْمُهُ عِنْدَهُمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى أَبَوَيْهِ ، قُلْتُ : فَأَيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ أَقُولُ فِيهَا ، ثُمَّ احْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ، قَالَ : فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الصَّغِيرِ حُكْمُ أَبَوَيْهِ ، فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ : الْغُلَامُ النَّصْرَانِيُّ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ، فَقَالَ : هُوَ مَعَ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا سَوَاءً كَانَ أُمًّا أَوْ أَبًا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا . وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ : إِذَا سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ وَحْدَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْإِسْلَامَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا نَفْسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ لَهُ وَلِمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ أَنَّ الطِّفْلَ عَلَى أَصْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَ أَبَوَيْهِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعَاشِرُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ · ص 57 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ · ص 370 569 530 - مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ . هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 11932 - وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ . 11933 - مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبَ ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَحُمَيْدٌ ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَأَبُو صَالِحٍ السِّمَّانُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ . 11934 - وَلَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِيمَا عَلِمْتُ ، وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ فِيهِ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11935 - وَزَعَمَ الذُّهْلِيُّ أَنَّ الطُّرُقَ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ صِحَاحٌ كُلُّهَا . 11936 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ . . الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ . 11937 - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الذَّاهِبِينَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ لَهُ أَبَوَانِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . 11938 - قَالُوا : وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَوْلُودِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ أَجْمَعِينَ مَوْلُودُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْلُودَ عَلَى الْفِطْرَةِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي كُفْرِهِمَا حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ وَيَبْلُغَ مَبْلَغَ مَنْ يَكْسِبُ عَلَى نَفْسِهِ . 11939 - وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُولَدْ عَلَى الْفِطْرَةِ وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا مَا لَمْ يَحْتَلِمْ ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ كَانَ حَكَمَ نَفْسِهِ . 11940 - وَاحْتَجَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ طَبَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ طَبَعَهُ كَافِرًا . 11941 - وَبِحَدِيثِ : أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَلَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا . 11942 - وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَخَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنْ طُرُقٍ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11943 - قَالُوا : فَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَبَوَاهُ نَصْرَانِيَّانِ أَوْ يَهُودِيَّانِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ وَفِي دَفْنِهِ مَعَ أَبَوَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا دَامَ صَغِيرًا ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ . 11944 - قَالُوا : وَأَلْفَاظُ الْحُفَّاظِ عَلَى نَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . 11945 - وَدَفَعُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . 11946 - قَالُوا : وَلَوْ صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ مَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْخُصُوصَ جَائِزٌ دُخُولُهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ . 11947 - أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا وَلَمْ تُدَمِّرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . 11948 - وَقَوْلُهُ : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يَفْتَحْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ . 11949 - وَذَكَرُوا مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . 11950 - وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَلْفَاظِ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11951 - وَمِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ ، حَدِيثِ الرُّؤْيَا ، وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . 11952 - وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَبَدًا وَأَبَوَاهُ يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِها ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ . 11953 - قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَمَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَيُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ؛ وَحَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ . 11954 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ . . الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ . 11955 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . 11956 - وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ 11957 - ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَؤوا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . 11958 - وَذَكَرُوا حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَ الرُّؤْيَا فِيهِ : وَالشَّيْخُ الَّذِي فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) وَالْوِلْدَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ . 11959 - فَقَالُوا : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ أَلْفَاظُهَا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ لَيْسَ كَمَا تَأَوَّلَهُ الْمُخَالِفُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ، بَلِ الْجَمِيعُ مِنْ أَوْلَادِ النَّاسِ مَوْلُودُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ . 11960 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا وَاضْطَرَبُوا فِي مَعْنَاهَا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ مُتَبَايِنَةً وَادَّعَتْ كُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهُما فِي ذَلِكَ ظَاهِرَ آيَةٍ أَوْ ظَاهِرَ سُنَّةٍ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَنُوَضِّحُهُ وَنَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 11961 - قَدْ سَأَلَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْفَقِيهَ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَمَا أَجَابَهُ فِيهِ بِأَكْثَرِ مِنْ أَنْ قَالَ : كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ . 11962 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يُفَسِّرُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 11963 - هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْصِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ . . الْحَدِيثَ . عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَلَمْ يَزِدْ فِي ذَلِكَ عَنْهُمَا وَلَا عَنْ غَيْرِهِمَا . 11964 - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مُقْنِعٌ مِنَ التَّأْوِيلِ وَلَا شَرْحُ مَذْهَبٍ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَلَكِنَّهَا جُمْلَةٌ تُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوفِ عَنِ الْقَطْعِ فِيهِمْ بِكُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ مَا لَمْ يَبْلُغُوا . 11965 - وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَظُنُّهُ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ إِمَّا لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِكَرَاهَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ . 11966 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ وَالْأَحْنَفِ جَمِيعًا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ . 11967 - وَرَوَى عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَنَادَاهُ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ . 11968 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ : أُرِيدَ بِالْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ ، يُرِيدُ خِلْقَةً مُخَالِفَةً لِخِلْقَةِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِخِلْقَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ . 11969 - وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ وَالْفَاطِرَ الْخَالِقُ بِقَوْلِهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَاطِرَ 1 ، يَعْنِي : خَالِقَهُنَّ . 11970 - وَقَوْلُهُ : وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي يس 22 . يَعْنِي : خَلَقَنِي وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ . 11971 - وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ فُطِرَ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ أَوْ إِنْكَارٍ . 11972 - وَقَالُوا : إِنَّمَا يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَى السَّلَامَةِ فِي الْأَغْلَبِ خِلْقَةً وَبِنْيَةً وَطَبْعًا لَيْسَ مَعَهَا إِيمَانٌ وَلَا كُفْرٌ وَلَا إِنْكَارٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ ثُمَّ يَعْتَقِدُونَ الْإِيمَانَ أَوِ الْكُفْرَ بَعْد إِذا مَيَّزُوا . 11973 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ - يَعْنِي سَالِمَةً - هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ يَعْنِي مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ ، فَمَثَّلَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بِالْبَهَائِمِ لِأَنَّهَا تُولَدُ كَامِلَةَ الْخَلْقِ لَيْسَ فِيهَا نُقْصَانٌ وَلَا آفَةٌ ثُمَّ تُقْطَعُ آذَانُهَا بَعْدُ وَتُشَقُّ وَتُثْقَبُ أُنُوفُهَا ، وَيُقَالُ : هَذِهِ بِحَائِرُ وَهَذِهِ سَوَائِبُ ، وَكَذَلِكَ قُلُوبُ الْأَطْفَالِ فِي حِينِ وِلَادَتِهِمْ سَالِمَةٌ لَيْسَ لَهُمْ كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا إِنْكَارٌ ، فَلَمَّا بَلَغُوا اسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ وَعَصَمَ اللَّهُ أَقَلَّهُمْ . 11974 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الْأَطْفَالُ قَدْ فُطِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْكُفْرِ أَوِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِيَّةِ أَمْرِهِمْ مَا انْتَقَلُوا عَنْهُ أَبَدًا كَمَا لَا يَنْتَقِلُونَ عَنْ خِلْقَتِهِمْ ، وَقَدْ نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ وَكافرُونَ ثُمَّ يُؤْمِنُونَ . 11975 - قَالُوا : وَيَسْتَحِيلُ فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ فِي حِينِ وِلَادَتِهِ يَعْقِلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا . 11976 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ النَّاسُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11977 - وَذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلَامَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ يَعْنِي عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَلَامَةٍ . 11978 - وَالْحَنِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْمُسْتَقِيمُ السَّالِمُ . 11979 - وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْأَعْرَجِ أَحْنَفُ عَلَى جِهَةِ التَّفَاؤُلِ كَمَا قِيلَ لِلْقَفْرِ مَفَازَةٌ . 11980 - فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ الَّذِينَ خَلَصُوا مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ بِلَا طَاعَةٍ مِنْهُمْ وَلَا مَعْصِيَةٍ إِذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 11981 - أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَمْ يَكْسِبِ الذُّنُوبَ . 11982 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا وَحُجَّةً فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11983 - وَقَالَ آخَرُونَ : الْفِطْرَةُ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ ، قَالُوا : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ . 11984 - قَالُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا يَعْنِي الْإِسْلَامَ . 11985 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا . 11986 - وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَقَتَادَةَ قَالُوا : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا دِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . 11987 - لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قَالُوا لِدِينِ اللَّهِ . 11988 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي إليه فِي الْكِتَابِ ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . 11989 - وَكَذَلِك رَوَاهُ بَكْرُ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : حُنَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11990 - وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ قَتَادَةُ مِنْ مُطَرِّفٍ لِأَنَّ هَمَّامَ بْنَ يَحْيَى رَوَى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مُطَرِّفٍ ، وَلَكِنَّهُ حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ : عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ يَقُولُ : حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ فِيهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، لَمْ يَقُلْ مُسْلِمِينَ . 11991 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا قَالَ حُنَفَاءَ فَقَطْ . 11992 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عِنْدَهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي كُلَّهُمْ حُنَفَاءَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمِينَ . 11993 - فَدَلَّ هَذَا عَلَى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ أَنَّهُ ذَكَرَ مُسْلِمِينَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَسْقَطَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ . 11994 - وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عن هِشَام ، وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِيَاضٍ عَنِ النَّبِيِّ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) يَقُولُونَ فِيهِ مُسْلِمِينَ . 11995 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى حُنَفَاءَ فَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَذِي الْيَدَيْنِ فِي قَوْلِهِ حُنَفَاءَ قَالَا : حُجَّاجًا . 11996 - رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الْحَنِيفِيَّةُ حَجُّ الْبَيْتِ . 11997 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : حُنَفَاءَ مُتَّبِعِينَ . 11998 - هَذَا كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ : الْإِسْلَامُ ، وَيَشْهَدُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا آلِ عِمْرَانَ 67 . 11999 - وَقَالَ : هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ الْحَجِّ 78 . 12000 - قَالُوا : أَوَّلُ مَنْ تَسَمَّى مُسْلِمًا ، وَسَمَّى مَنِ اتَّبَعَهُ الْمُسْلِمِينَ ( إِبْرَاهِيمُ ) عَلَيْهِ السَّلَامُ . 12001 - فِي الْحَدِيثِ : خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ أَيْ سَالِمِينَ مِنْ آفَاتِ الْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ وَالْكُفْرِ . 12002 - قَالُوا : فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى : حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ . 12003 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مُوَحِّدِينَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي شَرِيعَتِهِ ، عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فِي نَفْيِ الشِّرْكِ وَدَفْعِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِسْلَامِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَشَرَعَ لَهُ مِنْهَاجًا ارْتَضَاهُ ، لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ يَنْفِي دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ حُنَفَاءُ عَلَى الِاتِّسَاعِ . 12004 - قَالَ الشَّاعِرُ ، وَهُوَ الرَّاعِي : أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا عَرَبٌ نَرَى لِلَّهِ فِي أَمْوَالِنَا حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلًا . 12005 - فَهَذَا قَدْ وَصَفَ الْحَنِيفِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ بِإِسْنَادٍ . 12006 - وَقَدْ قِيلَ : الْحَنِيفُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ يَخْتَتِنُ وَيَحُجُّ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَنِيفًا . 12007 - وَالْحَنِيفُ الْيَوْمَ : الْمُسْلِمُ ، وَيُقَالُ : إِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا لِأَنَّهُ كَانَ حَنَفَ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ مِنَ الْآلِهَةِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، أَيْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ وَمَالَ . 12008 - وَأَصْلُ الْحَنَفِ : مَيْلٌ مِنْ إِبْهَامَيِ الْقَدَمَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى صَاحِبَتِهَا . 12009 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : إِنَّهَا خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ وَعَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ يَعْنِي مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ . 12010 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِسْلَامُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ شِهَابٍ . 12011 - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ إنْ يَعْتِقَهُ وَهُوَ يَرْضَعُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي الْإِسْلَامَ . 12012 - وَعَلَى هَذَا الْفِعْلِ يَكُونُ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ يَقُولُ : خُلِقَ الطِّفْلُ سَلِيمًا مِنَ الْكُفْرِ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا عَلَى الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِهِ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى الْأَعْرَافِ 172 . 12013 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ الْإِسْلَامَ ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ ، وَالْفِطْرَةُ لَهُ مَعَانٍ وَوُجُوهٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَإِنَّمَا أَجَزَأَ الطِّفْلُ الْمُرْضِعُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ عِتْقَهُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ ، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَا يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى . 12014 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي : عَلَى الْبِدَايَةِ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا ، أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِالْحَيَاةِ لِلْمَوْتِ وَلِلشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ إِلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ مِنْ مُيُولِهِمْ عَنْ آبَائِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ مَا لَا بُدَّ مِنْ مَصِيرِهِمْ إِلَيْهِ . 12015 - قَالُوا : وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبَدْأَةُ ، وَالْفَاطِرُ الْمُبْدِئُ وَالْمُبْتَدِئُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مَوْلُودٍ يُوَلَدُ عَلَى مَا ابْتَدَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ مِمَّا يَصِيرُ إِلَيْهِ . 12016 - وَذَكَرُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمْ أَكُنْ أَدْرِي مَا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَاطِرٍ 1 . حَتَّى أَتَانَا أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا فَطَرْتُهَا ، أَيِ ابْتَدَأْتُهَا . 12017 - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 29 ، 30 مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ . 12018 - وَذَكَرُوا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بَعْضِ دُعَائِهِ اللَّهُمَّ جَبَّارَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا . 12019 - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ : وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَبِيهٌ بِمَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنَّهُ قَالَ : يُفَسِّرُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 12020 - قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : قَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ . 12021 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 12022 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ( الْأَعْرَافِ 29 ، 30 ) قَالُوا : شَقِيًّا وَسَعِيدًا . 12023 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُبْعَثُ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا وَالْكَافِرُ كَافِرًا . 12024 - وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ) قَالُوا : عَادُوا إِلَى عِلْمِهِ فِيهِمْ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ( 30 مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ) . 12025 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : مَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَهُ لِلضَّلَالَةِ سَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَةِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى ، وَمَنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) خَلْقَهُ عَلَى الْهُدَى سَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ . ابْتَدَأَ خَلْقَ إِبْلِيسَ عَلَى الضَّلَالَةِ وَعَمِلَ بِعَمَلِ السُّعَدَاءِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى مَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنَ الضَّلَالَةِ . 12026 - قَالَ : وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَابْتَدَأَ خَلْقَ السَّحَرَةِ عَلَى الْهُدَى وَعَمِلُوا بِعَمَلِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ ، ثُمَّ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْهُدَى وَالسَّعَادَةِ وَتَوَفَّاهُمْ عَلَيْهَا . 12027 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ يَقُولُ : فَأَقَرَّتْ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَجْسَادُهَا . 12028 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الْحَدِيثَ عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ . 12029 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ 29 مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، وَلَا فِي أَنَّ اللَّهَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) يَخْتِمُ لِلْعَبْدِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ حِينَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ حِينَ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا بِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْعُقُولُ إِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْقِلُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا . 12030 - وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ أَنَّ النَّاسَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ فِيهِ كَانَ رَفَّاعًا . 12031 - عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلَهُ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَيْ : يُولَدُ لِيَكُونَ مُؤْمِنًا وَيُولَدُ لِيَكُونَ كَافِرًا عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ . 12032 - وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ أَكْثَرُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي حِينَ طُفُولَتِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ جَنَّةً أَوْ نَارًا أَوْ يَفْعَلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا . 12033 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِيثَاقًا حِينَ حَلَّفَهُمْ فَقَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ ) قَالُوا جَمِيعًا : بَلَى . 12034 - فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَقَالُوا : بَلَى ، عَلَى مَعْرِفَةٍ بِهِ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فَقَالُوا : بَلَى ، كُرْهًا لَا طَوْعًا . 12035 - قَالَ : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُ الله تَعَالَى : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا . 12036 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ . 12037 - قَالَ الْمَرْوَزِيُّ : سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . 12038 - قَالَ إِسْحَاقُ : يَقُولُ لَا تَبْدِيلَ لِخِلْقَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ يَعْنِي مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ . 12039 - وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . 12040 - قَالَ إِسْحَاقُ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ ، فَاسْتَنْطَقَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ لَا تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ . 12041 - وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ أَيْضًا بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ أَنَّهُ كَانَ طُبِعَ كَافِرًا ، وَبِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا ) . 12042 - وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12043 - وَسُئِلَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَوْلِهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَقَالَ : هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ . 12044 - وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ إِسْحَاقَ . 12045 - وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ حِينًا يَقُولُ بِهِ وَحِينًا يَحِيدُ عَنْهُ . 12046 - وَقَدْ تَقَصَّيْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْأَثَرِ الْآثَارَ الشَّاهِدَةَ لِأَقْوَالِهِمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12047 - وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَمُنْكِرُونَ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . 12048 - قَالُوا : مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ شَيْئًا قَطُّ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ وَمَا خَلَقَهُمْ قَطُّ إِلَّا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، وَمَا اسْتَخْرَجَ قَطُّ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ دُونَهُ مُخَاطَبٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَأَحْيَاهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . 12049 - قَالُوا : وَكَيْفَ يُخَاطِبُ اللَّهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ ؟ وَكَيْفَ يُجِيبُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ؟ وَكَيْفَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمِيثَاقٍ لَا يَذْكُرُونَهُ ؟ وَهُوَ ( تَعَالَى ذِكْرُهُ ) لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا نَسُوا . 12050 - قَالُوا : وَلَا نَجِدُ أَحَدًا يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ عُرِضَ لَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ . 12051 - قَالُوا : وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) بِقَوْلِهِ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ إِخْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا وَخَلْقَهِ لَهُمْ ، وَإِقَامَتَهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِأَنْ فَطَرَهُمْ وَنَبَّأَهُمْ فِطْرَةً إِذَا بَلَغُوا وَعَقَلُوا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ . 12052 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَخْرَجَ الذَّرِّيَّةَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا جَعَلَ فِي عُقُولِهِمْ مِمَّا تُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ حَتَّى صَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قِيلَ لَهُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى . 12053 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَالَ لَهُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ عَلَى أَلْسَنَةِ أَنْبِيَائِهِ . 12054 - وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ الْحَدِيثَ الْمَأْثُورَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ لِلْآيَةِ . 12055 - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا كُلِّهِ فِي الْمَعْرِفَةِ هَلْ تَقَعُ ضَرُورَةً أَوِ اكْتِسَابًا ؟ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . 12056 - وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَا وَصَفْنَا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 12057 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَطْفَالِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَوْلَادُ النَّاسِ كُلُّهُمُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرِينَ إِذَا مَاتُوا أَطْفَالًا صِغَارًا لَمْ يَبْلُغُوا فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) يُصَيِّرُهُمْ إِلَى مَا شَاءَ مِنْ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 12058 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَطَّأُ مَالِكٍ ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَسَبَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ إِلَى أَهْلِ الْأَخْبَارِ . 12059 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 12060 - وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةً يَا رَبِّ عَلَقَةً يَا رَبِّ مُضْغَةً ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ : أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌ أَمْ سَعِيدٌ ؟ وَمَا الرِّزْقُ وَمَا الْأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . 12061 - وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ ابْنَ آدَمَ يَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَذْكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ مَا الْأَجَلُ وَمَا الْأَثَرُ ؟ فَيُوحِي اللَّهُ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، حَتَّى إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قِيدَ ذِرَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ أَوْ قِيدُ ذِرَاعٍ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الَّذِي سَبَقَ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ . 12062 - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12063 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 12064 - وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ وَطُرُقُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ ، وَهِيَ أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ مِنْ كُلِّ مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12065 - وَمِنْ جِهَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَيْضًا حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ : طُوبَى لَهُ . عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَلَمْ يُدْرِكْهُ ذَنْبٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَهَا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ . 12066 - وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى وَفُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ . 12067 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ طُبِعَ كَافِرًا . 12068 - وَهَذَا خَبَرٌ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي مَرْفُوعًا إِلَّا رَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ الْهَمْدَانِيُّ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ . 12069 - وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِهِ إِلَى نَجْدَةَ الْحَرُورَيِّ حَيْثُ قَالَ لَهُ : وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَهُ الْخِضْرُ مِنَ الْغُلَامِ فَاقْتُلْهُمْ . 12070 - عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ رَجُلٌ وَكَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ . 12071 - وَهَذَا خِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي لَفْظِ الْغُلَامِ ، لِأَنَّ الْغُلَامَ عِنْدَهُمْ هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ يَقَعُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ اسْمُ الْغُلَامِ مِنْ حِينِ يَفْهَمُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ رَضِيعٌ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا وَيَفَاعًا إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، ثُمَّ يَصِيرُ حَزَوَّرًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . 12072 - وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ مَنَازِلَ سِنِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ هَمًّا فَانِيًا كَبِيرًا مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ . 12073 - وَقَدْ ذَكَرْنَا آثَارَ هَذَا الْبَابِ بِأَسَانِيدِهَا وَمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى طُرُقِهَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12074 - وَقَالَ آخَرُونَ ( وَهُمُ الْأَكْثَرُ ) : أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ . 12075 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ تُجَاوِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَقُولُونَ : لَا حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا فَيُقَالُ لَهُمْ : ادْخُلُوا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِي . 12076 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ الرَّحْمَةُ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ وَشُفِّعَ فِيهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَرْحُومًا قَبْلَهُ وَكَانَ أَرْفَعَ حَالًا وَأَسْلَمَ مِمَّنْ شُفِّعَ فِيهِ . 12077 - وَحَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِابْنِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُحِبُّهُ ؟ فَقَالَ : أَحَبَّكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أُحِبُّهُ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ ابْنُهُ ثُمَّ دَخَلَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا جَاءَهُ يَسْعَى يَفْتَحُهُ لَكَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لَنَا كُلِّنَا ؟ قَالَ : بَلْ لَكُمْ كُلُّكُمْ . 12078 - رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12079 - وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ أَن لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ . 12080 - وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : صِغَارُكُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ . 12081 - وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَبَلٍ تَكْفُلُهُمْ سَارَّةُ وَإِبْرَاهِيمُ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَفَعُوهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ . 12082 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، قَالَ : هُمْ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ . 12083 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ بِأَسَانِيدِهَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12084 - وَقَالَ آخَرُونَ : حُكْمُ الْأَطْفَالِ كُلِّهِمْ كَحُكْمِ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ بِإِيمَانِ آبَائِهِمْ وَكَافِرُونَ بِكُفْرِ آبَائِهِمْ ، فَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ . 12085 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ . 12086 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا فِي التَّبْيِيتِ وَالْغَارَةِ فَلَا قَوْدَ فِيهِمْ وَلَا دِيَةَ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ . 12087 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَلَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أُمَّنَا مَاتَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ تُقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا مِنْ عَمَلِهَا شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا قُلْنَا : إِنَّ أُمَّنَا وَأَدَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلِغِ الْحِنْثَ ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُخْتَنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَائِدَةُ وَالْمَوْؤودَةُ فِي النَّارِ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلَامَ فَيُغْفَرُ لَهَا . 12088 - وَرَوَى بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، قُلْتُ : فَلَا عَمَلَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ قُلْتُ : فَلَا عَمَلَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 12089 - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ غَيْرِ هَذَا هُمَا أَضْعَفُ مِنْ هَذَا . 12090 - وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُقَيْلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ بَهِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ زِيَادَةٌ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ شِئْتِ لَأَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيهِمْ فِي النَّارِ . 12091 - وَأَبُو عُقَيْلٍ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ . 12092 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) وَلَوْ صَحَّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا لِقَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ : لَئِنْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيهِمْ فِي النَّارِ . 12093 - وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَنْ مَاتَ وَصَارَ فِي النَّارِ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ ، وَالْأَوْلَى بِأَهْلِ النَّظَرِ أَنْ يَعْرِضُوا لِهَذِهِ الْآثَارِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مَجِيئًا مِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّهَادَةِ لِلْأَطْفَالِ كُلِّهِمْ بِالْجَنَّةِ . 12094 - وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ وَأَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَقَوْلِهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) لِنُوحٍ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ ، فَلَمَّا قِيلَ لِنُوحٍ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ يَمُوتُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِهَلَاكِهِمْ جَمِيعًا ، فَقَالَ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا . 12095 - وَهَذَا عِنْدِي لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ يَلِدُونَ الْفُجَّارَ وَالْكُفَّارَ وَلَا يَصِحُّ الْفُجُورُ وَالْكُفْرُ إِلَّا مِمَّنْ تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَقْلَامُ وَيَلْحَقُهُ التَّكْلِيفُ . 12096 - وَقَالَ آخَرُونَ : أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْلَادُ الْكُفَّارِ إِذَا مَاتُوا صِغَارًا فِي الْجَنَّةِ . 12097 - وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْنِي أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً . 12098 - وَحُجَّتُهُمْ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ خَنْسَاءَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي صَرِيمٍ عَنْ عَمِّهَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْأَنْبِيَاءُ فِي الْجَنَّةِ وَالشُّهَدَاءُ فِي الْجَنَّةِ وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالْوَلِيدُ فِي الْجَنَّةِ . 12099 - وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، فَقَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ . 12100 - وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ فَأَعْطَانِيهِمْ . 12101 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قِيلَ لِلْأَطْفَالِ اللَّاهِينَ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَاللَّهْوِ . وَاللَّعِبُ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ وَلَا قَصْدٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لَهَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا لَمْ أَعْتَقِدْهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ . 12102 - وَمِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ قَالَ : أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . 12103 - وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . 12104 - وَرَوَى أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ حَدِيثَ الرُّؤْيَا ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ قَالَ : فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ . 12105 - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ أَوْلَادُ النَّاسِ ، فَهَذَا يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ وَعُمُومُهُ جَمِيعَ النَّاسِ . 12106 - وَآثَارُ هَذَا الْبَابِ مُعَارِضَةٌ لِحَدِيثِ الْوَائِدَةُ وَالْمَوْؤودَةُ فِي النَّارِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ . 12107 - وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ وَجَبَ سُقُوطُ الْحُكْمِ بِهَا وَرَجَعَنَا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ إِلَّا بِذَنْبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ، وَقَوْلِهِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ . 12108 - وَآيَاتُ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَنِّي أَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، وَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُمْ وَلَكِنْ جَلَّ مَنْ تَسَمَّى بِالْغَفُورِ الرَّحِيمِ الرَّؤوفِ الْحَكِيمِ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ إِلَّا حَقِيقَةً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . 12109 - وَقَالَ آخَرُونَ : يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ . 12110 - وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَوْلُودِ قَالَ : يَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ : لَمْ يَأْتِ كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ، وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ : يَا رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا ، قَالَ : وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ : رَبِّ لَمْ أُدْرِكْ الْعَقْلَ وَالْعَمَلَ . قَالَ : فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمْ رُدُّوهَا وَادْخُلُوهَا . قَالَ : فَيَرِدُهَا أَوْ يَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ . قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) : إِيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ . 12111 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ . 12112 - وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِثْلُهُ وَمَعْنَاهُ . 12113 - وَهِيَ كُلُّهَا أَسَانِيدُ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَلَا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12114 - وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ ، وَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، وَلَا يَخْلُو أَمْرُ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا أَوْ غَيْرَ كَافِرٍ إِذَا لَمْ يَكْفُرُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَا رَسُولٍ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ كَافِرًا جَاحِدًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ ، فَكَيْفَ يُمْتَحَنُونَ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ وَلَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولٌ ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ أَنْ يَقْتَحِمَ النَّارَ وَهِيَ أَشَدُّ الْعَذَابِ ؟ وَالطِّفْلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ أَحْرَى بِأَنْ لَا يُمْتَحَنَ بِذَلِكَ . 12115 - وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ النَّظَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُمْ فِيهِ الْأَثَرُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا شَرِيكَ لَهُ . 12116 - وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ . 12117 - ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا أَوْ مُتَقَارِبًا حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَنْظُرُوا فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ . 12118 - قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ : أَيَسْكُتُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْجَهْلِ ؟ قُلْتُ : فَيَأْمُرُ بِالْكَلَامِ ؟ فَسَكَتَ . 12119 - وَذَكَرَ الْمَرْوَذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : مَاذَا كَانَ بَيْنَ قَتَادَةَ وَبَيْنَ حَفْصِ بْنِ عُدَيٍّ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ : وَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاسِمُ : إِذَا اللَّهُ نَهَى عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا وَقِفُوا عِنْدَهُ قَالَ : فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نَارًا فَأُطْفِئَتْ . 12120 - وَقَدْ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي الْقَدَرِ فَقَالَ : كِلَاكُمَا زَائِغٌ . 12121 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مَا بَلَغَنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ الْمَوْلُودُ عَلَيْهَا وَاخْتَصَرْنَا الْقَوْلَ لِأَنَّا بَسَطْنَاهُ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 12122 - وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ أَحْكَامُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَبَقِيَتْ أَحْكَامُهُمْ فِي الدُّنْيَا . 12123 - فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ هَاهُنَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا عَلِمْتُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الْأَطْفَالِ فِي الدُّنْيَا كَأَحْكَامِ آبَائِهِمْ مَا لَمْ يَبْلُغُوا ، فَإِذَا بَلَغُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ ، هَذَا فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَآبَائِهِمْ فِي الْمَوَارِيثِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّلَاةِ عَلَى أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا أَطْفَالِ الْحَرْبِيِّينَ فَإِنَّ حُكْمَهُمْ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ آبَائِهِمْ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ يَقْتُلُونَ وَهُمْ يُسْبَوْنَ وَلَا يُقْتَلُونَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الطِّفْلِ الْحَرْبِيِّ يُسْبَى وَمَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ يُسْبَى وَحْدَهُ . 12124 - فَذَهَبَ مَالِكٌ - فِي رِوَايَةِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الطِّفْلَ مِنْ أَوْلَادِ الْحَرْبِيَّيْنِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِنْ مَاتَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ لَمْ يَكُونَا حَتَّى يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ وَيُلَقَّنَهُ فَيُلَقَّنَهُ وَيُسْلِمُ . 12125 - وَهُوَ عِنْدَهُ أَنَّهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى دِينِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ . 12126 - وَمِنِ الْحُجَّةِ لِمَذْهَبِهِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَا دَامَ مَعَ أَبَوَيْهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ سِبَاءٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ . 12127 - فَكَذَلِكَ إِذَا سُبِيَ وَحْدَهُ لَا يَصِيرُ السَّبْيُ حُكْمَهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ . 12128 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ . 12129 - ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ تَمَّامٍ قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : إِنِّي بِخُرَاسَانَ أَبْتَاعُ السَّبْيَ فَيَمُوتُ بَعْضُهُمْ أَفَأُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : إِذَا صَلَّى فَصَلِّ عَلَيْهِ . 12130 - قَالَ الْفَزَارِيُّ : وَسَأَلَتْ هِشَامًا وَابْنَ عَوْنٍ عَنِ السَّبْيِ يَمُوتُونَ وَهُمْ صِغَارٌ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ هِشَامٌ : يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصَلُّوا . 12131 - وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجَشُونُ عَنْ أَبِيهِ ، وَمَالِكٍ الْمَخْزُومِيِّ ، وَابْنِ دِينَارٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ مِنَ السَّبْيِ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ عَلَى دِينِ أَبِيهِمْ إِنْ أَسْلَمَ أَبُوهُمْ كانوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ يَمُتْ عَلَى الْكُفْرِ فَهُمْ عَلَى دِينِهِ ، وَلَا يُعْتَدُّ فِيهِمْ بِدِينِ الْأُمِّ عَلَى حَالٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَبِيهِمْ وَبِهِ يُعْرَفُونَ . 12132 - قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : هَذَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمُ السِّبَاءُ فَيَقَعُونَ فِي قَسْمِ مُسْلِمٍ وَمِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالْقَسْمِ ، فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ بِالْبَيْعِ أَوِ الْقِسْمَةِ فَأَحْكَامُهُمْ حِينَئِذٍ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُوَارَثَةِ وَغَيْرِهَا . 12133 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ . 12134 - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الصِّبْيَانِ يَمُوتُونَ مِنَ السَّبْيِ بَعْدَ أَنِ اشْتُرُوا قَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يُبَاعُوا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ . 12135 - يُرِيدُ إِذَا كَانُوا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ فَمِلْكُهُ لَهُمْ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ حُكْمِ آبَائِهِمْ . 12136 - قَالَ ابْنُ الطَّبَّاعِ : عَلَى هَذَا فُتْيَا أَهْلِ الثَّغْرِ وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانِ بْنِ مُوسَى وَرِوَايَةُ الْحَارِثِ الْأَوْزَاعِيِّ . 12137 - وَذَكَرَ أَبُو الْمُغِيرَةِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا وَمَشْيَخَتَنَا يَقُولُونَ : مَا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ صِبْيَانِ الْعَدُوِّ فَمَاتُوا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ سَاعَةَ يَمْلِكُهُمُ الْمُسْلِمُونَ . 12138 - وَقَالَ تَمَّامُ بْنُ نَجِيحٍ : كُنْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بِأَرْضِ الرُّومِ وَهُوَ عَلَى السَّبْيِ ، فَكَانُوا يَمُوتُونَ صِغَارًا فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ ، فَقُلْتُ : أَلَيْسَ كَانَ يُقَالُ مَا أَحْرَزَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : ذَاكَ إِذَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ فَصَارَ فِي مِلْكِهِ . 12139 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ : حُكْمُ الطِّفْلِ حُكْمُ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَعَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدُهُمَا ، وَسَوَاءٌ الْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ وَلَا أَحَدُهُمَا فَصَارَ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَدِينُهُ دِينُ سَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ . 12140 - وَاخْتُلِفَ عَنِ الثَّوْرِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ : يُصَلَّى عَلَى الصَّبِيِّ إنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ كَافِرِينَ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَغْلَبُ عَلَيْهِ وَأَمَلَكُ بِهِ ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ . 12141 - وَقَالَ الْفَزَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ : إِذَا دَخَلُوا فِئَةَ الْمُسْلِمِينَ صَلِّي عَلَيْهِمْ وَإِذَا صَارُوا فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ صَلِّي عَلَيْهِمْ . 12142 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ وَحْدَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْإِسْلَامَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ . 12143 - وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ : لِأَنَّ دِينَ سَيِّدِهِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ دِينِ وَالِدَيْهِ ، وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ ، قَالَ : وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ إِذَا كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ غَائِبَيْنِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَا حَيَّيْنِ . 12144 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَيَخْتَلِفُونَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ . 12145 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا سُبِيَ مَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا . 12146 - قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ هُمْ يَلُونَهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ . 12147 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ جَازَ أَنْ يُفْدَى بِهِ مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ لَمْ يَجُزْ . 12148 - وَكَانَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الثُّغُورِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى أَبَوَيْهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ سَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ . 12149 - قَالَ : ثُمَّ جَعَلَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الْجَنَائِزِ · ص 126 571 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . 569 571 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ مَوْلُودٍ ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ ، صَرَّحَ بِهِ جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : كُلُّ بَنِي آدَمَ . وَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ) عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَوْلُودِينَ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَلِمُسْلِمٍ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَنْ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَهُ أَبَوَانِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ نَقَلَاهُ إِلَى دِينِهِمَا ، فَالتَّقْدِيرُ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَأَبَوَاهُ يَهُودِيَّانِ مَثَلًا فَإِنَّهُمَا يُهَوِّدَانِهِ ثُمَّ يَصِيرُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ . وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ . وَأَصْرَحُ مِنْهَا رِوَايَةُ : كُلُّ بَنِي آدَمَ ، وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ . وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ( سُورَةُ الرُّومِ : الْآيَةُ 30 ) الْإِسْلَامُ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فِطْرَةَ اللَّهِ ) الْآيَةَ . وَبِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، فَاخْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ فَقَالَ : حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ ، وَرُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ ( سُورَةُ الرُّومِ : الْآيَةُ 30 ) لِأَنَّهَا إِضَافَةُ مَدْحٍ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِلُزُومِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا الْإِسْلَامُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَحْنُونٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ الْمُرَادَ حِينَ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ فَقَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُؤَيِّدُهُ وُجُوهٌ ؛ أَحَدُهَا : أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْفِطْرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْهُودٍ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( فِطْرَةَ اللَّهِ ) وَمَعْنَى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ ) اثْبُتْ عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ . ثَانِيهَا : مَجِيءُ رِوَايَةٍ بِلَفْظِ الْمِلَّةِ بَدَلَ الْفِطْرَةِ وَالدِّينِ فِي قَوْلِهِ : ( لِلدِّينِ حَنِيفًا ) فَهُوَ عَيْنُ الْمِلَّةِ ، قَالَ تَعَالَى : دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 161 ) . ثَالِثُهَا : التَّشْبِيهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُعَايَنِ لِيُفِيدَ أَنَّ ظُهُورَهُ يَقَعُ فِي الْبَيَانِ مَبْلَغَ هَذَا الْمَحْسُوسِ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ تَمَكُّنُ النَّاسِ مِنَ الْهُدَى فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ وَالتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ الدِّينِ ، فَلَوْ تُرِكَ الْمَرْءُ عَلَيْهَا لَاسْتَمَرَّ عَلَى لُزُومِهَا وَلَمْ يُفَارِقْهَا إِلَى غَيْرِهَا ; لِأَنَّ حِسَّ هَذَا الدِّينِ ثَابِتٌ فِي النُّفُوسِ وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ لِآفَةٍ مِنَ الْآفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالتَّقْلِيدِ ، انْتَهَى . وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُتَأَهِّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ ، فَمَا دَامَتْ بَاقِيَةً عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتِ الْحَقَّ ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَعْلَمُ الدِّينَ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ( سُورَةُ النَّحْلِ : الْآيَةُ 78 ) وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فِطْرَتَهُ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَمَحَبَّتِهِ ، فَنَفْسُ الْفِطْرَةِ تَسْتَلْزِمُ الْإِقْرَارَ وَالْمَحَبَّةَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ قَبُولِ الْفِطْرَةِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَهْوِيدِ الْأَبَوَيْنِ مَثَلًا بِحَيْثُ يُخْرِجَانِ الْفِطْرَةَ عَنِ الْقَبُولِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، فَلَوْ خُلِّيَ وَعَدِمَ الْمُعَارِضُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُلَائِمُ بَدَنَهُ مِنَ ارْتِضَاعِ اللَّبَنِ حَتَّى يَصْرِفَهُ عَنْهُ الصَّارِفُ ، وَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَتِ الْفِطْرَةُ بِاللَّبَنِ بَلْ كَانَتْ إِيَّاهُ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا ، انْتَهَى . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْرِ ، فَكَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفِطْرَةَ بِالْعِلْمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَأَبَوَاهُ إِلَى آخِرِهِ مَعْنًى لِفِعْلِهِمَا بِهِ مَا هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا فَيُنَافِي التَّمْثِيلَ بِحَالِ الْبَهِيمَةِ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهِمُ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِنْكَارَ ، فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ قَالُوا جَمِيعًا بَلَى ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَطَوْعًا ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَكَرْهًا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ إِلَّا عَنِ السُّدِّيِّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَقِيلَ : الْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ أَيْ يُولَدُ سَالِمًا لَا يَعْرِفُ كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا ثُمَّ يَعْتَقِدُ إِذَا بَلَغَ التَّكْلِيفَ . وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ : إِنَّهُ يُطَابِقُ التَّمْثِيلَ بِالْبَهِيمَةِ وَلَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عِيَاضٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حُنَفَاءَ أَيْ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُقْتَصَرْ فِي أَحْوَالِ التَّبْدِيلِ عَلَى الْكُفْرِ دُونَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِاسْتِشْهَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْآيَةِ مَعْنًى ، وَقِيلَ اللَّامُ فِي الْفِطْرَةِ لِلْعَهْدِ أَيْ فِطْرَةِ أَبَوَيْهِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا ذُكِرَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَحَمَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَادَّعَى فِيهِ النَّسْخَ فَقَالَ : هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ وَالْأَمْرُ بِالْجِهَادِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كَأَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ مَثَلًا لَمْ يَرِثَاهُ ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا يَرِثَاهُ فَدَلَّ عَلَى تَغَيُّرِ الْحُكْمِ . وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ ، وَفِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَكَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ ، بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ ، فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءُ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْقَدَرِيَّةِ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ، وَلِذَا احْتَجَّ مَالِكٌ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، انْتَهَى . رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : سَمِعْتُ مَالِكًا ، وَقِيلَ لَهُ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ لَا يُضِلُّ أَحَدًا فَإِنَّمَا يُضِلُّ الْكَافِرَ أَبَوَاهُ ، فَأَشَارَ مَالِكٌ إِلَى رَدِّهِ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ إِيجَادِهِمْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْكِرُهُ غُلَاتُهُمْ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَهْلُ الْقَدَرِ إِنْ أَثْبَتُوا الْعِلْمَ خُصِمُوا ، ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ) زَادَ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَاءُ إِمَّا لِلتَّعْقِيبِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ جَزَاءُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ، فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ إِمَّا بِتَعْلِيمِهِمَا إِيَّاهُ أَوْ تَرْغِيبِهِمَا فِيهِ ، أَوْ كَوْنِهِ تَبَعًا لَهُمَا فِي الدِّينِ يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حَكَمُهُمَا ، وَخُصَّ الْأَبَوَانِ بِالذِّكْرِ لِلْغَالِبِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ حَكَمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الَّذِي يَمُوتُ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ فَقَالَ : اسْتَقَرَّ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِأَطْفَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَاسْتَشْكَلَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَقَعُ لَهُ التَّهَوُّدُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا يَبْقَى مُسْلِمًا لَا يَقَعُ لَهُ شَيْءٌ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ مِنْ ذَاتِ الْمَوْلُودِ وَمُقْتَضَى طَبْعِهِ بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبٍ خَارِجِيٍّ ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْحَقِّ . ( كَمَا تُنَاتَجُ ) بِفَوْقِيَّةٍ فَنُونٍ فَأَلِفٍ فَفَوْقِيَّةٍ فَجِيمٍ ، أَيْ يُولَدُ ( الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ ) بِضم الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْمَدِّ ، نَعْتٌ لِبَهِيمَةٍ ، أَيْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ بَدَنِهَا شَيْءٌ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَعْضَائِهَا ( هَلْ تُحِسُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ ، أَيْ تُبْصِرُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : هَلْ تَرَى ( فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ ، أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأَنْفِ أَوِ الْأُذُنِ وَالْأَطْرَافِ ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ أَيْ بَهِيمَةٍ تَقُولُ فِيهَا هَذَا الْقَوْلَ ، أَيْ كُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا قَالَهُ لِظُهُورِ سَلَامَتِهَا ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ : حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا . قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْلُودَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يُغَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ ، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُولَدُ تَامَّةً لَا جَدْعَ فِيهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، وَإِنَّمَا تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُغَيَّرُ خَلْقُهَا . وَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ : يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْوَلَدَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ فَلَوْ تُرِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَرِيًّا مِنَ الْعَيْبِ ، لَكِنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَطْعِ أُذُنِهِ مَثَلًا ، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاقِعٌ وَوَجْهٌ وَاضِحٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : كَمَا حَالَ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يُهَوِّدَانِهِ ، أَيْ يُهَوِّدَانِ الْمَوْلُودَ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ حَالَ كَوْنِهِ شَبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جُدِعَتْ بَعْدَ أَنْ خُلِقَتْ سَلِيمَةً ، أَوْ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يُغَيِّرَانِهِ مِثْلَ تَغْيِيرِهِمُ الْبَهِيمَةَ السَّلِيمَةَ ، وَقَدْ تَنَازَعَتْ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ فِي كَمَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ ) أَيْ أَخْبِرْنَا مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ ; لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا ، أَيْ قَدْ رَأَيْتَ ( الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ) لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ؟ ( قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ ، أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ الشَّيْءِ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ ؟ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَلْ ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا مَا يَقْتَضِي تَعْذِيبَهُمْ ضَرُورَةَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا لِأَجْلِ الْأَعْمَالِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، بَلِ الْمُوجِبُ لَهُمَا اللُّطْفُ الرَّبَّانِيُّ وَالْخِذْلَانُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّرُ لَهُمَا فِي الْأَزَلِ ، فَالْأَوْلَى فِيهِمَا التَّوَقُّفُ وَعَدَمُ الْجَزْمِ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ مَوْكُولَةٌ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ فِيمَا يَعُودُ إِلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا ، وَتَوَقَّفَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي مُسْلِمٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ لِجِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْتُ : طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، فَقَالَ : أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ . وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ ، أَوْ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ . انْتَهَى . وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْخِلَافُ فِي غَيْرِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ . انْتَهَى . وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهِمْ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَمَّادِينَ وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ مَالِكٍ وَلَا نَصَّ عَنْهُ لَكِنْ صَرَّحَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ . ثَانِيهَا : أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنِ الْأَزَارِقَةِ وَالْخَوَارِجِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وِلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فِي الْجَنَّةِ ، وَعَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالَ : فِي النَّارِ ، فَقُلْتُ : لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَالَ ، قَالَ : رَبُّكِ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، لَوْ شِئْتِ أَسْمَعْتُكِ تَضَاغِيَهُمْ فِي النَّارِ . وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَبَا عَقِيلٍ مَوْلَى بُهَيَّةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . ثَالِثُهَا : أَنَّهُمْ فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إِذْ لَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ يَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ وَلَا سَيِّئَاتٍ يَدْخُلُونَ بِهَا النَّارَ . رَابِعُهَا : أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، رَوَى الطَّيَالِسِيُّ ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَالْبَزَّارُ مَرْفُوعًا : أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . خَامِسُهَا : يَصِيرُونَ تُرَابًا . سَادِسُهَا : فِي النَّارِ ، حَكَاهُ عِيَاضٌ ، عَنْ أَحْمَدَ وَغَلَّطَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ، وَلَا يُحْفَظُ عَنِ الْإِمَامِ أَصْلًا ، وَهُوَ غَيْرُ الثَّانِي ; لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِآبَائِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ آبَائِهِمْ ، كَمَا أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ لَا مَعَ الْكُفَّارِ . سَابِعُهَا : يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ تُرْفَعَ لَهُمْ نَارٌ فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ أَبَى عُذِّبَ . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ . وَقَدْ صَحَّتْ مَسْأَلَةُ الِامْتِحَانِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ ، وَتُعُقِّبُ بِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ فَلَا عَمَلَ فِيهَا وَلَا ابْتِلَاءَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ . وَأَمَّا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( سُورَةُ الْقَلَمِ : الْآيَةُ 42 ) ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ النَّاسَ يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ فَيَصِيرُ ظَهْرُ الْمُنَافِقِ طَبَقًا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْجُدَ . ثَامِنُهَا : الْوَقْفُ . تَاسِعُهَا : الْإِمْسَاكُ . وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا دِقَّةٌ . عَاشِرُهَا : أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 15 ) وَإِذَا لَمْ يُعَذِّبِ الْعَاقِلَ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ فَأَوْلَى غَيْرُهُ ، انْتَهَى . وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّيْخَ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاذٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدُ فَقَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَتْ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 164 ) فَقَالَ : هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَقَالَ : فِي الْجَنَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَبُو مُعَاذٍ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ الْبَابِ لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .