653 - حَدِيثٌ سَابِعٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ بِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ ، وَبِقَوْلِهِ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ . وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هَاهُنَا . وَرِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَقَالَ فِيهِ مَعْمَرٌ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ ، وَفِي ذَلِكَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لِمَنِ ابْتَدَأَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي الْحَضَرِ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَرَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ إِنْ صَامَ بَعْضَهُ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ فِي سَفَرِهِ . رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدُ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ وَتَأَوَّلَ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَلَى سَفَرٍ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُسَافِرٌ ، فَفِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ كُلَّهُ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ أَنْ صَامَ بَعْضَهُ فِي الْحَضَرِ مُقِيمًا ، وَكَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْهُ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِيهَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِيهِ جَوَازُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَجَوَازُ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْفِطْرَ عَزْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَهُوَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْخَالِفِينَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَمْ يَعِبْ هَذَا عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . وَحَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ فِي السَّفَرِ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . وَذَكَرْنَا فِي بَابِ سُمَيٍّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ ؛ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ . وَالْآثَارُ بِهَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمُسَافِرَ بِالْخِيَارِ ؛ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ حُمَيْدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفِطْرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ إِنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَوَى الْفِطْرَ فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ سَفَرِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى أَتَى إِلَى مَكَّةَ . وَهَذَا لَا بَيَانَ فِيهِ لِمَا تَأَوَّلُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْهُ صَدْرٌ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ بِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ، فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ ثُمَّ شَرِبَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ! قَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . حَدَّثَنَاه عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، وَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسَافِرِ يُفْطِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ . وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَهُوَ قَوْلُ الْمَخْزُومِيِّ وَأَشْهَبَ وَابْنِ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، إِلَّا الْبُوَيْطِيَّ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ : مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ فِي سَفَرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمَ الْكَدِيدِ ، فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ لَهُمَا جَمِيعًا أَنْ يُفْطِرَا . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الَّذِي يَخْرُجُ فِي سَفَرِهِ - وَقَدْ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ - فَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ . وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ إِنْ جَامَعَ ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلَّذِي يُصْبِحُ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ يُسَافِرُ أَنْ يُفْطِرَ وَلَمْ يَرَهُ إِثْمًا إِنْ أَفْطَرَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ دَاوُدُ وَالْمُزَنِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَقَوْلُهُمَا شُذُوذٌ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ : يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ مُسَافِرًا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ ، وَسَتَأْتِي مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ بِأَسَدَّ اسْتِيعَابٍ فِي بَابِ سُمَيٍّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ السَّابِعُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ · ص 64 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عباس في خروج النبي إلى مكة عام الفتح صائما ثم أفطر وأمره الناس بذلك · ص 63 653 ( 7 ) بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 613 - ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ ; فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ ، فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 614 - وَذَكَرَ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ النَّاسَ فِي سَفَرِهِ - عَامَ الْفَتْحِ - بِالْفِطْرِ ، وَقَالَ : تَقَوُّوا لِعَدُوِّكُمْ وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ الَّذِي حَدَّثَنِي : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ . ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكَدِيدِ ، دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ . 615 - وَذَكَرَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; أَنَّهُ قَالَ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . 616 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ ، قَالَ : لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ . 617 - وَذَكَرَ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ . 618 - وَذَكَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ ، وَنُسَافِرُ مَعَهُ ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ ، وَنُفْطِرُ نَحْنُ . فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ . 13934 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ : إِنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ . 13935 - وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخًا وَمَنْسُوخًا . 13936 - وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ . 13937 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ . 13938 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ . 13939 - وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ صَوْمُهُ فِي الْحَضَرِ ، وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ . 13940 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَمَنْ قَالَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 13941 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . 13942 - رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ . 13943 - وَبِهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ . 13944 - وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَدْفَعُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَتَقْضِي بِجَوَازِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ إِنْ شَاءَ ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وِإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ . 13945 - وَعَلَى التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 13946 - وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أَنَّهُ مَنِ اسْتَهَلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 13947 - وَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ مُسَافِرًا أَفْطَرَ ، وَعَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ . 13948 - رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . 13949 - وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ . 13950 - كَذَا ، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَا بُدَّ فَلْيَصُمْ . 13951 - وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ ; لِسَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، وَإِفْطَارِهِ فِيهِ . 13952 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِطْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . 13953 - فَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَقَدَّمَ الْفِطْرَ فِي لَيْلَةٍ ، فَتَمَادَى عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ . 13954 - وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ إِنِ اخْتَارَ الْفِطْرَ إِنْ بَيَّتَهُ فِي سَفَرِهِ . 13955 - وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ بَعْدَ أَنْ مَضَى صَدْرٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الصَّائِمَ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي سَفَرِهِ . 13956 - وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَافَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَاشْتَدَّ الصَّوْمُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَهِيمُ بِهِ تَحْتَ الشَّجَرِ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِ فَدَعَا لَبَنًا ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ عَلَى يَدِهِ أَفْطَرُوا . 13957 - وَبِحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ; فَصَامَ النَّاسُ وَهُمْ مُشَاةٌ وَرُكْبَانٌ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا فَعَلْتَ ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضٌ ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ صَامَ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ . 13958 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَخْتَارُ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَيُبَيِّتُ الصِّيَامَ ، وَيَبِيتُ صَائِمًا ، ثُمَّ يُفْطِرُ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ : فَكَانَ مَالِكٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ أَفَطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ . 13959 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ فَإنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ وَلَا عُذْرَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ; لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَرِهِ . 13960 - وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ : إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ . 13961 - وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُفْطِرُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ كُرَاعِ الْغَمِيمِ ، لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْمَسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ . 13962 - وَرَوَى عَنْهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ . 13963 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ وَاضِحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ جَابِرٍ ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ غَيْرُ هَاتِكٍ لِحُرْمَةِ صَوْمِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ قَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ إِبَاحَةِ الْفِطْرِ . 13964 - وَأَمَّا حَدِيثُ سُمَيٍّ فَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعَ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ - فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . 13965 - وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَجَابِرٌ . 13966 - وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ ، أَنَّ الْمُسَافِرَ جَائِزٌ لَهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَمَّنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ . 13967 - وَأَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، فَإِنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ ، زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . فَقَالَ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَافِرُونَ ، فَيَصُومُ بَعْضُهُمْ وَيُفْطِرُ بَعْضُهُمْ ; فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ . . لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَنَّهُ كَانَ شَاهَدَهُمْ فِي حَالِهِمْ تِلْكَ . 13968 - وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِالْأَثَرِ ، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ : أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، كُلُّهُمْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ حَدِيثِ مَالِكٍ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . سَوَاءً . 13969 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ . 13970 - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ أَنَسٍ . 13971 - وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ، مِنَّا الصَّائِمُ ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، فَلَا يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا . 13972 - وَمِنْ هُنَا ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ مَا قَالَهُ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ الْقَطَّانِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ قَدْ كَتَبْنَاهَا عَنْ شُيُوخِنَا ، وَفِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا ذُكِرَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْحُفَّاظُ أَوْلَى . 13973 - وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ : رَدُّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّائِمَ فِي السَّفَرِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ . 13974 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَائِلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . 13975 - وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . 13976 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَعِبْ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ، وَلَا عَلَى مَنْ صَامَ . فَثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وَوَجَبَ التَّسْلِمُ لَهُ . 13977 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ أَوِ الصَّوْمِ فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13978 - فَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . 13979 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، قَالَا : الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَحَبُّ إِلَيْنَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَدْلَلْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوهُ إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ . 13980 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ . 13981 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ . 13982 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ أَحَبُّ إِلَيْهِ . 13983 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الرُّخْصَةَ أَفْضَلُ . 13984 - وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ ; لِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ 13985 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ ، عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ فَاقْبَلُوهَا . 13986 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَسَافِرِ : إِنْ شَاءَ صَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ . 13987 - وَهُوَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأبي سَعِيدٍ . 13988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ حُذَيْفَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَبُو وَائِلٍ يَصُومُونَ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ . 13989 - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَمِيلُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ مِنَ الْإِثْمِ ، يَذْكُرُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُ فِي السَّفَرِ . 13990 - فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ لَفْظُهُ عَلَى بَعْضٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَائِمٌ ، قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَقَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ، أَيْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ يَبْلُغَ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ ، وَاللَّهُ قد رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ . 13991 - حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِمٌ . فَقَالَ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ . 13992 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي إِذَا بَلَغَ الصَّوْمُ مِنْ أَحَدِكُمْ هَذَا الْمَبْلَغَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . 13993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ صَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ إِثْمًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ . 13994 - وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ هُوَ أَبَرُّ الْبِرِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِفْطَارُ أَبَرَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ لِيَقْوَى عَلَيْهِ . 13995 - وَقَدْ يَكُونُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِرًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ . 13996 - وَقَوْلُهُ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ سَوَاءٌ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ - تُرِيدُ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ - . 13997 - وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قِيلَ : فَمَنِ الْمِسْكِينِ ؟ قَالَ : الَّذِي سُئِلَ وَلَا عَلَيْهِ . 13998 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي . . . الْحَدِيثَ . 13999 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَّافَ مِسْكِينٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ 14000 - وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطَّوَّافَ مِنْهُمْ ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ السَّائِلُ بِأَشَدِّ النَّاسِ مَسْكَنَةً ; لِأَنَّ الْمُتَعَفِّفَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ أَشَدُّ مَسْكَنَةً مِنْهُ . 14001 - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ الْفِطْرَ فِيهِ بَرٌّ أَيْضًا لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا وَقَفَ الْمِسْكِينُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَبَرَّهُ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ . 14002 - فَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْيِيرِ . 14003 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ 14004 - وَدَلِيلٌ آخَرُ ، أَنَّ الْمَرِيضَ الْحَامِلَ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا صَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 14005 - وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ يَحْيَى رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو وَسَائِرَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14006 - كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ، مِنْهُمْ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَمْزَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ; كُلُّهُمْ ذَكَرُوا فِيهِ عَائِشَةَ . 14007 - وَرَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ . 14008 - وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عُمَرَ . 14009 - وَأَبُو الْأَسْوَدِ ثَبَتٌ فِي عُرْوَةَ ، وقَدْ خَالَفَ هِشَامًا فَجَعَلَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو . وَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ . 14010 - وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ تَدُلُّ أَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى لَيْسَتْ بِخَطَأٍ . 14011 - وَقَدْ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ، وَسِنُّهُ قَرِيبٌ مِنْ سِنِّ عُرْوَةَ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِعُرْوَةَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ أَبِي مُرَاوِحٍ جَمِيعًا عَنْ حَمْزَةَ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَرْسَلَهُ أَحْيَانًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 14012 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي سَفَرِهِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالصِّيَامِ . 14013 - وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . 14014 - رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ : دَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَسَأَلَهُمَا عَنِ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : نَصُومُ . وَقَالَ سَالِمٌ : لَا نَصُومُ . فَقَالَ عُرْوَةُ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ سَالِمٌ : إِنَّمَا أُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَلَمَّا امْتَرَيَا ، قَالَ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ، أَصُومُهُ فِي الْيُسْرِ ، وَأُفْطِرُهُ فِي الْعُسْرِ . 14015 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ فِي السَّفَرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بَأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ مَضَتِ الْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ . 14016 - وَكَانَ عُرْوَةُ أَحَدَ الْمُخْتَارِينَ لِلصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ · ص 245 7 - بَاب مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 651 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 7 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ 653 651 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَإِسْكَانِ الْفَوْقِيَّةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ) قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : هَذَا مِنْ مُرْسَلَاتِ الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُقِيمًا مَعَ أَبَوَيْهِ بِمَكَّةَ فَلَمْ يُشَاهِدْ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي ) يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ ( رَمَضَانَ ) سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، ( فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى فَتَحْتِيَّةٍ فَمُهْمَلَةٍ ، مَوْضِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعُ مَرَاحِلَ أَوْ نَحْوُهَا ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةٌ أَوْ مَرْحَلَتَانِ وَهَذَا تَعْيِينٌ لِلْمَسَافَةِ ، فَلَا يُنَافِي رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، الْكَدِيدُ : الْمَاءُ الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ ، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ بَيْنِ عُسْفَانَ وَأَمَجَ ؛ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَجِيمٍ خَفِيفَةٍ ، اسْمُ وَادٍ بِقُدَيْدٍ ، ( ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ ) مَعَهُ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ ، وَقِيلَ لَهُ : إِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَشَرِبَ فَأَفْطَرَ فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ : إِنْ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : إِلَى فِيهِ فَأَفْطَرَ ، وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضْعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ رَاحِلَتِهِ بِالشَّكِّ فِيهِمَا ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَعَا بِاللَّبَنِ مَرَّةً وَبِالْمَاءِ مَرَّةً ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّعَدُّدِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا شَكَّ الرَّاوِي ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ بِالْمَاءِ ، وَأَبْعَدَ الدَّاوُدِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : كَانَتْ قِصَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي الْفَتْحِ وَالْأُخْرَى فِي حُنَيْنٍ ، ا هـ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَاحْتَجَّ بِهِ مُطَرِّفٌ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ ؛ أَيْ : لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، فَلَمَّا اخْتَارَ الصَّوْمَ وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ أَفْطَرَ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْعَدُوِّ وَالْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ لَهُ وَلَهُمْ . ( وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ ، قَالَ عِيَاضٌ : إِنَّمَا يَكُونُ نَاسِخًا إِذَا لَمْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ ، أَوْ يَكُونُ الْأَحْدَثُ مِنْ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، أَمَّا فِيهَا أَعْنِي قَضِيَّةَ الصَّوْمِ فَلَيْسَ بِنَاسِخٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ شِهَابٍ مَالَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَنْعَقِدُ كَقَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عَنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّمَا يَكُونُ الْأَحْدَثُ نَاسِخًا إِذَا عُلِمَ كَوْنُهُ نَاسِخًا ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ الْأَحْدَثُ رَاجِحًا مَعَ جَوَازِهِمَا ، وَإِلَّا فَقَدْ طَافَ عَلَى الْبَعِيرِ وَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ طَوَافَ الْمَاشِي وَالْوُضُوءَ ثَلَاثًا أَرْجَحُ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَتَابَعَهُ اللَّيْثُ ، وَيُونُسُ ، وَمَعْمَرٌ ، وَعُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ .