668 حَدِيثٌ ثَالِثٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ : يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ الْأَضْحَى . ( قَالَ أَبُو عُمَرَ ) : قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ . وَصِيَامُ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا لِمُتَطَوِّعٍ وَلَا لِنَاذِرٍ ، وَلَا لِقَاضٍ فَرْضًا ، وَلَا لِمُتَمَتِّعٍ لَا يَجِدُ هَدْيًا ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يُصُومَهُمَا ( وَهُوَ ) إِجْمَاعٌ لَا تَنَازُعَ فِيهِ ، فَارْتَفَعَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ ، وَهُمَا يَوْمَانِ حَرَامٌ صِيَامُهُمَا ، فَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ نَذَرَ مَعْصِيَةً ، وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ ، وَلَوْ نَذَرَ نَاذِرٌ صِيَامَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ( صِيَامًا بِعَيْنِهِ ) مِثْلَ صِيَامِ سِتَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يَصُومَهُمَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهِمَا ، فَفِي ( أَحَدِ ) قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَجَمَاعَةٍ : لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا ( وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ صَاحِبِ مَالِكٍ ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَقْضِيهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، والْأَوْزَاعِيِّ ، وَآخِرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَقْضِيهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَقْضِيَهُمَا وَلَا يَصُومَهُمَا ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَقْضِيهُمَا ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَقْضِيهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَقْضِيَهُمَا ، وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَقْضِيهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَصُومَهُمَا ، رَوَى الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَالرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ذَا الْحِجَّةِ : فَإِنَّهُ يُفْطِرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ وَيَقْضِي ، وَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَأَيَّامَ النَّحْرِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَصُومَهَا ، قَالَ : ثُمَّ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ أَوْجَبَ صِيَامَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ : يَقْضِي أَيَّامَ الذَّبْحِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا قَضَاءَ لَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَقْضِيَهُ ، فَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ ، وَلَا يَدَعُهُ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ صِيَامَ سَنَةٍ : أَنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا لِمَكَانِ رَمَضَانَ ، وَيَوْمَيْنِ لِمَكَانِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ، وَيَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَقَالَ : الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ ، وَتَقْضِي أَيَّامَ الْحَيْضِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى أَنَّهُ يُفْطِرُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا خِلَافُ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنِّي أَحْسَبُ أَنَّهُ جَعَلَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ كَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ سِنَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ فِي سِنَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ أَبَدًا لَا يَخْلُو أَنْ يَدْخُلَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي نَذْرِهِ أَوْ لَا يَدْخُلَ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي نَذْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ إِلَى نَذْرِ صَوْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَنَذْرُ ذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَسْقُطُ الِاعْتِكَافُ عَمَّنْ نَذَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِنِ اعْتَكَفَ يُجْزِئِهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَكِفُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ اعْتَكَفَ ، وَلَمْ يَصُمْ وَأَجْزَأَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ يَرَى الِاعْتِكَافَ جَائِزًا بِغَيْرِ صَوْمٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَعْتَكِفُ يَوْمًا مَكَانَهُ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيُكَفِّرُ ( مَكَانَهُ ) عَنْ يَمِينِهِ إِنْ أَرَادَ يَمِينًا . وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي بَابِ مُرْسَلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى · ص 26 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة في نهي النبي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى · ص 141 668 ( 12 ) بَابُ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ 628 - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ : يَوْمِ الْفِطْرِ ، وَيَوْمِ الْأَضْحَى . 629 - وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ ، إِذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهَا ، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ ، فِيمَا بَلَغَنَا . قَالَ : وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 14302 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : صِيَامُ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ : لَا لِمُتَطَوِّعٍ ، وَلَا لِنَاذِرٍ ، وَلَا لِقَاضٍ ، فَرْضًا أَنْ يَصُومَهُمَا ، وَلَا لِمُتَمَتِّعٍ لَا يَجِدُ هَدْيًا ، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ النَّاسِ . 14303 - وَهُمَا يَوْمَانِ حَرَامٌ صِيَامُهُمَا ، فَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ نَذَرَ مَعْصِيَةً ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ . 14304 - وَلَوْ نَذَرَ نَاذِرٌ صِيَامَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ صِيَامًا بِعَيْنِهِ مِثْلَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ، فَوَافَقَ هَذَا الْيَوْمُ فِطَرًا أَوْ أَضْحًى ، فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَائِهَا . 14305 - فَفِي أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَزُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ ، وَجَمَاعَةٍ : لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا . 14306 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ صَاحِبِ مَالِكٍ . 14307 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ يَقْضِيهِمَا . 14308 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَآخِرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 14309 - وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَقْضِيَهُمَا ، وَلَا يَصُومَهُمَا . 14310 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . 14311 - ( أَحَدُهَا ) ، أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِمَا . 14312 - ( وَالْآخَرُ ) ، أَنَّهُ يَقْضِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَقْضِيَهُمَا . 14313 - ( وَالثَّالِثُ ) ، أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَصُومَهُمَا . 14314 - وَرَوَى الرِّوَايَةَ الْأُولَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَالرِّوَايَتَانِ الْأُخْرَيَانِ رَوَاهُمَا : ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْهُ . 14315 - قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَوْلُهُ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَقْضِيَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ . 14316 - فَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الَّذِي لَيْسَ فِيِهِ ذَبْحٌ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ وَلَا يَدَعُهُ . 14317 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ صِيَامَ سَنَةٍ - أَنَّهُ يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ صِيَامَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا لِمَكَانِ رَمَضَانَ ، وَيَوْمَيْنِ لِمَكَانِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ، وَيَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ . 14318 - وَقَالَ : الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ ، وَتَقْضِي أَيَّامَ الْحَيْضِ . 14319 - وَرُوِيَ عَنْهُ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَوَافَقَ ذَلِكَ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى ، أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ . 14320 - وَهَذَا خِلَافُ الْأَوَّلِ ، إِلَّا أَنِّي أَحْسَبُ أَنَّهُ جَعَلَ الِاثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ فِي سَنَةٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا . 14321 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ أَبَدًا لَا يَخْلُو أَنْ يَدْخُلَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِي نَذْرِهِ أَوْ لَا يَدْخُلُ ; فَإِنْ دَخَلَ فِي نَذْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ إِلَى نَذْرِ صَوْمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَنَذْرُهُ ذَلِكَ بَاطِلٌ . وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ . 14322 - وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَسْقُطُ الِاعْتِكَافُ عَمَّنْ نَذَرَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ . 14323 - وَأَمَّا صِيَامُ الدَّهْرِ لِمَنْ أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصِيَامِهَا ، فَمُبَاحٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا أَنَّ الصِّيَامَ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ ، وَفِي نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِ أَيَّامٍ ذَكَرَهَا عَلَى إِبَاحَةِ مَا سِوَاهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 14324 - وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ صِيَامَ الدَّهْرِ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ ؟ فَقَالَ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ 14325 - وَيُرْوَى : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ . 14326 - أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . 14327 - وَهَذَا عِنْدِي عَلَى الِاخْتِيَارِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لَا عَلَى شَيْءٍ يَلْزَمُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ · ص 265 12 - بَاب صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ 666 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ ؛ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ ، إِذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهَا وَهِيَ : أَيَّامُ مِنًى ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ فِيمَا بَلَغَنَا قَالَ : وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . 12 - بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ 668 666 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ الثَّقِيلَةِ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ ؛ ( يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى ) فَصِيَامُهُمَا حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ مُتَطَوِّعٍ وَنَاذِرٍ وَقَاضٍ فَرْضًا وَمُتَمَتِّعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَصُومُهُمَا مَنْ نَذَرَهُمَا لِحَدِيثِ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ أَحَدِ الْعِيدَيْنِ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْضِي وَإِنْ صَامَهُ أَجْزَأَهُ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ حَدِيثُ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَقَضَاؤُهُ لَيْسَ مِنْ لَفْظِ النَّاذِرِ فَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِ . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْجُمْهُورَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي ذَلِكَ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : أَصْلُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؟ قَالَ الْأَكْثَرُ : لَا . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : نَعَمْ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى : لَا يُبْصِرُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ مُمْكِنٌ وَإِذَا أَمْكَنَ ثَبَتَتِ الصِّحَّةُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمْكَانَ الْمَذْكُورَ عَقْلِيٌّ وَالنِّزَاعُ فِي الشَّرْعِيِّ ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعًا ، لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ شَرْعًا ، وَمِنْ حُجَجِ الْمَانِعِينَ أَنَّ النَّفْلَ الْمُطْلَقَ إِذَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ مَطْلُوبُ التَّرْكِ سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ ، وَالنَّفْلَ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ ، فَلَا يَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ ذِي الْوَجْهَيْنِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَغْصُوبِ لَيْسَتْ لِذَاتِ الصَّلَاةِ بَلْ لِلْإِقَامَةِ ، وَطَلَبُ الْفِعْلِ لِذَاتِ الْعِبَادَةِ ، بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ ، فَالنَّهْيُ فِيهِ لِذَاتِ الصَّوْمِ فَافْتَرَقَا انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِهِ وَأَعَادَهُ الْإِمَامُ فِي الْحَجِّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ . ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ ) أَيْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلِهِ بِلَا كُرْهٍ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ إِذْ لَيْسَ ثَمَّ صِيَامٌ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ ( إِذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهَا ، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى ) ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا : لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجْدِ الْهَدْيَ وَلِهَذَا حُكْمُ الرَّفْعِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَلِلطَّحَاوِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ : رَخَّصَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَرَوَى الْإِمَامُ فِي الْحَجِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ : إِنَّهَا الْأَيَّامُ الَّتِي نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهِنَّ وَأَمَرَنَا بِفِطْرِهِنَّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ . وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ وَأَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، زَادَ أَصْحَابُ السُّنَنِ : وَذِكْرِ اللَّهِ فَلَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ . ( وَيَوْمُ الْأَضْحَى وَالْفِطَرِ ) لِحَدِيثِ الْبَابِ ( فِيمَا بَلَغَنَا قَالَ ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَفِي نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيَّامٍ ذَكَرَهَا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ مَا عَدَاهَا ، ( وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ) وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الدَّهْرِ لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُهَا ، وَعَلَى بِمَعْنَى عَنْ أَيْ ضُيِّقَتْ عَنْهُ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : لِأَنَّهُ لَمَّا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَالِكَ الشَّهَوَاتِ بِالصَّوْمِ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ فَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَكَانٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ طُرُقَهَا بِالْعِبَادَةِ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَإِسْحَاقُ ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ بِكَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ . وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ أَثِمَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ مَرَّتَيْنِ ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دُعَاءً فَيَا وَيْحَ مَنْ أَصَابَهُ دُعَاءُ الْمُصْطَفَى ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي . وَفِي مُسْلِمٍ ، وَالْبُخَارِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَنَدِمَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَهَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجِزُ ، وَأَقَرَّ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ وَبِأَنَّ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَشَقَّةِ مَا يَجِدُهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ إِذَا اعْتَادَهُ لَمْ يَجِدْ فِي صَوْمِهِ مَشَقَّةً . وَتَعَقَبَّهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ ، أَلَا تَرَاهُ نَهَاهُ أَوَّلًا عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ كُلِّهِ ثُمَّ حَثَّهُ عَلَى صَوْمِ دَاوُدَ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ الشَّرْعِ ، وَبِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِأَنْ يَصُومَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، وَهُوَ يُؤْذِنُ بِأَنْ لَا أَجْرَ وَلَا إِثْمَ . وَمَنْ صَامَ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يُقَالُ فِيهِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ إِلَّا إِيَّاهَا يَكُونُ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبًّا وَحَرَامًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَيَّامَ الْمُحَرَّمَةَ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلصَّوْمِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ وَأَيَّامِ الْحَيْضِ فَلَمْ تَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ عِنْدَ مَنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهَا ، وَلَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَوْمِ وَفِطْرِ يَوْمٍ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ : هُوَ أَفْضَلُ مِنَ السَّرْدِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْضِيلِ السَّرْدِ وَتَخْصِيصِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ ، وَتَقْدِيرُهُ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّكَ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو عَنِ السَّرْدِ وَيُرْشِدْهُ إِلَى يَوْمٍ وَيَوْمٍ ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ لَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ لَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .