نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ أَبُو سُهَيْلٍ ، عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ ، قَدْ ذَكَرْنَا نَسَبَهُ فِي ذِكْرِ نَسَبِ مَالِكٍ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ، وَرَوَى عَنْهُمْ . رَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَشْجَعِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي جَلَالَتِهِ وَفَضْلِهِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَالِكِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ يَاسِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ مِثْلَ مَالِكٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ ؟ قَالَ : كَانَ عَمِّي أَبُو سُهَيْلِ بْنُ مَالِكٍ ثِقَةً . لِمَالِكٍ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ حَدِيثَانِ ، أَحَدُهُمَا مُسْنَدٌ ، وَالْآخَرُ مَوْقُوفٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ . 691 حَدِيثٌ أَوَّلُ لِأَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ههنا ; لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا ، وَلَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ إِلَّا تَوْقِيفًا ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُهَيْلٍ هَذَا وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا مَعْنُ بْنُ عِيسَى إِنْ صَحَّ عَنْهُ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاشِجِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ مَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ ، وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى أَوْثَقُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، أَوْ مِنْ أَوْثَقِهِمْ وَأَتْقَنِهِمْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَالُونُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْقَارِئُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : إِذَا اسْتَهَلَّ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : وَنَافِعٌ هَذَا هُوَ أَبُو سُهَيْلِ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي : ابْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اسْتَهَلَّ رَمَضَانُ غُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ، فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ . وَعِنْدَ مَعْمَرٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً ، وَكَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَرَّةً قَالَ فِيهِ : مِنْ عَدِيِّ بَنِي تَمِيمٍ وَمَرَّةً لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَأَبَاهُ ، وَعَمَّهُ لَيْسُوا بِمَوَالِي لِبَنِي تَيْمٍ ، وَلَكِنَّهُمْ حُلَفَاؤُهُمْ ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَجْعَلُهُمْ مَوَالِيَ لَهُمْ ، وَكَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَمَالِكٌ أَعْلَمُ بِنَسَبِهِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا صَحَّ مِنْ حِمْيَرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ فِيهِ لِلصَّائِمِينَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَيُضَاعِفُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ ، فَبِذَلِكَ تُغَلَّقُ عَنْهُمْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَأَبْوَابُ جَهَنَّمَ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ يَسْتَجْنِ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ ، وَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَزْكُو فِيهِ لَهُمْ ، وَتُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ ، هَذَا مَذْهَبُ مَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَصُفِّدَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ - أَوْ - سُلْسِلَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ يَعْصِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الْمَعَاصِي ، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِمْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، كَمَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فِي سَائِرِ السَّنَةِ ، وَأَمَّا الصَّفَدُ - بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ الْغُلُّ ، فَعَلَى هَذَا سَوَاءٌ قَوْلُ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ، أَوْ سُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ، يُقَالُ : صَفَّدْتُهُ أُصَفِّدُهُ صَفْدًا وَصُفُودًا - إِذَا أَوْثَقْتُهُ ، وَالِاسْمُ الصِّفَادُ ، وَالصِّفَادُ أَيْضًا حَبْلٌ يُوثَقُ بِهِ ، وَهُوَ الصَّفَدُ أَيْضًا ، وَالْجَمْعُ أَصْفَادٌ ، وَالصَّفَدُ : الْغُلُّ . وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى الصَّفَدُ : الْعَطَاءُ يُقَالُ مِنْهُ : أَصْفَدْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَعْطَيْتُهُ مَالًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمُؤْنَةَ وَالْأَذَى ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، فَلَا يَخْلُصُونَ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ آخَرَ لَيْلَةٍ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا انْقَضَى عَمَلُهُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ هَذَا ، هُوَ هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو الْمِقْدَامِ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ فِيمَا يَرْوِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَاكُمْ رَمَضَانُ ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِيهِ صِيَامَهُ ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ : جَاءَكُمْ شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَرْفَجَةَ ، قَالَ : كُنْتُ فِي بَيْتٍ فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَ الرَّجُلُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فِي رَمَضَانَ تُفَتَّحُ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ، وَيُنَادِي فِيهِ مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ : يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِكْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَرْفَجَةَ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ ، وَلَيْسَ الْحَدِيثُ لِعُتْبَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرِ عُتْبَةَ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَرْفَجَةَ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ ، وَهُوَ يُحَدِّثُنَا عَنْ رَمَضَانَ ، قَالَ : فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَتَ عُتْبَةُ كَأَنَّهُ هَابَهُ ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ لَهُ عُتْبَةُ : يَا أَبَا فُلَانٍ ، حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي رَمَضَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : تُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَتُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي سُهَيْلٍ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا ، وَهِيَ كُلُّهَا مُسْنَدَةٌ ، وَلِهَذَا ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُسْنَدِ ; لِأَنَّ تَوْقِيفَهُ لَا وَجْهَ لَهُ ، إِذْ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ رَأْيًا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو ذَرٍّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِي غَيْرِهِ - وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ · ص 147 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار · ص 250 691 651 - مَالِكٌ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصَفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . 14747 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ رَأْيًا وَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ . 18748 - وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُهَيْلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا . 14749 - كَذَلِكَ هُوَ فِي مُوَطَّأِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ مَرْفُوعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ مَرْفُوعَةً مِنْ وُجُوهٍ فِي التَّمْهِيدِ . وَمِنْ أَحْسَنِهَا مَا : 14750 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَالُونُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْقَارِي ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا اسْتُهِلَّ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ . 14751 - قَالَ أَبُو عُمَرَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَجْهُهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ سُلْسِلَتْ فَهُوَ عِنْدِي مَجَازٌ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ يَعْصِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الْمَعَاصِي وَلَا يُخْلِصُ إِلَيْهِمْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِمْ فِي سَائِرِ السَّنَةِ . 14752 - وَأَمَّا الصَّفَدُ ( بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ ) فَهُوَ الْغُلُّ عِنْدَ الْعَرَبِ . 14753 - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يُوشِكُ عِبَادِيَ الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمُؤْنَةَ وَالْأَذَى ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، فَلَا يَخْلُصُونَ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ آخِرَ كُلِّ لَيْلَةٍ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ . 14754 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّمْهِيدِ . 14755 - وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِيَ قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ . 14756 - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : تُغْلَقُ فِي رَمَضَانَ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ انْصَرِفْ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان · ص 254 652 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ ، لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يكرهَ ذَلِكَ ، وَلَا يَنْهَى عَنْهُ . 14757 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ . 14758 - فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ . 14759 - وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . 14760 - وَرِوَايَةُ الرُّخْصَةِ فِيهِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . 14761 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرَتْهُمْ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يَخُصَّ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا خَصَّ مِنَ السِّوَاكِ نَوْعًا رَطْبًا وَلَا يَابِسًا ، وَلَا صَدْرَ النَّهَارِ وَلَا آخِرَهُ . 14762 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ . 14763 - وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ خِصَالِ الصَّائِمِ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ . 14764 - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَكْرَهُ السِّوَاكَ الرَّطْبَ لِلصَّائِمِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ . 14765 - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زِيَادِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيبةَ . 14766 - وَرَخَّصَ فِي السِّوَاكِ الرَّطْبِ : الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 14767 - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَطَاءٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 14768 - وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ : السِّوَاكُ سُنَّةُ الصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ ، وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ . 14769 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أُحِبُّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَعِنْدَ تَغْيِيرِ الْفَمِ إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُهُ لِلصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ ، وَمِنْ أَجْلِ الْحَدِيثِ فِي خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ . 14770 - وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ . 14771 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان · ص 256 14772 - وَذَكَرَ مَالِكٌ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا . 14773 - قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ . 14773 م - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ ابْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ . 14774 - أَخْبَرَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ . 14775 - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ . 14776 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ ، [ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ] الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا . 14777 - هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي أَيُّوبَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا . 14778 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . 14779 - قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَسَعْدٌ وَعَبْدُ رَبِّهِ ابْنَا سَعِيدٍ . 14780 - وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ يُعَضِّدُ حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا . 14781 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ سَابُورَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : جَعَلَ اللَّهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرٍ ، فَشَهْرُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ تَمَامُ السَّنَةِ . 14782 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ ، وَالْإِحَاطَةُ بِعِلْمِ الْخَاصَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي كَرِهَهُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَرْضِ رَمَضَانَ وَأَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّةِ . وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ . 14783 - وَأَمَّا صِيَامُ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى طَلَبِ الْفَضْلِ وَعَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ثَوْبَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ مَالِكًا لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ وَفَضْلُهُ مَعْلُومٌ لِمَنْ رَدَّ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ وَخَيْرٍ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وَمَالِكٌ لَا يَجْهَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، وَلَمْ يَكْرَهْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا خَافَهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ إِذَا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ ، وَخَشِيَ أَنْ يَعُدُّوهُ مِنْ فَرَائِضِ الصِّيَامِ مُضَافًا إِلَى رَمَضَانَ ، وَمَا أَظُنُّ مَالِكًا جَهِلَ الْحَدِيثَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ انْفَرَدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ ، وَلَوْلَا عِلْمُهُ بِهِ مَا أَنْكَرَهُ ، وَأَظُنُّ الشَّيْخَ عُمَرَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ . وَقَدْ تَرَكَ مَالِكٌ الِاحْتِجَاجَ بِبَعْضِ مَا رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ إِذَا لَمْ يَثِقْ بِحِفْظِهِ بِبَعْضِ مَا رَوَاهُ . وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَهِلَ الْحَدِيثَ ، وَلَوْ عَلِمَهُ لَقَالَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان · ص 260 14784 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ ، وَمَنْ يَقْتَدى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ ، وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ . 14785 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَـ : 14786 - رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، قَالَ : وَمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . 14787 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفْطِرًا يَوْمَ جُمُعَةٍ قَطُّ . 14788 - ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . 14789 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُوَاظِبُ عَلَيْهِ . 14790 - وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فَيَقُولُونَ : إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي جُشَمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ عَدَدَهُنَّ مِنَ أَيَّامِ الْآخِرَةِ لَا تُشَاكِلُهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيَا . 14791 - رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ . 14792 - وَأَمَّا الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَحَدِيثُ جَابِرٍ . 14793 - عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُفْرَدَ بِصَوْمٍ . 14794 - وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ . 14795 - فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَـ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ : أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ . 14796 - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِجَابِرٍ : أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُفْرَدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ ؟ قَالَ : إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . 14797 - هَكَذَا رَوَاهُ ، فَأَسْقَطَ مِنَ الْإِسْنَادِ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ . وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ : النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ . 14798 - وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَـ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِئِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : مَا أَنَا نَهَيْتُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ نَهَى عَنْهُ . 14799 - وَعَلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، إِلَّا أَنْ يُصَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ . 14800 - وَرَوَتْ جُوَيْرِيَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ ذَلِكَ . 14801 - وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا ذَكَرَهَا النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . 14802 - وَالْأَصْلُ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ لَا يُمْتَنَعُ مِنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ . 14803 - وَأَمَّا الَّذِينَ كَرِهُوا صِيَامَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَبِشُهُودِ يَوْمِ الْعِيدِ ; فَلِذَلِكَ كَرِهُوا صَوْمَهُ . 14804 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُفْطِرُهُ ؛ لِيَقْوَى عَلَى الصَّلَاةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يُصَامُ يَوْمُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ مِنْ أَجْلِ الْقُوَّةِ عَلَى الدُّعَاءِ . 14805 - ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ ظَبْيَانَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكَمْ مُتَطَوِّعًا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامًا فَلْيَكُنْ فِي صَوْمِهِ يوْمُ الْخَمِيسِ وَلَا يَصُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَيْنِ صَالِحَيْنِ : يَوْمَ صِيَامِهِ وَيَوْمَ نُسُكِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . 14806 - وَذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ أَنْ يَتَعَمَّدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ . 14807 - وَذُكِرَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُمْ كَرِهُوا صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَقْوَوْا عَلَى الصَّلَاةِ . 14808 - وَعَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ بَيْنَ الْأَيَّامِ ، وَلَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بَيْنَ اللَّيَالِي . 14809 - وَمِمَّنْ كَرِهَ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ : الزُّهْرِيُّ ، وَأحَمدٌ ، وَإِسْحَاقُ . 14810 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا عَلَى الِاخْتِيَارِ . تَمَّ كِتَابُ الصِّيَامِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَنَصْرِهِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب جَامِعِ الصِّيَامِ · ص 297 687 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ . وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ ، لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ . قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْت مَالِكا يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ : إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ . وَقَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأُرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ . 691 687 - ( مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ ) نَافِعِ ( بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ) مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْمَدَنِيِّ الْأَصْبَحِيِّ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : ) كَذَا وَقَعَ مَوْقُوفًا فِي الْمُوَطَّآتِ إِلَّا مُوَطَّأِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى فَرَفَعَهُ وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا ( أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ) حَقِيقَةً لِمَنْ مَاتَ فِيهِ أَوْ عَمِلَ عَمَلًا لَا يَفْسُدُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ عَلَامَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ لِدُخُولِ الشَّهْرِ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ وَأَصْلُهُ الْجَنَّةُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ الْجَنَّةُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ : ( وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ) حَقِيقَةً أَيْضًا لِذَلِكَ ، ( وَصُفِّدَتْ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْفَاءِ غُلَّتِ ( الشَّيَاطِينُ ) أَيْ شُدَّتْ بِالْأَصْفَادِ وَهِيَ الْأَغْلَالُ الَّتِي يُغَلُّ بِهَا الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَتُرْبَطُ فِي الْعُنُقِ ، وَهِيَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ حَقِيقَةً أَيْضًا مَنْعًا لَهُمْ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّشْوِيشِ عَلَيْهِمْ ، أَوْ مَجَازٌ عَنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ : فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : الرَّحْمَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ يَقِلُّ إِغْوَاؤُهُمْ وَإِيذَاؤُهُمْ فَيَكُونُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ وَيَكُونُ تَصْفِيدُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ لِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ لِحَدِيثِ : صُفِّدَتْ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ ، أَوْ فَتْحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الَّتِي لَا تَقَعُ فِي غَيْرِهِ عُمُومًا كَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَفِعْلِ الْخَيِّرَاتِ وَالِانْكِفَافِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ ، وَهَذِهِ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَأَبْوَابٌ لَهَا ، وَكَذَلِكَ تَغْلِيقُ أَبْوَابِ النَّارِ ، وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَنْكَفُّونَ عَنْهُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ ، هَكَذَا أَبْدَى الْقَاضِي عِيَاضٌ احْتِمَالَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عَلَى السَّوَاءِ ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَأَقَرَّهُ ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ الْمُنِيرِ الْحَقِيقَةَ إِذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَا تَمْتَنِعُ الْحَقِيقَةُ لِأَنَّهُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَطَؤُونَ وَيَمُوتُونَ وَيُعَذَّبُونَ وَلَا يُنَعَّمُونَ ، وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصْفِيدَ حَقِيقَةٌ مَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا تُصَفَّدُ وَتُرْمَى فِي الْبَحْرِ ، وَرَجَّحَ التُّورِبِشْتِيُّ الْمَجَازَ فَقَالَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَإِزَالَةِ الْغَلْقِ عَنْ مَصَاعِدَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ تَارَةً بِبَذْلِ التَّوْفِيقِ وَأُخْرَى بِحُسْنِ الْقَبُولِ ، وَغَلْقُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ عِبَارَةٌ عَنْ تَنَزُّهِ أَنْفُسِ الصُّوَّامِ عَنْ رِجْسِ الْفَوَاحِشِ وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْبَوَاعِثِ عَلَى الْمَعَاصِي بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ ، وَيُمْنَعُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمَنِّ عَلَى الصُّوَّامِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُدِبُوا إِلَيْهِ حَتَّى صَارَتِ الْجِنَانُ فِي هَذَا الشَّهْرِ كَأَنَّ أَبْوَابَهَا فُتِّحَتْ وَنَعِيمَهَا هُيِّئَ وَالنِّيرَانُ كَأَنَّ أَبْوَابَهَا غُلِّقَتْ وَأَنْكَالَهَا عُطِّلَتْ ، وَإِذَا ذَهَبْنَا إِلَى الظَّاهِرِ لَمْ تَقَعِ الْمِنَّةُ مَوْقِعَهَا وَتَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا غَيْرُ مُيَسَّرٍ لِدُخُولِ إِحْدَى الدَّارَيْنِ ، وَرَدَّهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْفَتْحِ تَوْقِيفُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى اسْتِحْمَادِ فِعْلِ الصَّائِمِينَ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَأَيْضًا إِذَا عَلِمَ الْمُكَلَّفُ الْمُعْتَقِدُ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ يَزِيدُ ذَلِكَ فِي نَشَاطِهِ وَيَتَلَقَّاهُ بِمَزِيدِ الْقَبُولِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ عُمَرَ : إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَخْرَفُ لِرَمَضَانَ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَقَدِ اسْتَرَابَ مُرِيبٌ فَقَالَ : نَرَى الْمَعَاصِيَ فِي رَمَضَانَ كَمَا هِيَ فِي غَيْرِهِ فَمَا هَذَا التَّصْفِيدُ ؟ وَمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ ؟ وَقَدْ كَذِبَ وَجَهِلَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَدْ يَكُونُ مِنَ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَسْوَسَتِهِ الَّتِي يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ اتِّصَالُهَا بِالنَّفْسِ إِذْ قَدْ يَكُونُ مَعَ بُعْدِهِ عَنْهَا لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ، فَكَمَا يُوجَدُ الْأَلَمُ فِي جَسَدِ الْمَسْحُورِ وَالْمَعْيُونِ عِنْدَ تَكَلُّمِ السَّاحِرِ أَوِ الْعَايِنِ فَكَذَلِكَ يُوجَدُ عِنْدَ وَسْوَسَتِهِ مِنْ خَارِجٍ ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيَاطِينِ الْمَرَدَةُ لِأَنَّهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّمَرُّدِ طَبَقَاتٌ فَتُصَفَّدُ الْمَرَدَةُ لَا غَيْرَ فَتَقِلُّ الْمُخَالَفَاتُ ، وَلَا شَكَّ فِي قِلَّتِهَا فِي رَمَضَانَ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا فِيهِ كَغَيْرِهِ فَقَدْ بَاهَتْ وَسَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ . انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُ هَذَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينِ مَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُغَلُّ عَنِ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ . وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيَاطِينِ مُسْتَرِقُو السَّمْعِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنِعُوا فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِرَاقِهِ فَزِيدُوا التَّسَلْسُلَ فِي رَمَضَانَ مُبَالَغَةً فِي الْحِفْظِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَخْلُصُونَ مِنِ افْتِتَانِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْعُ الشَّهَوَاتِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ وَهُمُ الْمَرَدَةُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينِ مَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَنَادَى مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، فَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ ، وَذَلِكَ كُلُّ لَيْلَةٍ . ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ لَا فِي أَوَّلِهِ ) ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، ( وَلَا فِي آخِرِهِ ) مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ ( وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ ) بَلْ يَسْتَحِبُّونَهُ لِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ كَحَدِيثِ : أَفْضَلُ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ وَلَمْ يَخُصَّ وَقْتًا ، وَخَبَرُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ وَلَا وَقْتًا . وَقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مَا لَا أَعُدُّ وَلَا أُحْصِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . وَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إِنَّهُ الْمُخْتَارُ ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ لِحَدِيثِ : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْخُلُوفَ الَّذِي هَذِهِ صَفَتُهُ وَفَضِيلَتُهُ وَإِنْ كَانَ فِي السِّوَاكِ فَضْلٌ لَكِنَّ فَضْلَ الْخُلُوفِ أَعْظَمُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُلُوفَ لَا يَنْقَطِعُ مَا دَامَتِ الْمَعِدَةُ خَالِيَةً غَايَتُهُ أَنَّهُ يَخِفُّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ فَلَا يُكْرَهُ كَالْمَضْمَضَةِ لِلصَّائِمِ لَاسِيَّمَا وَهِيَ رَائِحَةٌ تَتَأَذَّى بِهَا الْمَلَائِكَةُ فَلَا تُتْرَكُ هُنَالِكَ . وَأَمَّا الْخَبَرُ فَفَائِدَتُهُ عَظِيمَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا مَدَحَ الْخُلُوفَ نَهْيًا لِلنَّاسِ عَنْ تَقَذُّرِ مُكَالَمَةِ الصَّائِمِينَ بِسَبَبِ الْخُلُوفِ لَا نَهْيًا لِلصَّائِمِينَ عَنِ السِّوَاكِ ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ وُصُولِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ إِلَيْهِ ، فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ بَقَاءَ الرَّائِحَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ كَرَاهَتِهَا ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ إِكْرَامَ الصَّائِمِ وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلسِّوَاكِ فَيُذْكَرُ أَوْ يُتَأَوَّلُ ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهَذَا الْوَقْتِ يَخُصُّ بِهِ عُمُومَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ ، وَحَدِيثُ الْخُلُوفِ لَا يُخَصِّصُهُ انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ قِيَاسُهُ عَلَى دَمِ الشَّهِيدِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الصَّائِمَ مُنَاجٍ لِرَبِّهِ فَنُدِبَ لَهُ تَطْيِيبَ فَمِهِ ، وَالشَّهِيدُ لَيْسَ بِمُنَاجٍ وَهُوَ جِيفَةٌ أَشَدُّ مِنَ الدَّمِ فَزَوَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ شَيْئًا بَلْ بَقَاؤُهُ يُوجِبُ مَزِيدَ الرَّحْمَةِ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ أثَرُ الظُّلْمِ الَّذِي يَنْتَصِفُ بِهِ مِنْ خَصْمِهِ ، وَسَبِيلُ الْخُصُومَةِ الظُّهُورُ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَأْمَنُ فِيهِ الرِّيَاءَ ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ مُنَاجَاةَ الصَّائِمِ لِرَبِّهِ مَعَ دَوَامِ الْخُلُوفِ أَوْلَى لِقَوْلِهِ : أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِأَنَّ مَدْحَهُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، فَهَذَا الْوِتْرُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَجْرِ . وَفِي الْحَدِيثِ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَكَمْ مِنْ عِبَادَةٍ أَثْنَى عَلَيْهَا مَعَ فَضْلِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَاعِدَةِ ازْدِحَامِ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا ، فَالسِّوَاكُ إِجْلَالًا لِلَّهِ حَالَ مُنَاجَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ تَطْهِيرَ الْفَمِ لِلْمُنَاجَاةِ تَعْظِيمٌ لَهَا ، وَالْخُلُوفُ مُنَافٍ لِذَلِكَ فَقَدَّمَ السِّوَاكَ لِخَبَرِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ . ( قَالَ يَحْيَى : وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ ) الِاجْتِهَادِ ( يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ) الَّذِينَ لَمْ أُدْرِكُهُمْ كَالصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ . ( وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ ) بِضَمٍّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ( بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلُ يُلْحِقُ ، ( وَالْجَفَاءِ ) الْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ ، ( لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ ) ، قَالَ مُطَرِّفٌ : فَإِنَّمَا كُرِهَ صِيَامُهَا لِذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنْ صَامَهَا رَغْبَةً لِمَا جَاءَ فِيهَا فَلَا كَرَاهَةَ . وَفِي مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعُهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ، قَالَ عِيَاضٌ : لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ وَالسِّتَّةَ تَمَامُ السَّنَةِ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، قَالَ شُيُوخُنَا : إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ صَوْمَهَا مَخَافَةَ أَنْ يُلْحِقَ الْجَهَلَةُ بِرَمَضَانَ غَيْرَهُ . أَمَّا صَوْمُهَا عَلَى مَا أَرَادَهُ الشَّرْعُ فَلَا يُكْرَهُ ، وَقِيلَ : لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَوْ وَجَدَ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ وَصْلَ صَوْمِهَا بِيَوْمِ الْفِطْرِ ، فَلَوْ صَامَهَا أَثْنَاءَ الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ سِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ مَالِكًا مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ ، ـ وَالصِّيَامُ عَمَلُ بِرٍّ ـ فَلَمْ يَرَهُ مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى الْجَهَلَةِ كَمَا أَوْضَحَهُ انْتَهَى . وَوَجْهُ كَوْنِهِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ فِيهِ سَعْدَ بْنَ سَعِيدٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ : إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ أَيْ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ قَوْلُهُ رَأَيَا إِذِ الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةٍ فَلَهُ عِلَّتَانِ الِاخْتِلَافُ فِي رَاوِيهِ وَالْوَقْفُ . ( وَقَالَ يَحْيَى : سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَقَلَّمَا رَأَيْتُهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُفْطِرًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَطُّ وَحَدِيثُ : مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كُتِبَ لَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ غُرٍّ زُهْرٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ لَا تُشَاكِلُهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيَا ، ( وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ) ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : قِيلَ : إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَقِيلَ : صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، ( يَصُومْهُ وَأُرَاهُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَظُنُّهُ ( كَانَ يَتَحَرَّاهُ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَتَى بِهِ إِخْبَارًا لَا اخْتِيَارًا لِفِعْلِهِ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ صَوْمِ يَوْمٍ مُوَقَّتٍ أَوْ شَهْرٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ لَهُ بِكَرَاهَةِ قَصْدِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ ، وَفِيهِمَا عَنْ جَابِرٍ : نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، زَادَ مُسْلِمٌ : وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ : وَرَبِّ الْكَعْبَةِ . فَلِذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى كَرَاهَةِ إِفْرَادِهِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَلَعَلَّ قَوْلَ مَالِكٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ : صَوْمُهُ حَسَنٌ ، وَمَذْهَبُهُ كَرَاهَةَ تَخْصِيصِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ بِالصَّوْمِ ، وَإِنَّمَا حَكَى صَوْمَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَظَنُّهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَا أَرَاهُ وَأُحِبُّهُ . وَأَشَارَ الْبَاجِيُّ إِلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ لَهُ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ . قَالَ الْأَبِيُّ : فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَازِرِيَّ والدَّاوُدِيَّ فَهِمَا مِنَ الْمُوَطَّأِ الْجَوَازَ ، وَعِيَاضٌ رَدَّهُ إِلَى مَا عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِهِ مِنْ كَرَاهَةِ تَخْصِيصِ يَوْمٍ بِالصَّوْمِ ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَاجِيُّ مِنِ احْتِمَالِ أَنَّ مَا فِي الْمُوَطَّأِ قَوْلٌ آخَرُ لَهُ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَأَكْثَرُ الشُّيُوخِ إِنَّمَا يَحْكِي عَنْ مَالِكٍ الْجَوَازَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ ، وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ .