695 654 - وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ ، هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 14826 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ . وَلَا أَرَاهُ كَرِهَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجَمَّعُ فِيهَا ، إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ ، إِلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا . فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا لَا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ - فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا بِالِاعْتِكَافِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا . وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا . 14827 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُعْتَكَفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ . 14828 - قَالَ : وَالِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إِلَيَّ . 14829 - قَالَ : وَيَعْتَكِفُ الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ حَيْثُ شَاءُوا وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ . 14830 - وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : لَا يَعْتَكِفُ أَحَدٌ إِلَّا فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ . 14831 - وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ فَـ . 14832 - قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ . 14833 - وَقَالَ مَالِكٌ : تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . وَلَا يُعْجِبُهُ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا . 14834 - وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . 14835 - وَسَنَزِيدُ هَذَا بَيَانًا فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهُنَاكَ ذَكَرَ مَالِكٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ . 14836 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي تَرْجِيلِ عَائِشَةَ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ ، وَلَوْ كَانَتَا عَوْرَةً لَمْ تُبَاشِرْهُ بِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ ; لِأَنَ الْمُعْتَكِفَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ . 14837 - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ 14838 - وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهَا تُنْهَى فِي الْإِحْرَامِ عَنْ لِبَاسِ الْقُفَّازَيْنِ ، وَتُؤْمَرُ بِسَتْرِ مَا عَدَا وَجْهَهَا ، وَكَفَّيْهَا ، وَهَكَذَا حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ : تَكْشِفُ وَجْهَهَا ، وَكَفَّيْهَا . 14839 - وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ مَا هُوَ عَوْرَةٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . 14840 - وَقَدْ رَوَى تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْنِي إِلَيَّ رَأَسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ . 14841 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ طَاهِرٌ غَيْرُ نَجِسَةٍ إِلَّا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْهَا . 14842 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي بَابِ الْحَيْضِ . 14842 م - وَأَمَّا قَوْلُهَا : وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ لِلصَّلَوَاتِ ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ ، أَوِ السُّكُوتِ فَفِيهِ سَلَامَةٌ . وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، كُلُّ مَا لَا غِنَى بِالْإِنْسَانِ عَنْهُ مِنْ مَنَافِعِهِ ، وَمَصَالِحِهِ ، وَمَا لَا يَقْضِيهِ عَنْهُ غَيْرُهُ . 14843 - وَمَعْنَى تَرْجِيلِ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِعْمَالُ كُلِّ مَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ بَدَنِهِ مِنَ الْغِذَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ . 14844 - وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَإِنَّ الْمُعْتَكِفَ نَاذِرٌ ، جَاعِلٌ عَلَى نَفْسِهِ الْمَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ ، وَأَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِمَا يُلْهِيهِ عَنِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، كَالْمَرَضِ الْبَيِّنِ ، وَالْحَيْضِ فِي النِّسَاءِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَى خُرُوجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ . 14845 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لِعُذْرٍ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مِثْلِ : أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ ، أَوِ ابْنُهُ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ ، أَوْ شِرَاءُ طَعَامٍ يُفْطِرُ عَلَيْهِ ، أَوْ غَسْلُ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبِهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ يَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْنِي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي ؛ قِيَاسًا عَلَى حَاجَةِ الْإِنْسَانِ .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقول ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ · ص 274 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ · ص 280 700 656 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ . 14852 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جِنَازَةِ أَبَوَيْهِ . 657 - وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ : هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . 14853 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَوُ قَوْلُ مَالِكٍ . 14854 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِغَالِ الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ أَوِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا . 14855 - فَقَالَ مَالِكٌ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ . 14856 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَحَدَّثَ وَيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَاشْتِغَالُ مَا لَا يَأْثَمُ فِيهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَمْتٌ . 14857 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ لِشُهُودِ جِنَازَةٍ ، وَلَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، وَلَا يُفَارِقُ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَمَعَانِيهِمْ مُتَقَارِبَةٌ جِدًّا فِي هَذَا الْبَابِ . 14858 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْمُعْتَكِفُ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ وَالْجُمُعَةَ وَمَا لَا يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَضِيعَ مِنْ أُمُورِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَمَرُّهُ فِيهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُ أَهْلُهُ ، وَلَا يُوصِيهِمْ لِحَاجَةٍ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ أَوْ مَاشٍ ، وَلَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي ، وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ سَقْفٍ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ . 14859 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا دَخَلَ الْمُعْتَكِفُ بَيْتًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ بَيْتًا لَيْسَ فِي طَرِيقِهِ - بَطُلَ اعْتِكَافُهُ . وَيَحْضُرُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَشْهَدُ الْجُمُعَةَ ، وَيَخْرُجُ لِلْوُضُوءِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ . 14860 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ، وَلَا يَمَسُّ امْرَأَةً ، وَلَا يُبَاشِرُهَا ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ . 14861 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا : السُّنَّةُ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ ، وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ . 14862 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : الْمُعْتَكِفُ لَا يُجِيبُ دَعْوَةً ، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً . 14863 - وَالْحُجَّةُ لِمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَنِ اعْتَكَفَ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يُسَابُّ ، وَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَالْجِنَازَةَ ، وَيُوصِي أَهْلَهُ إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ . 14864 - ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ . 14865 - وَبِهِ يَأْخُذُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . 14866 - وَذَكَرَ الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : اعْتَكَفْتُ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَدْعُونِي - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ - فَلَمْ آتِهِ ، فَعَادَ فَلَمْ آتِهِ ، ثُمَّ عَادَ فَلَمْ آتِهِ ، ثُمَّ عَادَ فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْتِيَنَا ؟ قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ مُعْتَكِفًا ، فَقَالَ : وَمَا عَلَيْكَ ؟ إِنَّ الْمُعْتَكِفَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَمْشِي مَعَ الْجِنَازَةِ ، وَيُجِيبُ الْإِمَامَ . 14867 - وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . 14868 - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ إِلَّا إِلَى حَاجَةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا غَائِطًا وَبَوْلًا ، وَلَا يُشَيِّعُ جِنَازَةً ، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا . 14869 - قَالَ : وَقَالَ عَطَاءٌ : إِنْ عَادَ مَرِيضًا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ . 14870 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَكَرَ ابْنُ خُوَازِ بنْدَاذ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ فِي الْمُعْتَكِفِ يَأْتِي كَبِيرَةً - أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ . 14871 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَؤُلَاءِ يُبْطِلُونَ الِاعْتِكَافَ بِتَرْكِ سُنَّةٍ عَمْدًا ، فَكَيْفَ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ فِيهِ ؟ 14872 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ سَكِرَ لَيْلًا لَمْ يَفْسُدِ اعْتِكَافُهُ . يَعْنِي إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ السُّكْرَ . 14873 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطًا ، وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ . . . إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْمُوَطَّأِ . 14874 - وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ سُنَّتِهِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا عَلَى سُنَّتِهِ كَسَائِرِ مَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ . 14875 - قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، قَالَا : عَلَى الْمُعْتَكِفِ الصَّوْمُ ، وَإِنْ نَوَى أَلَّا يَصُومَ . 14876 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو عُمَرَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . 14877 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا مَدْخَلَ لِلشَّرْطِ فِيهِمَا ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَمَنْ أَجَازَ فِيهِ الْإِشْرَاطَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا : أَهِلِّي بِالْحَجِّ ، وَاشْرُطِي أَنْ تَحُلِّي حَيْثُ حُبِسْتِ ، وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ مِمَّا فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 14878 - وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَالشَّرْطُ فِيهِ أَنَّهُ مَتَى عَرَضَهُ مَا يَقْطَعُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ إِنْ شَاءَ وَلَا يَبْتَدِئَ ؛ فَـ : 14879 - أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ ، أَنَّهُ إِذَا أَتَى مَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ ابْتَدَأَ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَرْطُهُ ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ اعْتِكَافِهِ . 14880 - وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ شَرْطُهُ إِذَا اشْتَرَطَ فِي حِينِ دُخُولِهِ فِي اعْتِكَافِهِ . 14881 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ شُيُوخِهِ بِالْأَسَانِيدِ ، أَنَّ قَتَادَةَ ، وَعَطَاءً ، وَإِبْرَاهِيمَ أَجَازُوا الشَّرْطَ لِلْمُعْتَكِفِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ ، وَالْجُمُعَةِ ، وَأَنْ يَأْتِيَ الْخَلَاءَ فِي بَيْتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . 14882 - وَزَادَ عَطَاءٌ : إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَعْتَكِفَ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ وَأَنْ يَأْتِيَ بَيْتَهُ لَيْلًا - فَذَلِكَ لَهُ . 14883 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ : لَهُ نِيَّتُهُ . 14884 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرُطَ : إِنْ عَرَضَ لِي أَمْرٌ خَرَجْتُ . 14885 - وَمِمَّنْ أَجَازَ الشَّرْطَ لِلْمُعْتَكِفِ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ ; فَمَرَّةً قَالَ : أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَرَّةً مَنَعَ مِنْهُ . 14886 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : أَمَّا الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ فَلَا أَرَى أَنْ يَعُودَ فِيهِ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً . وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَإِنَّهُ يَشْرُطُ فِيهِ حِينَ يَبْتَدِئُ شُهُودَ الْجِنَازَةِ ، وَعِيَادَةَ الْمَرْضَى . 14887 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ يَمْرَضُ ، فَـ : 14888 - قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَخْرُجُ . فَإِذَا صَحَّ رَجَعَ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا كَانَ نَذْرًا وَاجِبًا عَلَيْهِ . 14889 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَبْتَدِئُ . 14890 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا إِذَا كَانَ مَرَضُهُ يَمْنَعُهُ مَعَهُ الْمَقَامَ . 14891 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفَةِ : تُطَلَّقُ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَـ : 14892 - قَالَ مَالِكٌ : تَمْضِي فِي اعْتِكَافِهَا حَتَّى تَفْرَغَ مِنْهُ ، وَتُتِمَّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا . 14893 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَخْرُجُ ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا رَجَعَتْ . 14894 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ يَدْخُلُ بَيْتًا فَـ : 14895 - قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَطَاءُ ، وَإِبْرَاهِيمُ : لَا يَدْخُلُ تَحْتَ سَقْفٍ . 14896 - وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ . 14897 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ مَسْجِدِهِ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ . 14898 - وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ شِهَابٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ . 14899 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَصْعَدَ الْمَنَارَةَ . 14900 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ . 14901 - وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ . 14902 - وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ يَصْعَدُ الْمِئْذَنَةَ لِيُؤَذِّنَ فَـ : 14903 - كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَقَالَا : لَا يَصْعَدُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ . 14904 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ كُلِّهِ . 14905 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ يَفْعَلْ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَلَوْ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ . 14906 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 14907 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَشْتَمِلُ الْمُعْتَكِفُ فِي مَجَالِسِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا يَكْتُبُ الْعِلْمَ . 14908 - وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعْتَكِفُ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ . 14909 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ كَمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ فَلِأَنَّ مَجَالِسَ الْعِلْمِ شَاغِلَةٌ لَهُ ، كَمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَصْدِهِ مِنَ الِاعْتِكَافِ ، وَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْجِنَازَةَ وَيَعُودِ الْمَرِيضَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَدَّى اعْتِكَافُهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ إِلَّا اعْتِكَافَهُ . 14910 - وَكَمَا لَا تُقْطَعُ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ وَلَا غَيْرُهَا لِعَمَلِ بِرٍّ سِوَاهَا مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ لَا يَدَعُ اعْتِكَافَهُ لِمَا يَشْغَلُهُ عَنْهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ، وَمَنَ رَخَّصَ فِي مُشَاهَدَتِهِ مُجَالِسَ الْعَلَمِ فِي الْمَسْجِدِ فَلِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ مَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ مِنَ اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ وَالْحَرَامِ . 14911 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَالِكٌ أَقْرَبُ بِأَصْلِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث عائشة في اعتكاف رسول الله عشرا من شوال · ص 307 14975 - قَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تَعْتَكِفَ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلْتَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . 14976 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَعْتَكِفُ الْمَرْأَةُ إِلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ . 14977 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنِ اعْتِكَافِهَا فِي الْمَسْجِدِ . 14978 - وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ . 14979 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، هَذَا لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فَأَذِنَ لَهُنَّ ، فَضَرَبْنَ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ بَعْدُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْعَهُ لَهُنَّ كَانَ لِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي أَذِنَ لَهُنَّ مِنْ أَجْلِهِ . 14980 - وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ضَرْبُ أَخْبِيَتَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 14981 - وَلِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَكَمَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا ، كَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ . 14982 - وَقَالَ مَنْ لَمْ يُجِزِ اعْتِكَافَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ أَصْلًا : إِنَّمَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاعْتِكَافَ إِنْكَارًا عَلَيْهِنَّ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : آلْبَرَّ يُرِدْنَ ؟ ، أَيْ لَيْسَ هَذَا بِبِرٍّ . 14983 - وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ . 14984 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ذِكْرُ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ الَّذِي قَضَاهُ أَيَّ وَقْتٍ هُوَ . 14985 - وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَسَمِعْتُ بِذَلِكَ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأَذِنَ لَهَا . قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ رَأَى فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةَ أَبْنِيَةٍ . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 14986 - وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ . قَالَ : فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ . . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 14987 - وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ . . وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ . 14988 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعَ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، وَقَدْ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ . 14989 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ ، قَالَ : إِنَّمَا يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَسْجِدَ لِلِاعْتِكَافِ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ . 14990 - وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ يَبْتَدِئ لَيْلَتَهُ . فَقِيلَ لَهُ : قَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ، فَسَكَتَ . 14991 - قَالَ : وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى يَسْأَلُ عَنِ الْمُعْتَكِفِ فِي أَيِّ وَقْتٍ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ ؟ فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ حَتَّى يَبِيتَ فِيهِ وَيَبْتَدِئَ ، وَلَكِنَّ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ . 14992 - قِيلَ : فَمَتَى يَخْرُجُ ؟ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى . 14993 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ دُخُولِ الْمُعْتَكِفِ الْمَسْجِدَ لِلِاعْتِكَافِ إِذَا نَذَرَهُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ أَوْ يَوْمًا وَاحِدًا . 14994 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . 14995 - قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ يدَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . 14996 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ ، دَخَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الشَّهْرِ . 14997 - وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : يَدْخُلُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . وَالشَّهْرُ وَالْيَوْمُ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ . تَقَدَّمَ . 14998 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . 14999 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ ، قَالَ : يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصُّبْحَ وَيَقُومُ إِلَى مُعْتَكَفِهِ . 15000 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا أَرَادَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ دَخَلَ فِي اعْتِكَافِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَإِذَا أَرَادَ عَشْرَ لَيَالٍ دَخَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . 15001 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ لَا يَدْخُلُ فِي الِاعْتِكَافِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ اعْتِكَافُ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اعْتِكَافٍ ، فَلَا يَصْلُحُ الِابْتِدَاءُ بِهِ ، وَذَهَبَ أولئك إِلَى أَنَّ اللَّيْلَ تَبَعٌ لِلنَّهَارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ابْتَدَأَ ، فَلِذَلِكَ ابْتَدَؤوا بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 15002 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ ؛ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ لِلْبَادِ وَالْقَاطِعِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَمَضَى مَعَ مَا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِكَافَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 15003 - وَمَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ لِمَرَضٍ يَعْرِضُ لَهُ ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِهِ . 15004 - فَقَوْلُ مَالِكٍ فِي مَوَطَّئِهِ أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ يُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا صَحَّ . 15005 - وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِحَدِيثِهِ فِي هَذَا الْبَابِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ ، وَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ . 15006 - قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الِاعْتِكَافِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ أَجْرُهُمَا سَوَاءٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا . 15007 - قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ اعْتِكَافُهُ إِلَّا تَطَوُّعًا . 15008 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا قَوْلُهُ مَعَ جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا - لَا عَلَى مَنْ نَذَرَهُ - فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالدُّخُولِ فِيهِ كَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ النَّافِلَتَيْنِ . 15009 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ مَا يَلْزَمُهُ هَاهُنَا ، وَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافًا . 15010 - وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اعْتِكَافَهُ كَانَ تَطَوُّعًا . 15011 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا وَجْهَ قَضَائِهِ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ فِي اعْتِكَافِهِ بِمَا لَا مَعْنًى لِإِعَادَتِهِ هَاهُنَا . 15012 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ فَـ : 15013 - رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّهُ عِنْدَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . 15014 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ أَقَلَّهُ عِنْدَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . 15015 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَقَفْتُ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : أَقَلُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ . 15016 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : مَنْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ إِلَّا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ . 15017 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . 15018 - وَلَا حَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ مُدَّتِهِ . 15019 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَمْكُثُ سَاعَةً مُعْتَكِفًا . 15020 - قَالَ عَطَاءٌ : وَسَمِعْتُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . 15021 - قَالَ عَطَاءٌ : وَالِاعْتِكَافُ مَا مَكَثَ فِيهِ الْمُعْتَكِفُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب ذِكْرِ الْاعْتِكَافِ · ص 305 690 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ ، وَلَا أُرَاهُ كُرِهَ الْاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجَمَّعُ فِيهَا إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا لَا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ ، فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا بِالْاعْتِكَافِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا ، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ : فَمِنْ هُنَالِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجَمَّعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي تُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَبِيتُ الْمُعْتَكِفُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَضْرِبُ بِنَاءً يَبِيتُ فِيهِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيتُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا يَعْتَكِفُ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ ، وَلَا فِي الْمَنَارِ ؛ يَعْنِي الصَّوْمَعَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ : يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا ، حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِاعْتِكَافِهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا ، وَالْمُعْتَكِفُ مُشْتَغِلٌ بِاعْتِكَافِهِ لَا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ التِّجَارَاتِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِضَيْعَتِهِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ ، وَأَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ لَا يَشْغَلُهُ فِي نَفْسِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ خَفِيفًا ، أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ يَكْفِيهِ إِيَّاهُ . قَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الْاعْتِكَافِ شَرْطًا ، وَإِنَّمَا الْاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ مِثْلُ : الصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالْحَجِّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ ، مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً ، فَمَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، لَا مِنْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ وَلَا يَبْتَدِعُهُ ، وَقَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ سُنَّةَ الْاعْتِكَافِ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ ، وَالْاعْتِكَافُ لِلْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ سَوَاءٌ . 695 690 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ) ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إِنْ دَخَلَ تَحْتَهُ بَطَلَ . ( مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ ) بِالتَّشْدِيدِ يُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ ، ( وَلَا أُرَاهُ كَرِهَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجَمَّعُ فِيهَا إِلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ ) وُجُوبًا ، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، ( أَوْ يَدَعَهَا ) فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَفِي بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِ قَوْلَانِ : ( فَإِنْ كَانَ ) الْمَسْجِدُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ ( مَسْجِدًا لَا يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ) وَهُوَ مُبَاحٌ لِعُمُومِ النَّاسِ ( وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ ) لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْجُمُعَةِ ( فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا بِالِاعْتِكَافِ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : ) وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا ) ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنَ الْإِمَامِ بِالْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِ ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الِاعْتِكَافِ الْمَسْجِدُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ بِهِ لِأَنَّ الْجِمَاعَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ إِجْمَاعًا ، فَعُلِمَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيهَا ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشِرَةِ الْجِمَاعُ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : كَانُوا إِذَا اعْتَكَفُوا فَخَرَجَ رَجُلٌ لِحَاجَتِهِ فَلَقِيَ امْرَأَتَهُ جَامَعَهَا إِنْ شَاءَ . ( قَالَ مَالِكٌ : فَمِنْ هُنَالِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجَمَّعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ إِذَا كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ الْجُمْعَةُ ) لِانْقِضَاءِ مَا نَوَاهُ مِنَ الِاعْتِكَافِ قَبْلَ مَجِيئِهَا ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوطِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ فَأَجَازَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ لِلْمَرْأَةِ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلصَّلَاةِ فِيهِ . وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ : يَجُوزُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إِلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ ، وَخَصَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِالْوَاجِبِ ، وَأَمَّا النَّفْلُ فَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِهِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَاسْتَحَبَّهُ لَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ ، وَشَرَطَهُ مَالِكٌ لِانْقِطَاعِ الِاعْتِكَافِ عِنْدَهُمَا بِالْجُمُعَةِ ، وَخَصَّهُ طَائِفَةٌ كَالزُّهْرِيِّ بِالْجَامِعِ مُطْلَقًا ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِيِّ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَطَاءٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُبَيِّتُ الْمُعْتَكِفُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ خَيْمَتُهُ ( فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ ) وَهِيَ صَحْنُهُ ، وَأَمَّا خَارِجُهُ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . ( وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَضْرِبُ بِنَاءً يَبِيتُ فِيهِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيتُ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ قَوْلُ عَائِشَةَ ) الَّذِي رَوَاهُ أَوَّلًا : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ) ، فَحَصْرُهَا فِي الْحَاجَةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَيَاتَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، ( وَلَا يَعْتَكِفُ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ ، وَلِذَا لَا تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ فَلَا يُعْتَكَفُ فِيهِ ، ( وَلَا فِي الْمَنَارِ ) الْعَلَمُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ أَطْلَقَهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا بِجَامِعِ الِاهْتِدَاءِ ، فَلِذَا قَالَ : ( يَعْنِي الصَّوْمَعَةَ ) لِأَنَّهَا مَوْضِعٌ مُتَّخَذٌ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَبَيْتِ الْحُصْرِ وَالْقَنَادِيلِ ، وَلَهَا اسْمٌ تَخْتَصُّ بِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ . ( وَقَالَ مَالِكٌ : يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا حَتَّى ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ ( يَسْتَقْبِلَ بِاعْتِكَافِهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا ) اسْتِحْبَابًا ، فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ تَبَعٌ ، إِذِ الِاعْتِكَافُ إِنَّمَا يَكُونُ بِصَوْمٍ ، وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِزَمَانِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ بَاقِي الْأَئِمَّةِ وَطَائِفَةٌ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ : يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفَسِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِاعْتِكَافِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ . ( وَالْمُعْتَكِفُ مُشْتَغِلٌ بِاعْتِكَافِهِ لَا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ التِّجَارَاتِ ) ، وَيَجُوزُ مَا خَفَّ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ ( أَوْ غَيْرِهَا ) كَقِيَامِهِ لِرَجُلٍ يُهَنِّيهِ أَوْ يُعَزِّيهِ أَوْ شُهُودِ عَقْدِ نِكَاحٍ ، يَقُومُ لَهُ مِنْ مَكَانِهِ ، وَاشْتِغَالٌ بِعِلْمٍ وَكِتَابَةٍ . ( وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِضَيْعَتِهِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ ) يَأْمُرَ ( بِشَيْءٍ لَا يَشْغَلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ خَفِيفًا أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ يَكْفِيهِ إِيَّاهُ ) إِذِ الْمَدَارُ عَلَى عَدَمِ اشْتِغَالِهِ عَمَّا هُوَ فِيهِ وَالْأَمْرُ بِمَا خَفَّ لَا يَشْغَلُهُ . ( قَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطًا ) يُخْرِجُهُ عَنْ سُنَّتِهِ ، كَمَنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ . ( وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ ) الْمُتَّصِلَةِ ( مِثْلَ : الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ ) وَهِيَ الْعُمْرَةُ وَالطَّوَافُ وَالِائْتِمَامُ ، ( مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً ) أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . ( فَمَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ وَلَا يَنْفَعُهُ شَرْطُ الْخُرُوجِ . ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لَا مِنْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ ) أَيْ لِسَبَبِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ ( وَلَا يَبْتَدِعُهُ ) يُحْدِثُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، ( وَقَدِ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ ) عَنْهُ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ الشَّرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ لَا شَرْطَ فِيهِمَا ، وَفِي الْحَجِّ خِلَافٌ وَكَذَا الِاعْتِكَافِ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ : لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفَعُهُ شَرْطُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : إِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ اعْتِكَافِهِ ، إِنْ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ خَرَجَ جَازَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ أَيْضًا يَجُوزُ فِي التَّطَوُّعِ لَا الْوَاجِبِ ، وَفِي الْمُنْتَقَى : مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا ، وَشَرَطَ الْخُرُوجَ مِنْهُ مَتَى أَرَادَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّهُ نَذَرَ اعْتِكَافًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ ؛ فَإِنْ دَخَلَ لَزِمَهُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخُرُوجِ لِعِيَادَةٍ وَشُهُودِ جَنَازَةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَائِجِهِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْقُرْبَةَ إِذَا دَخَلَ فِيهَا لَزِمَتْ بِالدُّخُولِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ لِأَنَّ شَرْطَهُ الصَّوْمُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ . ( قَالَ مَالِكٌ : وَالِاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ( سَوَاءٌ ) لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ مَالِكٌ الْجِوَارَ الَّذِي بِمَعْنَى الِاعْتِكَافِ فِي التَّتَابُعِ ، وَأَمَّا الْجِوَارُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَإِنَّمَا هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ بِالنَّهَارِ وَالِانْقِلَابُ بِاللَّيْلِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا ، وَلَهُ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهِ وَوَطْءُ أَهْلِهِ مَتَى شَاءَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . ( وَالِاعْتِكَافُ لِلْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ سَوَاءٌ ) فِي الْأَحْكَامِ .