740 حَدِيثٌ ثَانٍ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الحجة . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةُ الرُّوَاةِ لِلْمُوَطَّأِ ( عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءً بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ فِيهِ : سَمِعْتُ مُوسَى سَمِعَ سَالِمًا : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ فَذَكَرَهُ ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَخَالَفَهُمَا فِي مَعْنَاهُ ( وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ) وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : بَيْدَاؤُكُمْ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ مَوْضِعَكُمُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُهِلَّ إِلَّا مِنْهُ ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ مُنْكِرًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَهَلَّ فِي حَجَّتِهِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ ، وَالْبَيْدَاءُ الصَّحْرَاءُ يُرِيدُ بَيْدَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْإِهْلَالُ فِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ، وَهُوَ التَّلْبِيَةُ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، وَيَنْوِي مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ : إِنَّ الْإِحْرَامَ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ ، إِمَّا بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ جَمِيعًا ، وَإِمَّا بِالنِّيَّةِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ ، مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ نَافِعٍ ، عِنْدَ ذِكْرِ ( حَدِيثِ ) التَّلْبِيَةِ فِي كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( وَاتَّفَقَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ ) عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْإِحْرَامِ تُجْزِئُ عَنِ الْكَلَامِ ) وَنَاقَضَ ( فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ) أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إِنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ مِنْ شَرْطِ التَّلْبِيَةِ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا لَا يَصِحُّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَالتَّكْبِيرِ ثُمَّ قَالَ : فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَأَحْرَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى ( فَاتَهُ ) الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ إِحْرَامُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : مَنْ عَرَضَ لَهُ هَذَا فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَلَا يَنْفَعُهُ إِحْرَامُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، قَالُوا : وَنَاقَضَ مَالِكٌ فَقَالَ : مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْرِمْ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَيْسَ بِتَنَاقُضٍ ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَفُوتُ إِلَّا بِفَوْتِ عَرَفَةَ ، وَحَسْبُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا أَفَاقَ قَبْلَ عَرَفَةَ ، فَإِذَا أَحْرَمَ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَى إِحْرَامِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْنَا فِي هَذَا أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرْضٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَأَدَّى مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى أَدَائِهِ كَالْإِحْرَامِ سَوَاءً ، وَكَسَائِرِ الْفُرُوضِ لَا تَسْقُطُ إِلَّا بِالْقَصْدِ إِلَى أَدَائِهَا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فَيمَنْ شَهِدَ عَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ حَتَّى انْصَدَعَ الْفَجْرُ ، وَخَالَفَهُمَا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يُجِزْ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ حَتَّى يَصِحَّ وَيُفِيقَ عَالِمًا بِذَلِكَ قَاصِدًا إِلَيْهِ ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ . وَسَنَذْكُرُ التَّلْبِيَةَ ، وَحُكْمَهَا فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ فِي اللُّغَةِ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَكُلُّ رَافِعٍ صَوْتَهُ فَهُوَ مُهِلٌّ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلطِّفْلِ إِذَا سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَصَاحَ قَدِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ، وَالِاسْتِهْلَالُ وَالْإِهْلَالُ سَوَاءٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّ الذَّابِحَ مِنْهُمْ كَانَ إِذَا ذَبَحَ لِآلِهَةٍ سَمَّاهَا ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِذِكْرِهَا ، وَقَالَ النَّابِغَةُ : أَوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوَّاصُهَا بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلَّ وَيَسْجُدِ يَعْنِي بِإِهْلَالِهِ رَفْعَهُ صَوْتَهُ بِالْحَمْدِ وَالدُّعَاءِ إِذَا رَآهَا . وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ : يُهِلُّ بِالْغَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ لِحَجَّتِهِ مِنْ أَقْطَارِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ ، وَسَنَذْكُرُ الْمَوَاقِيتَ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِهَا ، فِي بَابِ نَافِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَقَالَ قَوْمٌ : أَحْرَمَ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِيهِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُحْرِمْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنِ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَحْرَمَ حِينَ أَظَلَّ عَلَى الْبَيْدَاءِ فَأَشْرَفَ عَلَيْهَا . وَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَعْنَى فِي اخْتِلَافِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُ أَهَلَّ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ ، فَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ ثُمَّ رَكِبَ ، وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ . وَقَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنَ الْبَيْدَاءِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : مِنَ الْمَسْجِدِ ، حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخَالِفَةٌ ، لِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ . وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسٍ ، مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفَرَعِ أَهَلَّ إِذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَإِذَا أَخَذَ طَرِيقَ أُحُدٍ أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ . فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا الْإِهْلَالُ بِالْبَيْدَاءِ ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا أَبُو دَاوُدَ ، وَهِيَ آثَارٌ ثَابِتَةٌ ، صِحَاحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُفَسِّرُ مَا أَوْهَمَ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَوْجَبَ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ; خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى بِمَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَهُ مَجْلِسُهُ ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَمِعَ ذلك مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظَ عَنْهُ ، ثُمَّ رَكِبَ ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ يُهِلُّ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ ( بِهَا وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِيهِ تَهْذِيبٌ لَهَا ، وَتَلْخِيصٌ وَتَفْسِيرٌ لِمَا كَانَ ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا الباب واسع عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّانِي مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ · ص 165 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأحاديث في الإهلال من عند مسجد ذي الحليفة · ص 96 739 700 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ . فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ . 701 - وَذَكَرَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا . مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ . يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . 702 - وَعَنْ نَافِعٍ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ . ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ . 703 - مَالِكٌ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَأَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ . 15592 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَمَعْنَاهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ ، ذُكِرَتْ أَكْثَرُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 15593 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِهْلَالَ سُنَّتُهُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَهُ صَلَاةُ نَافِلَةٍ ، أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ ، ثُمَّ يُهِلُّ بِإِثْرِهَا وَيَرْكَبُ ، فَيُهِلُّ أَيْضًا إِذَا رَكِبَ . 15594 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً . 15595 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ . 15596 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي بَعْدَ أَنْ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَأَحْرَمَ بِإِثْرِهِمَا . 15597 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ مَوْضِعَكُمُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُهِلَّ إِلَّا مِنْهُ ; قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، مُنْكِرًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَهَلَّ فِي حَجَّتِهِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ ، وَالْبَيْدَاءُ الصَّحْرَاءُ . يُرِيدُ بَيْدَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . 15598 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَالْإِهْلَالُ فِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْإِحْرَامُ ، وَهُوَ فَرْضُ الْحَجِّ ، وَهُوَ التَّلْبِيَةُ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ ، وَقَوْلُهُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، وَيَنْوِي مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ . 15599 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْإِحْرَامِ تُجْزِئُ عَنِ الْكَلَامِ ، وَلَا قَضَاءَ . 15600 - وَنَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إِنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ مِنْ شَرْطِهِ : التَّلْبِيَةُ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ جَمِيعًا . 15601 - ثُمَّ قَالَ فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَحْرَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَلَمْ يَفِقْ حَتَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ : يُجْزِئْهُ إِحْرَامُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ . 15602 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ . 15603 - قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : مَنْ عَرَضَ لَهُ هَذَا فَقَدَ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَلَا يَنْفَعُهُ إِحْرَامُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ . 15604 - وَنَاقَضَ مَالِكٌ أَيْضًا ، فَقَالَ : مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُحْرِمْ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ . 15605 - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَيْسَ بِتَنَاقُضٍ ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَفُوتُ إِلَّا بِفَوْتِ عَرَفَةَ ، وَحَسْبُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِذَا أَفَاقَ قَبْلَ عَرَفَةَ . فَإِذَا أَحْرَمَ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَى إِحْرَامِهِ . 15606 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْنَا أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَرَضٌ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَأَدَّى مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى أَدَائِهِ كَالْإِحْرَامِ سَوَاءٌ ، وَكَسَائِرِ الْفُرُوضِ : لَا تَسْقُطُ إِلَّا بِالْقَصْدِ إِلَى أَدَائِهَا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يُكْمِلَهَا ; هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . 15607 - وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِيمَنْ شَهِدَ عَرَفَةَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَفِقْ حَتَّى انْصَدَعَ الْفَجْرُ . 15608 - وَخَالَفَهُمَا الشَّافِعِيُّ ؛ فَلَمْ يُجِزْ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ وُقُوفًا بِعَرَفَةَ حَتَّى يُصْبِحَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، قَاصِدًا إِلَيْهِ . 15609 - وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَحْمَدُ ، وِإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ . 15610 - وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ لِحِجَّتِهِ مِنْ أَقْطَارِ ذِي الْحُلَيْفَةِ . 15611 - فَقَالَ قَوْمٌ : أَحْرَمَ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِيهِ . 15612 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يُحْرِمْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنِ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ . 15613 - وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَحْرَمَ حِينَ أَطَلَّ عَلَى الْبَيْدَاءِ وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا . 15614 - وَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَعْنَى فِي اخْتِلَافِهِمْ . 15615 - فَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُ أَهَلَّ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ فَـ : 15616 - رَوَى أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ . 15617 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنَ الْبَيْدَاءِ . وَرُبَّمَا قَالَ : مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ . 15618 - رِوَايَةُ شُعْبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةٍ مَالِكٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ . 15619 - وَحَدِيثُ عَبِيدِ بْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُهِلَّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ . 15620 - وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهَا ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ أَهَلَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَحِلَتُهُ ، وَإِذَا أَخَذَ طَرِيقَ الفرع أَهَلَّ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْبَيْدَاءِ . 15621 - - فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا : الْإِهْلَالُ بِالْبَيْدَاءِ ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ . 15622 - وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُفَسِّرُ مَا أَوْهَمَ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 15623 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي خُصَيْفٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَوْجَبَ حِجَّتَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسُ بِذَلِكَ ؛ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا صَلَّى بَمَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ ، فَحَفِظُوا عَنْهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَكِبَ ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ ، فَحَفِظُوا ذَلِكَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا ، فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ ; فَقَالُوا : إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ . ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا أَهَلَّ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ . فَمَنْ أَخَذَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ . وَفِي هَذَا الْبَابِ :
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِي الْإِهْلَالِ · ص 365 733 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . 740 733 - ( مَالِكٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ ، ( عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ : بَيْدَاؤُكُمْ ) بِالْمَدِّ ، ( هَذِهِ ) الَّتِي فَوْقَ عَلَمَيْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعِدَ الْوَادِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ كَذَبُوا بِسَبَبِهَا كَذِبًا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ الشَّرَفُ ، ( الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ) أَيْ بِسَبَبِهَا ، فَفِي لِلتَّعْلِيلِ نَحْوَ : لُمْتُنَّنِي فِيهِ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 32 ) ، لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 14 ) ، وَحَدِيثِ : دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ ، فَتَقُولُونَ : إِنَّهُ أَحْرَمَ مِنْهَا وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهَا ، ( مَا أَهَلَّ ) وَلِلْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِسَنَدِهِ : وَاللَّهِ مَا أَهَلَّ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ) ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُوسَى : مَا أَهَلَّ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بِعِيرُهُ ، وَلَا خُلْفَ فَالشَّجَرَةُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ ، وَقَدْ أَزَالَ الْإِشْكَالَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِهْلَالِهِ فَقَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا ، خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ فَحَفِظُوهُ ، ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، فَسَمِعُوهُ حِينَ ذَاكَ فَقَالُوا : إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ثُمَّ مَضَى ، فَلَمَّا عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يُشْهَدُوهُ ، فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا سَمِعَ ، وَإِنَّمَا كَانَ إِهْلَالُهُ فِي مُصَلَّاهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، ثُمَّ أَهَلَّ ثَانِيًا وَثَالِثًا . فَعَلَى هَذَا ، فكَانَ إِنْكَارُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مَنْ يَخُصُّ الْإِهْلَالَ بِالْقِيَامِ عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ . انْتَهَى . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنْ زَالَ بِهِ الْإِشْكَالُ لَكِنْ فِيهِ خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّاوِي عَنْهُ مُدَلِّسٌ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَإِنْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَالْمُنْذِرِيُّ : حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا مَرَّ . وَعَلَى تَسْلِيمِ تَوْثِيقِ خُصَيْفٍ وَتِلْمِيذِهِ فَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً . وَقَالَ عِيَاضٌ : لَيْسَ مِنْ شَرْطِنَا الْكَذِبُ الْعَمْدُ ، فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمْ سَهْوًا ، إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِ نِسْبَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَحِلُّ ، وَبَسَطَ هَذَا الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فَقَالَ : إِنْ قُلْتَ كَيْفَ جَعَلَهُمْ كَاذِبِينَ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمْ بِاجْتِهَادٍ ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ الْخَطَأُ . قُلْتُ : الْكَذِبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ : الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ غَلَطًا أَوْ سَهْوًا ، وَالْعَمْدُ شَرْطٌ لِلْإِثْمِ ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي جَعْلِهِ شَرْطًا فِي صِدْقِ اسْمِ الْكَذِبِ . فَإِنْ قُلْتَ : كَانَ يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهَا الذَّمُّ ، وَالْقَائِلُونَ بِذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومِينَ ، بَلْ مَشْكُورُونَ لِصُدُورِهِ عَنِ اجْتِهَادٍ . قُلْتُ : أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ التَّنْفِيرَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَتَشْنِيعَهَا عَلَى قَائِلِهَا لِيَحْذَرَ مَعَ صِدْقِ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ . فَإِنْ قُلْتَ : يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ بِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِنْكَارِ كَوْنِهِ أَهَلَّ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى الْبَيْدَاءِ ، إِذْ هُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْإِحْرَامِ السَّابِقِ . قُلْتُ : إِنَّمَا أَرَادَ إِنْكَارَ كَوْنِ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ وَقَعَ عِنْدَ الْبَيْدَاءِ ، لَا لِكَوْنِهِ أَهَلَّ عِنْدَهَا ، فَقَوْلُهُ : مَا أَهَلَّ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ إِهْلَال مَخْصُوص وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْإِحْرَامَ . انْتَهَى . وَفِيهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ الْأَهْلِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحْرِمْ مِنْ مَسْجِدِهِ مَعَ شَرَفِهِ الْمَعْلُومِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ .