باب الجيم جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّهُ فَرْوَةُ بِنْتُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ، وَهُوَ جَعْفَرٌ الْمَعْرُوفُ بِالصَّادِقِ وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَاقِلًا حَكِيمًا وَرِعًا فَاضِلًا ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْجَعْفَرِيَّةُ وَتَدَّعِيهِ مِنَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةُ ، وَتَكْذِبُ عَلَيْهِ الشِّيعَةُ كَثِيرًا ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِي الْحِفْظِ ، ذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ . تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ هَذَا قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ وَالْمَدَائِنِيِّ . وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : قَالَ أَبِي لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ : إِنَّ لِي جَارًا يَزْعُمُ أَنَّكَ تَتَبَرَّأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : بَرِئَ اللَّهُ مِنْ جَارِكَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَنْفَعَنِي اللَّهُ بِقَرَابَتِي مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَقَدِ اشْتَكَيْتُ شَكَاةً فَأَوْصَيْتُ إِلَى خَالِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ . وَمِنْ كَلَامِهِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ كَلَامِهِ حِكْمَةً ، أَوْفَرَ النَّاسِ عَقْلًا أَقَلَّهُمْ نِسْيَانًا لِأَمْرِ آخِرَتِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ : أَسْرَعُ الْأَشْيَاءِ انْقِطَاعًا مَوَدَّةُ الْفَاسِقِ . وَذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : اخْتَلَفْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ زَمَانًا وَمَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ : إِمَّا مُصَلٍّ ، وَإِمَّا صَائِمٌ ، وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ ، وَكَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ ، وَلَقَدْ حَجَجْتُ مَعَهُ سَنَةً ، فَلَمَّا أَتَى الشَّجَرَةَ أَحْرَمَ ، فَكُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : لَا بُدَّ لَكَ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ يُكْرِمُنِي وَيَنْبَسِطُ إِلَيَّ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَبِي عَامِرٍ إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَقُولَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، فَيَقُولُ : لَا لَبَّيْكَ ، وَلَا سَعْدَيْكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَقَدْ أَحْرَمَ جَدُّهُ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، أَوْ قَالَهَا ، غُشِيَ عَلَيْهِ ، وَسَقَطَ مِنْ نَاقَتِهِ ، فَهُشِّمَ وَجْهُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لِمَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ تِسْعَةُ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا خَمْسَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، أَصْلُهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ فِي الْحَجِّ ، وَالْأَرْبَعَةُ مُنْقَطِعَةٌ تَتَّصِلُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِنْ وُجُوهٍ . 2 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي مِنَ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ فِي طَوَافِ الدُّخُولِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ الرَّمَلَ ، وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَشْيِ ، لَا يَكُونُ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكِيمِ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ . فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّائِفَ بِالْبَيْتِ يَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مِنَ الْحَجَرِ ، وَهُوَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضًا ، وَإِذَا بَدَأَ مِنَ الْحَجَرِ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ ، وَهُوَ أَيْضًا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَمْضِ عَلَى يَمِينِهِ كَانَ الطَّوَافُ مَنْكُوسًا ، وَكَانَ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ عِنْدَنَا ، فَإِذَا مَضَى عَلَى يَمِينِهِ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّاخِلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَجَرَ يَقْصِدُهُ فَيُقَبِّلَهُ إِنِ اسْتَطَاعَ ، أَوْ يَمْسَحَهُ بِيَمِينِهِ وَيُقَبِّلَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ قَامَ بِحِيَالِهِ فَكَبَّرَ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي طَوَافِهِ يَمْضِي عَلَى يَمِينِهِ ، وَيَكُونُ الْبَيْتُ عَنْ يَسَارِهِ مُتَوَجِّهًا مَا يَلِي الْبَابَ بَابَ الْكَعْبَةِ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي لَا يَسْتَلِمُ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ مِثْلَهُ إِلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ ، وَهُوَ الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَلِي الْأَسْوَدَ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ ، ثُمَّ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ فِيهَا ، ثُمَّ أَرْبَعَةً لَا يَرْمُلُ فِيهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَطُفْ كَمَا وَصَفْنَا كَانَ مُنَكِّسًا لِطَوَافِهِ ، وَإِذَا أَخَذَ عَنْ يَسَارِهِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ الطَّوَافُ عِنْدَنَا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ طَافَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ مَنْكُوسًا عَلَى ضِدِّ مَا وَصَفْنَا بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا اسْتَسْلَمَ الْحَجَرَ ، وَلَمْ يُعِدْهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَأَبْعَدَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُجْزِئُهُ الطَّوَافُ مَنْكُوسًا وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ بِلَادِهِ فَيَطُوفَ ; لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يُعِيدُ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوفَةَ ، أَوْ أَبْعَدَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ وَيُجْزِئُهُ . وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ شَوْطًا وَاحِدًا مِنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ بِلَادِهِ عَلَى بَقِيَّةِ إِحْرَامِهِ فَيَطُوفَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ : إِنْ بَلَغَ بَلَدَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزِ الطَّوَافَ مَنْكُوسًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا اسْتَسْلَمَ الرُّكْنَ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ ، فَمَنْ خَالَفَ فِعْلَهُ ، فَلَيْسَ بِطَائِفٍ . وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ، يَعْنِي مَرْدُودًا . وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَمَضَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعَةً ، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ ، فَقَالَ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَأَمَّا الرَّمَلُ فَهُوَ الْمَشْيُ خَبَبًا يَشْتَدُّ فِيهِ دُونَ الْهَرْوَلَةِ قَلِيلًا ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ لِشِدَّةِ الْحَرَكَةِ فِي مَشْيِهِ ، هَذَا حُكْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ . وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَشْوَاطِ فِي الطَّوَافِ تَتِمَّةَ الْأُسْبُوعِ فَحُكْمُهَا الْمَشْيُ الْمَعْهُودُ بِالرِّفْقِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ يَرْمُلُ ثَلَاثَةً وَيَمْشِي أَرْبَعَةً ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الرَّمَلِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : الرَّمَلُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَجَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ قَوْمٌ : إِنْ شَاءَ رَمَلَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْمُلْ ، قَالُوا : وَلَيْسَ الرَّمَلُ سُنَّةً ، قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسُ وَالْحَسَنُ وَسَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَحُجَّتُهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ بِالْبَيْتِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ ، قَالَ : صَدَقُوا وَكَذَبُوا ، قُلْتُ : مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا ؟ قَالَ : صَدَقُوا ، قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حِينَ طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَكَذَبُوا لَيْسَ ذَلِكَ بِسُنَّةٍ . إِنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ : إِنَّ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ هَزْلًا ، وَقَعَدُوا عَلَى قُعَيْقِعَانَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَرْمِلُوا أَرُوهُمْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ، فَإِذَا تَوَارَى عَنْهُمْ مَشَى . هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ فِطْرٌ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ الْغَنَوِيُّ وَابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ نَحْوَهُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَعَدَ الْمُشْرِكُونَ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الثَّلَاثَةَ ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا ، إِلَّا إِبْقَاءً عَلَيْهِمْ . وَبِمَا رَوَاهُ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسَ وَعَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ رَأَوْا أَنَّ بِأَصْحَابِهِ جُهْدًا فَرَمَلَ لِيُرِيَهُمْ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً . وَبِمَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بَلَغَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنَّ بِأَصْحَابِهِ هَزْلًا ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : شُدُّوا مَيَازِرَكُمْ وَأَرْمِلُوا حَتَّى يَرَى قَوْمُكُمْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَرْمُلْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّمَلَ لَيْسَ بِسُنِّةٍ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فَمُغَفَّلٌ فِيمَا اخْتَارَهُ ، وَقَدْ ظَنَّ فِي ذَلِكَ ظَنًّا لَيْسَ كَمَا ظَنَّ . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَجْرِ إِلَى الْحَجْرِ . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ فَرَمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ . فَفِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا ، وَقَدْ كَانَ فِي بَعْضِهَا حَيْثُ لَا يَرَاهُ الْمُشْرِكُونَ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْلِهِمْ رَمَلَ . وَبَعْدُ فَلَوْ كَانَ رَمَلَ مِنْ أَجْلِ الْمُشْرِكِينَ فِي عُمْرَتِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّمَلُ سُنَّةً ; لِأَنَّ الرَّمَلَ مَأْخُوذٌ عَنْهُ مَحْفُوظٌ فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّهَا ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ مُشْرِكٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ ، فَرَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي حَجَّتِهِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ كَمَلًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَلَا مُشْرِكَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ . فَصَحَّ أَنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ . رَوَى مَالِكٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ وَيَزِيدُ بْنُ الْهَادِ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَبْعًا ، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثَةً ، وَمَشَى أَرْبَعًا . وَهَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي وَصَفَ فِيهِ حَجَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إِلَيْهَا إِلَى انْقِضَاءِ جَمِيعِهَا ، رَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِهِمْ ، وَقَدْ حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَنَّ مَالِكًا سَمِعَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ أَنَّ مَالِكًا قَطَعَهُ فِي أَبْوَابٍ مِنْ مُوَطَّئِهِ وَأَتَى مِنْهُ بِمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِي أَبْوَابِهِ . رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : حَضَرْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ جُرَيْجٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ اللَّهِ الْعُمَرِيَّيْنِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَعَلِيَّ بْنَ صَالِحٍ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنْ حَدِيثِ الْحَجِّ فَحَدَّثَهُمْ بِهِ ، وَرَوَوْهُ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو عَلْقَمَةَ الْمَكِّيِّ ، وَحَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَسَلَّامٍ الْقَارِئِ ، وَجَمَاعَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ . وَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ عُدْمِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ عِنْدَ الْقُدُومِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ تَرْكُهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ; لِأَنَّهُ الثَّابِتُ فِي ذَلِكَ ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ مُرْتَفِعَةٌ ، فَبَطَلَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ صَحَّ عَنْهُ ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ . وَقَدْ رَوَى عَطَاءٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : لَمَّا حَجَّ عُمَرُ رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّمَلِ : لَا نَدَعُ شَيْئًا صَنَعْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَرَوَى مَنْصُورٌ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ اعْتَمَرَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا . وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ الرَّمَلُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَصَارَ سُنَّةً . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَعِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ ، قَالَ فِيهِ : ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَرْمُلْ ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ وَأَنَّ مَا قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِيهِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُدَلِّسٌ ، لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لِضَعْفِهِ وَسُوءِ نَقْلِهِ عِنْدَهُمْ - حَقٌّ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَمَلَ فِي حَجَّتِهِ ، فَبَطَلَ مَا خَالَفَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَا حَكَاهُ الْحَجَّاجُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ نَافٍ ، وَالَّذِي حُكِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ عَايَنَهُ يَصْنَعُ ذَلِكَ مُثْبِتٌ ، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنَ النَّافِي فِي وَجْهِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَخْبَارِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَإِنِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى الرَّمَلَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ بِمَا رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ فِي الْعُمْرَةِ ، وَمَشَى فِي الْحَجِّ ، قِيلَ لَهُ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا كَانَ قَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةٍ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ ابْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً حِينَ قَدِمَ فِي الْحَجِّ ، وَفِي الْعُمْرَةِ حِينَ كَانَ اعْتَمَرَ . وَهَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ تَدْفَعُ حَدِيثَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَقَدْ ذَكَرَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ رَمَلَ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِمَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ بِالْبَيْتِ وَأَخَّرَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ . وَمَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، نَحْوَهُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمُلُ فِي الْحَجَّةِ إِذَا كَانَ إِحْرَامُهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ ، وَكَانَ لَا يَرْمُلُ فِي حَجَّتِهِ إِذَا أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ ، وَهَذَا إِجْمَاعُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ، لَا رَمَلَ عَلَيْهِ إِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِنًى ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ إِنْ كَانَ مَوْقُوفًا وَكَانَتْ حَجَّةُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ مَكِّيَّةً . وَأَمَّا مَرْفُوعًا ، فَلَا يَصِحُّ لِدَفْعِ الْآثَارِ الصِّحَاحِ لَهُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ فِي حَجَّتِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ حَجَّةٌ غَيْرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ وَالْهَرْوَلَةَ فِي السَّعْيِ ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَرِيبٌ ، فَمَرَّةً قَالَ : يُعِيدُ ، وَمَرَّةً قَالَ : لَا يُعِيدُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ مَعَ حَالِهِ هَذِهِ إِذَا لَمْ يُعِدْ ، أَمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؟ فَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عليه ، وَمَرَّةً قَالَ : عَلَيْهِ دَمٌ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هُوَ خَفِيفٌ ، وَلَا نَرَى فِيهِ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَخَفَّهُ ، وَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا . وَرَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، قَالَ : ابْنُ الْقَاسِمِ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونَ : عَلَيْهِ دَمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبِ بْنُ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ دَمًا ، وَالْحُجَّةُ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَمَنْ جَعَلَهُ نُسُكًا حَكَمَ فِيهِ بِذَلِكَ . وَالْحُجَّةُ لِمَنِ اسْتَخَفَّ ذَلِكَ أَنَّهُ شَيْءٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ : هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا ؟ وَإِيجَابُ الدَّمِ عَلَيْهِ إِيجَابُ فَرْضٍ ، وَإِخْرَاجُ مَالٍ مِنْ يَدِهِ ، وَهَذَا لَا يَجِبُ إِلَّا بِيَقِينٍ ، لَا شَكَّ فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نصا فِيمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الرَّمَلِ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْقَاطِ نَفْسِ عَمَلٍ ، إِنَّمَا هُوَ سُقُوطُ هَيْئَةِ عَمَلٍ ، وَأَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ ، وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ · ص 66 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث جابر رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ · ص 121 816 ( 34 ) بَابُ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ 779 - مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ . 17047 - قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 780 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ; أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ . 781 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ؟ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ، يَسْعَى الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ . يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَا وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَمَا أَمَتَّا يَخْفِضُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ . 782 - مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ . قَالَ : ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَسْعَى حَوْلَ الْبَيْتِ الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ . 783 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى ، وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ ، إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ . 17048 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الرَّمَلَ - وَهُوَ الْحَرَكَةُ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَشْيِ - لَا يَكُونُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعَةِ فِي طَوَافِ دُخُولِ مَكَّةَ ، خَاصَّةً للِقَادِمِ الْحَاجِّ أَوِ الْمُعْتَمِرِ . 17049 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مِنَ الْحَجَرِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْضًا . 17050 - وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ يَقْدُمُ مَكَّةَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ . 17051 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِذَا بَدَأَ مِنَ الْحَجَرِ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّاخِلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَوَّلَ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَجَرَ . يَقْصِدُهُ فَيُقَبِّلُهُ إِنِ اسْتَطَاعَ أَوْ يَمْسَحُهُ بِيَمِينِهِ وَيُقَبِّلُهَا بَعْدَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ قَامَ بِحِذَائِهِ ، فَكَبَّرَ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي طَوَافِهِ ، ثُمَّ يَمْضِي عَلَى يَمِينِهِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ إِلَى الرُّكْنِ الَّذِي لَا يُسْتَلَمُ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ الرُّكْنُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ الْيَمَانِيُّ الَّذِي يُسْتَلَمُ ، وَهُوَ يَلِي الْأَسْوَدَ ، ثُمَّ إِلَى رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . 17052 - هَذَا حُكْمُ كُلِّ طَوَافٍ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ ، وَهَذِهِ طَوْفَةٌ وَاحِدَةٌ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ، يَرْمُلُ فِيهَا . ثُمَّ أَرْبَعَةً مِثْلَهَا لَا يَرْمُلُ فِيهَا إِذَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ فِي طَوَافِ الدُّخُولِ . 17053 - وَهَذَا كُلُّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ هَكَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا يَنْبَغِي . فَإِنْ لَمْ يَطُفْ كَمَا وَصَفْنَا وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَمَضَى مِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ عَلَى يَسَارِهِ فَقَدْ نَكَّسَ طَوَافهُ وَلَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ الطَّوَافُ عِنْدَنَا . 17054 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ طَافَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ مَنْكُوسًا . 17055 - فَقَالَ مَالِكٌ ، [ وَالشَّافِعِيُّ ] وَأَصْحَابُهُمَا : لَا يُجْزِئُهُ الطَّوَافُ مَنْكُوسًا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ بِلَادِهِ فَيَطُوفَ ; لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ . 17056 - وَهُوَ قَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 17057 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يُعِيدُ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ، فإِذَا بَلَغَ الْكُوفَةَ أَوْ أَبْعَدَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ وَيُجْزِئُهُ . 17058 - وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ شَوْطًا وَاحِدًا مِنَ الطَّوَافِ أَنْه لَا يُجْزِئَهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ بِلَادِهِ عَلَى بَقِيَّةِ إِحْرَامِهِ فَيَطُوفَ . 17059 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ بَلَغَ بَلَدَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ . 17060 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزِ الطَّوَافَ مَنْكُوسًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ ، وَأَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ; فَمَنْ خَالَفَ فِعْلَهُ فَلَيْسَ بِطَائِفٍ ، وَفِعْلُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ . 17061 - وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ طَوَافٌ قَدْ حَصَلَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى سُنَّتِهِ فَيُجْبِرُ بِالدَّمِ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ أَوْ أَبْعَدَ ; لِأَنَّ سُنَنَ الْحَجِّ تُجْبَرُ بِالدَّمِ . 17062 - وَأَمَّا الرَّمَلُ فَهُوَ الْمَشْيُ خَبَبًا يَشْتَدُّ فِيهِ دُونَ الْهَرْوَلَةِ ، وَهَيْئَتُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ لِشِدَّةِ الْحَرَكَةِ فِي مَشْيِهِ ، هَذَا حُكْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ طَوَافَ دُخُولٍ لَا غَيْرَهُ ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَشْوَاطِ تَتِمَّةَ السَّبْعَةِ فَحُكْمُهَا الْمَشْيُ الْمَعْهُودُ . 17063 - هَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّمَلَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَطْوَافٍ مِنْ طَوَافِ الدُّخُولِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ دُونَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَغَيْرِهِ . 17064 - إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الرَّمَلِ : هَلْ هُوَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا أَمْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَاجِبَةٍ ؟ لِأَنَّهُ : كَانَ لِعِلَّةٍ ذَهَبَتْ وَزَالَتْ ، فَمَنْ شَاءَ فَعَلَيْهِ اخْتِيَارًا . 17065 - فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . 17066 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ : أَنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ لِكُلِّ قَادِمٍ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَطْوَافِ الْأُوَلِ . 17067 - وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ الرَّمَلُ بِسُنَّةٍ ، وَمَنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَمَنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْهُ . 17068 - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . 17069 - وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 17070 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ وَمَنْ تَابَعَهُ . 17071 - وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّمَلَ سُنَّةً حَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : 17072 - رَوَى فِطْرٌ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَلَ بِالْبَيْتِ ، وَقَالَ : ( ذَلِكَ سُنَّةٌ ) ، فَقَالَ : صَدَقَوا وَكَذَبُوا . قُلْتُ : مَا صَدَقُوا ؟ وَمَا كَذَبُوا ؟ قَالَ : صَدَقُوا ; رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَكَذَبُوا ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِسُنَّةٍ . إِنَّ قُرَيْشًا زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالُوا : إِنَّ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ هَزْلًا ، وَقَعَدُوا عَلَى قَيْقُعَانَ يَنْظُرُونَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : ارْمُلُوا أَرُوهُمْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمُلُ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الْيَمَانِيِّ ، فَإِذَا تَوَارَى عَنْهُمْ مَشَى . 17073 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ . 17074 - وَهَذَا مَعْنَاهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ فِي عُمْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ . 17075 - وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ ; فَرَمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةً ، وَمَشَى أَرْبَعَةً . 17076 - فَفِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا . 17077 - وَهَذَا مَعَ حَديِثِ جَابِرٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ . 17078 - وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . 17079 - وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ . 17080 - وَقَدْ رَوَى : عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 17081 - وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنَّ بِأَصْحَابِهِ هَزْلًا ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : شَدُّوا مَآزِرَكُمْ وَارْمُلُوا حَتَّى يَرَى قَوْمُكُمْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْمُلْ . 17082 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الثَّابِتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَمَلَ فِي حَجَّتِهِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ، وَمَشَى أَرْبَعَةً ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ . 17083 - وَقَدْ ذَكَرْنَا جَمَاعَةً رَوَوْهُ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِكَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 17084 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ مِنْ قَوْلِهِ : ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْمُلْ . 17085 - وَرَوَى هِشَامٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ فِي الرَّمَلِ : لَا تَدَعْ شَيْئًا صَنَعْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 17086 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْمُلُونَ فِي الطَّوَافِ ثَلَاثًا - طَوَافَ الْقُدُومِ - فَصَارَ سُنَّةً مَعْمُولًا بِهَا لَا يَضُرُّهَا مَنْ جَهِلَهَا وَأَنْكَرَهَا . 17087 - وَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً ، يَعْنِي فِي حَجَّتِهِ . 17088 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ فِي الْعُمْرَةِ ، وَمَشَى فِي الْحَجِّ ، وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 17089 - وَرَوَى مَالِكٌ ، وَأَيُّوبُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ رَمَلَ بِالْبَيْتِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ . 17090 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَأَتْبَاعِهِمْ ، وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ ، وَقَدْ مَضَى حَدِيثُ جَابِرٍ بِمَا يُغْنِي عَنِ الدَّلَائِلِ وَالتَّأْوِيلِ . 17091 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الدُّخُولِ ، أَوْ تَرَكَ الْهَرْوَلَةَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ قَرِيبٌ : 17092 - فَمَرَّةً قَالَ مَالِكٌ : يُعِيدُ . 17093 - وَمَرَّةً قَالَ : لَا يُعِيدُ . 17094 - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ . 17095 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ أَيْضًا ، هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ إِنْ أَبْعَدَهُ ؟ فَقَالَ مَرَّةً : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 17096 - وَمَرَّةً قَالَ : عَلَيْهِ دَمٌ . 17097 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُوَ خَفِيفٌ وَلَا أَرَى فِيهِ شَيْئًا . 17098 - وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ اسْتَخَفَّهُ ، قَالَ ، وَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا . 17099 - وَرَوَى مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا . 17100 - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . 17101 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكٌ . 17102 - وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ دَمًا . 17103 - وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ دَمٌ . 17104 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ لِمَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا وَاسْتَخَفَّهُ أَنَّهُ شَيْءٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ سُنَّةٌ وَأَلْزَمَهُ عَلَى الْبَرَاءَةِ حَتَّى يَصِحَّ مَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ فِيهَا . 17105 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 17106 - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . 17107 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ ، وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . 17108 - وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا رَمَلَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، وَهُمُ الْمُتَمَتِّعُونَ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ رَمَلُوا فِي حِينِ دُخُولِهِمْ حِينَ طَافُوا لِلْقُدُومِ . 17109 - وَاخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ مَكَّةَ إِذَا حَجُّوا ، هَلْ عَلَيْهِمْ رَمَلٌ أَمْ لَا ؟ 17110 - فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى عَلَيْهِمْ رَمَلًا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ . 17111 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَرْمُلَ حَوْلَ الْبَيْتِ . 17112 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ طَوَافٍ قَبْلَ عَرَفَةَ كُلُّ طَوَافٍ يُوصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ فَإِنَّهُ يُرْمَلُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ . 17113 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعُ مَعَانِي الْآثَارِ الْمَرْسُومَةِ مِنْ جِنْسِهِ . 17114 - وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ فِي الطَّوَافِ : اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَا وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتَّا فَإِنَّ الْمَوْزُونَ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا يُكْرَهُ كَغَيْرِ الْمَوْزُونِ ، وَأَمَّا الشِّعْرُ كَلَامٌ ، فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ . 17115 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ مِثْلَ هَذَا مِنْ مَوْزُونِ الشِّعْرِ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى الذِّكْرِ ، وَكَانَ شَاعِرًا ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، وَالشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ وَأَلْسِنَتُهُمْ بِهِ رَطْبَةٌ . 17116 - وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا : يَا فَالِقَ الْإِصْبَاحِ أَنْتَ رَبِّي وَأَنْتَ مَوْلَايَ وَأَنْتَ حَسْبِي فَأَصْلِحَنْ بِالْيَقِينِ قَلْبِي وَنَجِّنِي مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْكَرْبِ 17117 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ ، وَمِنْ رَفْعِ الْعَقِيرَةِ بِهِ ، وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْغِنَاءِ وَشِبْهِهِ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ عِنْدَ ذِكْرِ رَفْعِ بِلَالٍ عَقِيرَتَهُ . أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخَرٌ وَجَلِيدُ
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ · ص 452 34 - بَاب الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ 806 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . 34 - بَابُ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ أَيْ فِي بَعْضِهِ وَبَقَاءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ هُوَ بِسُنَّةٍ ، مَنْ شَاءَ رَمَلَ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَرْمُلْ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ : الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُوَ شَبِيهٌ بِالْهَرْوَلَةِ ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْمَاشِي مَنْكِبَيْهِ فِي مِشْيَتِهِ . 816 806 - ( مَالِكٌ ، عَنْ جَعْفَرِ ) الصَّادِقِ ( بْنِ مُحَمَّدٍ ) فَقِيهٌ صَدُوقٌ إِمَامٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ أَبِيهِ ) مُحَمَّدِ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ الثِّقَةِ الْفَاضِلِ مِنْ سَادَاتِ آلِ الْبَيْتِ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الصَّحَابِيِّ ابْنِ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ( أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ ) بِفَتْحَتَيْنِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : ( مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ) وَهِيَ الْأُوَلُ . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدُمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً ، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا ، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَالرَّمَلُ سُنَّةٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، فَلَوْ تَرَكَهُ فِيهَا وَلَوْ عَمْدًا ، لَمْ يَرْمُلْ فِيمَا بَقِيَ كَتَارِكِ السُّورَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ لَا يَقْرَأُهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الطَّوَافِ فِي الْأَرْبَعِ الْأَخِيرَةِ السَّكِينَةُ فَلَا تُغَيَّرُ ، وَلَا فَرْقَ فِي سُنِّيَّةِ الرَّمَلِ بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ ، أَوْ مَحْمُولٍ لِمَرَضٍ أَوْ صَبِيٍّ ، وَلَا دَمَ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِيعَابُ الرَّمَلِ فِي جَمِيعِ الطَّوْفَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الِاسْتِيعَابِ ، فَيُعَارِضُ حَدِيثَ جَابِرٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ لِكَوْنِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ ، فَهُوَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ ، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي الْبَدَنِ ، فَرَمَلُوا إِظْهَارًا لِلْقُوَّةِ ، وَاحْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فِيمَا عَدَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحِجْرِ فَلَا يَرَوْنَهُمْ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا حَجَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ عَشْرٍ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ لِأَنَّهُ الْآخِرُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَحَدِيثُ الْبَابِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَيَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ( قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ) أَيِ اسْتَمَرَّ ( عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا ) ، وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ . فَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةٍ أَسُنَّةٌ هُوَ ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا سُنَّةٌ ، قَالَ : صَدَقُوا وَكَذَبُوا ، قُلْتُ : مَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا ؟ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا ، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا ، أَيْ صَدَقُوا فِي أَنَّ الْمُصْطَفَى فَعَلَهُ ، وَكَذَبُوا فِي أَنَّهُ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ سُنَّةً مَطْلُوبَةً عَلَى تَكَرُّرِ السِّنِينَ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ تِلْكَ السَّنَةَ لِإِظْهَارِ الْقُوَّةِ لِلْكُفَّارِ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ . وَكَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَحَظَ هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : مَا لَنَا وَالْمُرْمِلَ إِنَّمَا كُنَّا رَأَيْنَا الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : ثُمَّ رَمَلَ فَهَمَّ بِتَرْكِهِ لِفَقْدِ سَبَبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَهُ حِكْمَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا فَرَأَى الِاتِّبَاعَ أَوْلَى وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ بَاعِثًا عَلَى تَذَكُّرِ سَبَبِهِ فَيَذْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، ثُمَّ لَا يُشَكِّلُ قَوْلُهُ رَأْيَنَا ، مَعَ أَنَّ الرُّؤْيَا بِالْعَمَلِ مَذْمُومٌ لِأَنَّ صُورَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةَ الرِّيَاءِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْمُومَةً ؛ لِأَنَّ الْمَذْمُومَ أَنْ يُظْهِرَ الْعَمَلَ لِيُقَالَ إِنَّهُ عَامِلٌ ، وَلَا يَعْمَلُهُ إِذَا لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ، وَمَا وَقَعَ لَهُمْ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْمُخَادَعَةِ فِي الْحَرْبِ ، لِأَنَّهُمْ أَوْهَمُوا الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ أَقْوِيَاءٌ ، لِئَلَّا يَطْمَعُوا فِيهِمْ ، وَقَدْ صَحَّ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ .