901 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَخَمْسُونَ لِنَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ . هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَائِرُ أَصْحَابِ نَافِعٍ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْ رُوَاتِهِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ وَحَذْفٌ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً إِنَّمَا جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَدَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَبَشِيِّ بْنِ جُناَدَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ حَلَقُوا رُؤوسَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَأَبَا قَتَادَةَ ، وَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . وَوَجَدْتُ فِي أَصْلِ سَمَاعِ أَبِي بِخَطِّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ قَاسِمِ بْنِ هِلَالٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أسد ابْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ ( قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ) ، قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ ، قَالُوا : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ) فَمَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ ؟ قَالَ : لَمْ يَشُكُّوا . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، ( قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيَّانَ ) ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فذكر بمعناه ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ حُصِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُنِعَ مِنَ النُّهُوضِ إِلَى الْبَيْتِ وَصُدَّ عَنْهُ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : إِذَا نَحَرَ الْمُحْصَرُ هَدْيَهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّسُكُ كُلُّهُ . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِحْصَارِ جَمِيعُ الْمَنَاسِكِ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا ، وَالْمَرْوَةِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ مِنْ إِحْرَامِهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ فَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ ، فَلَمَّا سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْإِحْصَارِ سَقَطَ عَنْهُ سَائِرُ مَا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُحْصَرٌ ، وَمِمَّنْ قَالَ : بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ الْحَسَنُ قَالَا : لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ تَقْصِيرٌ ، وَلَا حِلَاقٌ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَحْلِقُ الْمُحْصَرُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَخَالَفَهُمَا آخَرُونَ ، فَقَالُوا : يَحْلِقُ الْمُحْصَرُ رَأْسَهُ بَعْدَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ سَوَاءً . وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَرَمْيَ الْجِمَارِ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمُحْصَرُ ، وَقَدْ صُدَّ عَنْهُ فَسَقَطَ عَنْهُ مَا قَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ . وَأَمَّا الْحِلَاقُ ، فَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ فهو غير سَاقِطٌ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَلِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَلْقِ بَاقٍ عَلَى الْمُحْصَرِينَ كَمَا هُوَ عَلَى مَنْ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْبَيْتِ سَوَاءً لِدُعَائِهِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً ، وَهُوَ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ ( وَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ ) ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ فَالْحِلَاقُ عِنْدَهُمْ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ الَّذِي قَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ ، وَعَلَى مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، ( وَعَلَى ) الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ وَالْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْحِلَاقَ ، أَوِ التَّقْصِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدِهِمَا : أَنَّ الْحِلَاقَ لِلْمُحْصَرِ مَنَ النُّسُكِ ، وَالْآخَرِ : لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحْصَرِ هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ ، أَوْ يَحِلَّ بِشَيْءٍ فِي الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا - عِنْدَنَا - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ ، قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ : وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَمَعْنَى هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : فِيمَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ لَا فِي الْمُحْصَرِ ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي الْمُحْصَرِ أَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ ، وَالْحِلَاقُ عِنْدَهُ لِلْحَجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ سُنَّةٌ ، وَعَلَى تَارِكِهِ الدَّمُ ، وَالتَّحَلُّلُ فِي مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِلَاقِ ، وَإِنَّمَا التَّحَلُّلُ الرَّمْيُ ، أَوْ ذَهَابُ زَمَانِهِ ، أَوْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ ، فَمَنْ تَحَلَّلَ فِي الْحِلِّ مِنَ الْمُحْصَرِينَ كَانَ حِلَاقُهُ فِيهِ ، وَمَنْ تَحَلَّلَ فِي الْحَرَمِ كَانَ حِلَاقُهُ فِيهِ ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَكُونَ الْحِلَاقُ بِمِنًى ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِمَكَّةَ وَحَيْثُ مَا حَلَقَ أَجْزَأَهُ مِنْ حِلٍّ ، وَحَرَمٍ ، وَيَجِبُ حِلَاقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، أَوْ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ ، وَالْحِلَاقُ أَفْضَلُ إِلَّا أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ غَيْرُ التَّقْصِيرِ ، وَحِلَاقُهُنَّ مَعْصِيَةٌ عِنْدَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِضَرُورَةٍ ، وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَحْلِقَ ، وَيَفْتَدِيَ ، وَيَنْقُصُ ذَلِكَ إِحْرَامَهُ ، وَجَمِيعُ مُحَرَّمَاتِ الْحَجِّ لَا يُفْسِدُهَا إِلَّا الْجِمَاعُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ مَرَضٍ ، وَغَيْرِهِ فِي بَابِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إِذَا حَلَّ الْمُحْصَرُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَيَعُودُ حَرَامًا كَمَا كَانَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ ، وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ قَالُوا : وَهُوَ الْمُوسِرُ فِي ذَلِكَ ، وَالْمُعْسِرُ لَا يَحِلُّ أَبَدًا حَتَّى يَنْحَرَ ، أَوْ يُنْحَرَ عَنْهُ ، قَالُوا : وَأَقَلُّ مَا يَهْدِيهِ شَاةٌ لَا عَمْيَاءَ ، وَلَا مَقْطُوعَةَ الْأُذُنَيْنِ ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُمْ مَوْضِعَ صِيَامٍ ، وَلَا إِطْعَامٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُحْصَرِ : إِذَا أَعْسَرَ بِالْهَدْيِ فِيهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَحِلُّ أَبَدًا إِلَّا بِهَدْيٍ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ خَرَجَ ممَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ : يَحِلُّ مَكَانَهُ ، وَيَذْبَحُ إِذَا قَدَرَ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَذْبَحَ إِلَّا بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ذَبَحَ حَيْثُ قَدَرَ ، قَالَ : وَيُقَالُ : لَا يَجْزِيهِ إِلَّا هَدْيٌ ، وَيُقَالُ : إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا كَانَ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ ، أَوِ الصِّيَامُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا إِذَا قَدَرَ . وَقَالَ فِي الْعَبْدِ : لَا يَجْزِيهِ إِلَّا الصَّوْمُ إِذَا أُحْصِرَ تُقَوَّمُ لَهُ الشَّاةُ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا ، ثُمَّ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ؛ قَالَ : وَالْقَوْلُ فِي إِحْلَالِهِ قَبْلَ الصَّوْمِ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَحَدِهِمَا : يَحِلُّ ، وَالْآخَرِ : لَا يَحِلُّ حَتَّى يَصُومَ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُهُمَا بِالْقِيَاسِ ، لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْإِحْلَالِ لِلْخَوْفِ ، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِقَامَةِ عَلَى خَوْفٍ ، وَالصَّوْمُ يُجْزِئُهُ هَذَا كُلُّهُ ، قَوْلُهُ : بمصر ، رَوَاهُ الْمُزَنِيُّ ، وَالرَّبِيعُ عَنْهُ ، وَقَالَ بِبَغْدَادَ فِي الْعَبْدِ : يُعْطِيهِ سَيِّدُهُ فِي التَّمَتُّعِ ، وَالْقِرَانِ هَدْيًا ، ذَكَرَ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ ، قَالَ : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ : إِنْ أُذِنَ لَهُ بِالتَّمَتُّعِ لَيْسَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ ، رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ عَنْهُ فِي الْمُحْصَرِ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ ، وَلَمْ يَحْلِقْ حَتَّى زَالَ خَوْفُ الْعَدُوِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحِلَاقُ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مَحْصُورٍ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : لَا يَكْمُلُ إِحْلَالُ الْمُحْرِمِ إِلَّا بِحِلَاقٍ ، قَالَ : وَمَنْ قَالَ يَكْمُلُ إِحْلَالُهُ قَبْلَ الْحِلَاقِ ، وَالْحِلَاقُ أَوَّلُ الْإِحْلَالِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : إِذَا ذَبَحَ فَقَدْ حَلَّ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى وَجْهِهِ إِذَا ذَبَحَ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ · ص 233 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث ابن عمر اللهم ارحم المحلقين · ص 101 901 ( 60 ) بَابُ الْحِلَاقِ 856 - مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . 18217 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلُ . 18218 - وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ . 18219 - رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً . 18220 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ الزُّهَيْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ . . ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُمَا فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، قَالَا : فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، قُومُوا فَانْحَرُوا وَأَحِلُّوا فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ ؛ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، انْحَرُوا وَأَحِلُّوا فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ ، فَمَا قَامَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ ، أَمَا تَرَيْنَ إِلَى النَّاسِ ، آمُرُهُمْ بِالْأَمْرِ لَا يَفْعَلُونَهُ ؟ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تَلُمْهُمْ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ دَخَلَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِمَّا رَأَوْكَ حَمَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ فِي الصُّلْحِ ; فَاخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَ هَدْيُكَ فَتَنْحَرَ وَتَحِلَّ ; فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ ، فَعَلُوا كَالَّذِي فَعَلْتَ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهَا فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ، قَامُوا ; فَنَحَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَحَلَقَ بَعْضٌ وَقَصَّرَ بَعْضٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ . فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ ؟ فَذَكَرَهَا ثَلَاثَةً ، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ : وَلِلْمُقَصِّرِينَ . 18221 - وَبِهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : حَلَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلَيْنِ قَصَّرَا وَلَمْ يَحْلِقَا . 18222 - وَبِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَصَّرَ آخَرُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالْمُقَصِّرِينَ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . قَالُوا : فَمَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ ؟ قَالَ لَمْ يَشُكُّوا . 18223 - رَوَاهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيَّ هَذَا هُوَ الْأَشْهَلِيُّ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ . 18224 - وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى أَصْحَابَهُ حَلَقُوا رُؤُوسَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأَبَا قَتَادَةَ ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً . 18225 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ . 18226 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ وَأَنَّ سُنَّتَهُنَّ التَّقْصِيرُ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، حِينَ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُنِعَ مِنَ النُّهُوضِ إِلَى الْبَيْتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَحْكَامِ الْمُحْصَرِ فِي مَوْضِعِهِ . 18227 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ ، هَلِ الْحِلَاقُ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَمْ لَا ؟ . 18228 - فَقَالَ مَالِكٌ : الْحِلَاقُ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ الْمُتِمِّ لِحَجِّهِ وَالْمُعْتَمِرِ لِعُمْرَتِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، أَوْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ . 18229 - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ ، إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ ؛ هَلْ هُوَ مِنَ النُّسُكِ أَمْ لَا ؟ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ : 18230 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُحْصَرُ لَيْسَ عَلَيْهِ تَقْصِيرٌ وَلَا حِلَاقٌ . 18231 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُقَصِّرُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 18232 - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : أَنَّ عَلَيْهِ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ . 18233 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَلِ الْحِلَاقُ مِنَ النُّسُكِ ؟ أَوْ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . 18234 - ( أَحَدُهُمَا ) : الْحِلَاقُ مِنَ النُّسُكِ . 18235 - ( وَالْآخَرُ ) : الْحِلَاقُ مِنَ الْإِحْلَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالْإِحْرَامِ . 18236 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ نُسُكًا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دَمًا . 18237 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ : 18238 - فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ ، فَلْيَحْلِقْ ثُمَّ لِيُفِضْ ، فَإِنْ لَمْ يُفِضْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . 18239 - قَالَ : وَقَدْ قَالَ : يَنْحَرُ وَيَحْلِقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيْنَا . 18240 - وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْحِلَاقِ · ص 522 60 - بَاب الْحِلَاقِ 887 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ . 60 - بَابُ الْحِلَاقِ 901 887 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْإِمَامِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَجِّ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَلَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا ) أَيِ الصَّحَابَةُ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عَلَى الَّذِي تَوَلَّى السُّؤَالَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ ( وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) أَيْ قُلْ وَارْحَمِ الْمُقَصِّرِينَ ( قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا ) : قُلْ ( وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) فَالْعَطْفُ عَلَى مَحْذُوفٍ وَهُوَ يُسَمَّى الْعَطْفُ التَّلْقِينِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 124 ) ( قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ ) قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ إِعْطَاءُ الْمَعْطُوفِ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا السُّكُوتُ بِلَا عُذْرٍ ، ثُمَّ هُوَ هَكَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ الدُّعَاءُ لِلْمُحَلِّقِينَ مَرَّتَيْنِ ، وَعَطَفَ الْمُقَصِّرِينَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، وَانْفَرَدَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ دُونَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِإِعَادَةِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّقَصِّي ، وَأَغْفَلَهُ فِي التَّمْهِيدِ ، بَلْ قَالَ فِيهِ : إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَاجَعْتُ أَصْلَ سَمَاعِي مِنْ مُوَطَّأِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، فَوَجَدْتُهُ كَمَا قَالَ فِي التَّقَصِّي ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ : ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ اللَّيْثِ ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ مَالِكٍ سَوَاءٌ ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ قَوْلَهُ : وَالْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ، أَيْ وَارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ دُعَائِهِ لَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الرَّابِعَةِ . وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ : قَالَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِأَنَّ مَنْ قَالَ الرَّابِعَةَ فَعَلَى مَا شَرَحْنَاهُ ، وَمَنْ قَالَ الثَّالِثَةَ أَرَادَ أَنَّ الْمُقَصِّرِينَ عَطْفٌ عَلَى الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ ، أَوْ أَرَادَ بِالثَّالِثَةِ مَسْأَلَةَ السَّائِلِينَ ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَلَوْ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ ثَالِثَ مَسْأَلَةٍ مَا سَأَلُوهُ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا : وَلِلْمُقَصِّرِينَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا ، ثُمَّ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ ، وَرِوَايَةُ مَنْ جَزَمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ شَكَّ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهُوَ تَقْصِيرُ حَذْفٍ ، وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ ، ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَغْفِرُ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ : حَلَّقَ رِجَالٌ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، بَلْ قَالَ : وَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، وَتَجَوَّزَ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ وَقَعَ لَقَطَعْنَا بِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، لِأَنَّهُ شَهِدَهَا ، وَلَمْ يَشْهَدِ الْحُدَيْبِيَةَ ، وَلَمْ يَسُقِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا شَيْئًا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُ ، بَلْ صَرَّحَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، بِأَنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَإِلَيْهِ يُومِي صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ وَمَالِكٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَكَانَ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ حَبَشِيٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ فَقَدْ وَرَدَ تَعْيِينُ الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَكَذَا جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، وَوَرَدَ تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأُمِّ الْحُصَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَارَبَ الثَّقَفِيُّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأُمُّ عُمَارَةَ عِنْدَ الْحَارِثِ ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا تَعْيِينُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَكْثَرُ عَدَدًا ، وَأَصَحُّ إِسْنَادًا ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : كَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّهُ الْأَقْرَبُ ، قُلْتُ : بَلْ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لتضافر الرِّوَايَاتِ بِذَلِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَّا أَنَّ السَّبَبَ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ ، فَالَّذِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَبَبُهُ تَوَقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِحْلَالِ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُزْنِ ، لِكَوْنِهِمْ مُنِعُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ مَعَ اقْتِدَارِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَخَالَفَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ تَوَقَّفُوا ، فَأَشَارَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يَحِلَّ هُوَ ، فَفَعَلَ فَحَلَقَ بَعْضٌ ، وَقَصَّرَ بَعْضٌ ، فَكَانَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الْحَلْقِ أَسْرَعَ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ مِمَّنْ قَصَّرَ ، وَصَرَّحَ بِهَذَا السَّبَبِ فِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْتَ لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا . وَأَمَّا سَبَبُ تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ لِلْمُحَلِّقِينَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : كَانَ أَكْثَرُ مَنْ حَجَّ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُوا مِنْهَا ، وَيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ التَّقْصِيرُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَخَفَّ مِنَ الْحَلْقِ ، فَفَعَلَهُ أَكْثَرُهُمْ ، فَرَجَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلَ مَنْ حَلَقَ ، لِأَنَّهُ أَبْيَنُ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ ، وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ إِذَا قَرُبَ مَا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ هُنَا ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ : إِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ حُبُّ تَوْفِيرِ الشُّعُورِ وَالتَّزَيُّنِ بِهَا ، وَالْحَلْقُ فِيهِمْ قَلِيلٌ ، وَرُبَّمَا رَأَوْهُ مِنَ الشُّهْرَةِ وَمِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ فلِذَا كَرِهُوا الْحَلْقَ ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى التَّقْصِيرِ . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِي عَنِ الْحَلْقِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا رِوَايَةً عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ أَوَّلَ حَجَّةٍ ، وَثَبَتَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ ، وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ ، وَالْمُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَالِقِ ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ وَإِشَارَةً إِلَى التَّجَرُّدِ ، وَلِذَا اسْتَحَبَّ الصُّلَحَاءُ إِلْقَاءَ الشُّعُورِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ، وَتَعْلِيلُ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمُقَصِّرَ مُبْقٍ عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ ، وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهَا ، بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ ، فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْحَلْقَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْأَمْرِ بِالتَّقَشُّفِ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ : ( الْمُحَلِّقِينَ ) ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَاسْتَحَبَّهُ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَيُجْزِي الْبَعْضُ عِنْدَهُمْ ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبُعُ إِلَّا أَبَا يُوسُفَ ، فَقَالَ : النِّصْفُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ ، وَالتَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ يَأْخُذُ الرَّجُلَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ اسْتِحْبَابًا ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ ، وَهُوَ قَدْرُ أُنْمُلَةٍ ، وَالْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ بِإِجْمَاعٍ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَرْفُوعًا : لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ : نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَفِيهِ أَيْضًا الدُّعَاءُ لِمَنْ فَعَلَ مَا شُرِعَ لَهُ ، وَتَكْرَارُهُ لِمَنْ فَعَلَ ، الرَّاجِحُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرُ فِيهِمَا ، وَالتَّنْبِيهُ بِالتَّكْرَارِ عَلَى الرُّجْحَانِ ، وَطَلَبُ الدُّعَاءِ لِمَنْ فَعَلَ الْجَائِزَ ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .