19526 - وَفِي هَذَا الْبَابِ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ فَتَجَهَّزَ . حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مَنْعَهُ أَبَوَاهُ ، أَوْ أَحَدُهُمَا . فَقَالَ : لَا يُكَابِرْهُمَا . وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ . فَأَمَّا الْجَهَازُ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ . فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسَدَ ، بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِدُ مِثْلَ جَهَازِهِ إِذَا خَرَجَ ، فَلْيَصْنَعْ بِجَهَازِهِ مَا شَاءَ . 19527 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا اسْتِحْبَابٌ مِنْهُ ، وَمِنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ يَسْتَحِبُّ فِيمَا نَوَاهُ الْمَرْءُ وَهُمْ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ لا يَعُودَ فِيهِ ، وَأَنْ يَضْمَنَهُ إِذَا أَخْرَجَهُ حَتَّى اللُّقْمَةَ يُخْرِجُهَا لِلسَّائِلِ فَلَا يَجِدُهُ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الصَّدَقَةِ إِذَا قَبَضَهَا الْمُعْطَى فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْمُتَصَدِّقِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا خَرَجَ عَنْ يَدِ الْمُعْطِي . 19528 - وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَتَرَكْتُ أَبَوَايَ يَبْكِيَانِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا . 19529 - وَرَوَى زَائِدَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمَرو ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَاهِدَ مَعَكَ ، قَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ . 19530 - وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْتَشِيرُهُ فِي الْجِهَادِ ، فَقَالَ : أَلَكَ وَالِدَانِ ؟ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : اذْهَبْ ، فَأَكْرِمْهُمَا ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهِمَا . 19531 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْغَزْوُ ، وَوَالِدَاهُ كَارِهَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَهُمَا فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ عُقُوقٌ ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَمِنَ الْغَزْوِ مَا قُلْتُ . 19532 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الْوَالِدَيْنِ إِذَا أَذِنَا بِالْغَزْوِ قَالَ : إِنْ كُنْتَ تَرَى هَوَاهُمَا فِي الْجُلُوسِ فَاجْلِسْ . 19533 - قَالَ : وَسُئِلَ الْحَسَنُ : مَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ؟ قَالَ : أَنْ تَبْذُلَ لَهُمَا مَا مَلَكْتَ ، وَأَنْ تُطِيعَهُمَا فِيمَا أَمَرَاكَ بِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً .
الشروح
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارأثران فِيمَنْ أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 94 شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْعَمَلِ فِيمَنْ أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 22 970 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ فَيَبْلُغُ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ فَتَجَهَّزَ ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَالَ : لَا يُكَابِرْهُمَا وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ ، فَأَمَّا الْجِهَازُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ ، فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسُدَ بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِدُ مِثْلَ جَهَازِهِ إِذَا خَرَجَ ، فَلْيَصْنَعْ بِجَهَازِهِ مَا شَاءَ . 986 970 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أُعْطِيَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ فَيَبْلُغُ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ ) مِلْكًا وَفِيهِ حِلُّ ذَلِكَ لِلْغَازِي وَإِنْ غَنِيًّا فَلَيْسَ كَالصَّدَقَةِ . ( سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ فَتَجَهَّزَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ : لَا يُكَابِرْهُمَا ) أَيْ لَا يُغَالِبْهُمَا وَيُعَانِدْهُمَا ، وَلِابْنِ وَضَّاحٍ : لَا أَرَى أَنْ يُكَابِرَهُمَا ( وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ ) وَفِي الصَّحِيحِ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ أَيْ خُصَّهُمَا بِجِهَادِ النَّفْسِ فِي رِضَاهُمَا وَبِرِّهِمَا ، فَعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إِيصَالُ الضَّرَرِ الَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمَا لَهُمَا وَلَيْسَ بِمُرَادٍ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ كُلْفَةِ الْجِهَادِ وَهُوَ تَعَبُ الْبَدَنِ وَالْمَالِ . وَفِي مُسْلِمٍ قَالَ : ارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا وَعِنْدَهُ أَيْضًا ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا قَالَ الْجُمْهُورُ : يَحْرُمُ الْجِهَادُ إِذَا مَنَعَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا إِذَنْ . فَفِي ابْنِ حِبَّانَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ، قَالَ : الصَّلَاةُ ، قَالَ : ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ ، قَالَ : فَإِنَّ لِي وَالِدَيْنِ ، فَقَالَ : آمُرُكَ بِوَالِدَيْكَ خَيْرًا ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لِأُجَاهِدَنَّ وَلَأَتْرُكَنَّهُمَا ، قَالَ : فَأَنْتَ أَعْلَمُ فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى جِهَادِ فَرْضِ الْعَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . ( فَأَمَّا الْجِهَازُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسُدَ بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ ) فِي الْعَامِ الْآخَرِ ( فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِدُ مِثْلَ جَهَازِهِ ) بِفَتْحٍ الجيم وكسرها ( إِذَا خَرَجَ فَلْيَصْنَعْ بِجَهَازِهِ مَا شَاءَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهِ .