1001 حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَأَرْبَعُونَ لِأَبِي الزِّنَادِ مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ . هَذَا مِنْ أَحْسَنِ حَدِيثٍ فِي فَضْلِ الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْحَضِّ عَلَى الثُّبُوتِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يُكْلَمُ فَمَعْنَاهُ : لَا يُجْرَحُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْكُلُومُ : الْجِرَاحُ ، مَعْرُوفٌ ذَلِكَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ . ( وَمِنْ أَمْلَحِ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ يَصِفُ امْرَأَةً نَاعِمَةً طَرِيَّةً ، زَعَمَ أَنَّ الذَّرَّ لَوْ مَشَى عَلَيْهَا لَجَرَحَهَا جِرَاحًا تَصِيحُ مِنْهَا وَتَنْدُبُ نَفْسَهَا فَقَالَ : لَوْ يَدُبُّ الْحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرِّ عَلَيْهَا لَأَنْدَبَتْهَا الْكُلُومُ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَثْعَبُ دَمًا ، فَمَعْنَاهُ يَنْفَجِرُ دَمًا . ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ وَالْغَزْوُ وَمُلَاقَاةُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْكُفَّارِ ، عَلَى هَذَا خَرَجَ الْحَدِيثُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بِالْمَعْنَى كُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ بِرٍّ وَحَقٍّ وَخَيْرٍ مِمَّا قَدْ أَبَاحَهُ اللَّهُ ، كَقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ الْخَوَارِجِ وَاللُّصُوصِ وَالْمُحَارِبِينَ ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ . وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي الْغَزْوِ تَكُونُ هَذِهِ حَالَهُ حَتَّى تَصِحَّ نِيَّتُهُ ، وَيَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ خَرَجَ يُرِيدُ وَجْهَهُ وَمَرْضَاتَهُ ، لَا رِيَاءً ، وَلَا سُمْعَةً ، وَلَا مُبَاهَاةً ، وَلَا فَخْرًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَيِّتٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - يُبْعَثُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا ; إِلَّا أَنَّ فَضْلَ الشَّهِيدِ ( الْمَقْتُولِ ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَنْ يَكُونَ رِيحُ دَمِهِ كَرِيحِ الْمِسْكِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ دَمُ غَيْرِهِ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَوْتَى جُمْلَةً يُبْعَثُونَ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ ، احْتَجَّ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مَسْلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا ، وَهَذَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي الشَّهِيدِ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَيَكُونَ الْمَيِّتُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِهِ هُوَ الشَّهِيدَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُزَمَّلَ بِثِيَابِهِ وَيُدْفَنَ فِيهَا ، وَلَا يُغْسَلَ عَنْهُ دَمُهُ ، وَلَا يُغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ حَالِهِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ، فَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَشَبَهِهِ تَأَوَّلْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا ذَكَرْنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَأَوَّلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُخْتَمُ لَهُ بِهِ ، وَظَاهِرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي سُقُوطِ غُسْلِ الشَّهِيدِ الْمَقْتُولِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ فِي تَرْكِ غُسْلِ الشُّهَدَاءِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فِيهِمْ ، وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي غَسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فِي بَلَاغَاتِ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ عَبَدَ رَبِّهِ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ : لَا تُغَسِّلُوهُمْ ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : لَا تُغَسِّلُوهُمْ ، وَاخْتُلِفَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ ذَلِكَ فِي بَلَاغَاتِ مَالِكٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ بِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِشَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ ، وَلَوْنُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، أَنَّ الْحُكْمَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ اللَّوْنِ ، فَزَعَمُوا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّوْنِ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنًى لَهُ ; لِأَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجِيءُ وَلَوْنُهُ كَلَوْنِ الدِّمَاءِ ، وَلَكِنَّ رَائِحَتَهُ فَصَلَتْ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ سَائِرِ الدِّمَاءِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ لَهَا ; فَاسْتَدَلُّوا فِي زَعْمِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ لَمْ يَضُرُّهُ ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ ، وَلَا فِي الدَّمِ مَعْنَى الْمَاءِ فَيُقَاسَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِمِثْلِ هَذَا ( مَنْ لَهُ فَهْمٌ ، وَإِنَّمَا اغْتَرَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْمَاءِ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ لَا وَجْهَ لَهُ يُعْرَفُ ) وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ اللَّغْو بِهِ وَإِشْكَالُهُ ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُمْ إِيضَاحُهُ وَبَيَانُهُ ، وَبِذَلِكَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ أَبْوَابٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كَانَ أَصَحَّ لِمَعَانِيهِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ) وَالْمَاءُ لَا يَخْلُو تَغَيُّرُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِنَجَاسَةٍ أَوْ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ ، فَإِنْ كَانَ بِنَجَاسَةٍ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ ، وَلَا مُطَهِّرٍ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ ; إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَغَيُّرُهُ مِنْ تُرْبَتِهِ ، وَحَمْأَتِهِ ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَلَا الْتِبَاسَ مَعَهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَاءِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَاجْتَلَبْنَا مَذَاهِبَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَالِاعْتِلَالُ لِأَقْوَالِهِمْ فِي بَابِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 13 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث أبي هريرة وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 217 1001 957 - وَذُكِرَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ . 20112 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْغَزْوِ وَالثُّبُوتِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ . 20113 - وَقَوْلُهُ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ ، مَعْنَاهُ : لَا يُجْرَحُ ، وَالْكُلُومُ : الْجِرَاحُ عِنْدَ الْعَرَبِ . 20114 - وَقَوْلُهُ : يَثْعَبُ دَمًا ، فمَعْنَاهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا . 20115 - وَقَوْلُهُ : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَمَعْنَاهُ الْجِهَادُ وَمُلَاقَاةُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْكُفَّارِ . 20116 - عَلَى هَذَا خُرِّجَ الْحَدِيثُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بِالْمَعْنَى كُلُّ مَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ بِرٍّ ، وَحَقٍّ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ ، كَقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاللُّصُوصِ وَالْمُحَارِبِينَ ، أَوْ آمِرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ . 20117 - أَلَا تَرَى قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فَهُوَ شَهِيدٌ . 20118 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ . فإِنَّهُ يدل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ فِي الْغَزْوِ ، تَكُونُ هَذِهِ حَالَهُ ، حَتَّى تَصِحَّ لَهُ نِيَّةٌ ، وَيَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ وَجْهَهُ وَمَرْضَاتَهُ ، وَلَمْ يَخْرُجْ رِيَاءً وَلَا مُبَاهَاةً وَلَا سُمْعَةً ، وَلَا فَخْرًا ، وَلَا ابْتِغَاءَ دُنْيَا يَقْصِدُهَا . 20119 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُبْعَثُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا وَهَيْئَتِهِ ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ . 20120 - وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ ، فَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي . 20121 - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُبْعَثُ الْمَيِّتُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا ، أَيْ يُعَادُ خَلْقُ ثِيَابِهِ لَهُ ، كَمَا يُعَادُ خَلْقُهُ . 20122 - وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّمَا ذَلِكَ قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى الْمَجَازِ فَكَنَّى بِالثِّيَابِ عَنِ الْأَعْمَالِ وَالثِّيَابِ ، كَمَا يُقَالُ : طاهِرُ الثَّوْبِ ، وَنَقِيُّ الْجَيْبِ . 20123 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَحمل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْمَجَازِ ، مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَنَّهُ قَالَ : يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً غُرْلًا ، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ . 20124 - فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُبْعَثَ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ وَشَكٍّ وَإِخْلَاصٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . 20125 - وَالْحَقِيقَةُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى مِنَ الْمَجَازِ ، لِأَنَّ الَّذِي يُعِيدُهُ خَلْقًا سَوِيًّا ، يُعِيدُ ثِيَابَهُ - إِنْ شَاءَ . 20126 - وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ خَبَرٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ مَنْ يَغْزُو ، وَيَلْتَمِسُ الدُّنْيَا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُكَاثِرًا ، بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ ، بَعَثَكَ اللَّهُ تَيْكَ الْحَالِ . 20127 - وَقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أن لا عَمَلَ عَلَى الشَّهِيدِ الْمَقْتُولِ فِي الْمَعْرَكَةِ وَغَيْرِهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ مَنْ خَصَّ قَتْلَ الْكفَّارِ فِي الْمَعْرَكَةِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ · ص 52 985 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ . 1001 985 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) بِقُدْرَتِهِ أَوْ فِي مُلْكِهِ ( لَا يُكْلَمُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ يُجْرَحُ ( أَحَدٌ ) مُسْلِمٌ كَمَا قُيِّدَ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) أَيِ الْجِهَادِ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى مُؤَكِّدَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنَى الْمُعْتَرَضِ فِيهِ وَتَفْخِيمِ شَأْنِ مَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 36 ) أَيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي وَضَعَتْ وَمَا عَلَقَ بِهِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَتْمِيمًا لِلصِّيَانَةِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْغَزْوِ ، وَأَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَخْلَصَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا . ( إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ ( دَمًا ) أَيْ يَجْرِي مُتَفَجِّرًا أَيْ كَثِيرًا ( اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ) أَيْ كَرِيحِهِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِسْكًا حَقِيقَةً بِخِلَافِ لَوْنِ الدَّمِ فَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ لِأَنَّهُ دَمٌ حَقِيقَةً فَلَيْسَ لَهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَصِفَاتِهَا إِلَّا اللَّوْنُ فَقَطْ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ في بعثه كَذَلِكَ لِيَكُونَ مَعَهُ شَاهِدُ فَضِيلَتِهِ بِبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ أَوْ تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا مَاتَ صَاحِبُهُ بِهِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ لَا مَا انْدَمَلَ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ أَثَرَ الْجِرَاحَةِ وَسَيَلَانَ الدَّمِ يَزُولُ ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الَّذِي يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا كَذَلِكَ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا لِابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ مُعَاذٍ : عَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا : مَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ ، وَرِيحُهَا الْمِسْكُ قَالَ : وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالشَّهِيدِ بَلْ تَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ جُرِحَ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالُوا وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، وَفِي إِقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ لَكِنْ تَوَقَّفَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي دُخُولِ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فِي هَذَا الْفَضْلِ لِإِشَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى اعْتِبَارِ الْإِخْلَاصِ بِقَوْلِهِ : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ وَالْمُقَاتِلُ دُونَ مَالِهِ لَا يَقْصِدُ وَجْهَ اللَّهِ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ صَوْنَ مَالِهِ وَحِفْظَهُ فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِدَاعِيَةِ الطَّبْعِ لَا بِدَاعِيَةِ الشَّرْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ شَهِيدًا أَنْ يَكُونَ دَمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرِيحِ الْمِسْكِ ، رَأَى بَذْلَ نَفْسِهِ فِيهِ لِلَّهِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ هَذَا الْفَضْلَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ .