1024 حَدِيثٌ عَاشِرٌ لِرَبِيعَةَ مُنْقَطِعٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرِينِ فَقَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِ ؟ فَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ . هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ عَنْ جَابِرٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَالشَّعْبِيِّ . وَسَنَذْكُرُ وُجُوهَ هَذَا الْحَدِيثِ وَطُرُقَهُ بعد الفراغ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعَانِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْعِدَةَ وَاجِبٌ الْوَفَاءُ بِهَا وُجُوبُ سُنَّةٍ وَكَرَامَةٍ ، وَذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ وَأْيُ الْمُؤْمِنِ وَاجِبٌ أَيْ وَاجِبٌ فِي أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا ; لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ بِمَالٍ مَا كَانَ لَمْ يَضْرِبْ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، كَذَلِكَ قُلْنَا : إِيجَابُ الْوَفَاءِ بِهِ ، حَسَنٌ فِي الْمُرُوءَةِ ، وَلَا يُقْضَى بِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنٌ ، يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَى الْخُلْفِ فِي ذَلِكَ الذَّمِّ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَوَفَى بِنَذْرِهِ ، وَكَفَى بِهَذَا مَدْحًا ، وَبِمَا خَالَفَهُ ذَمًّا وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تَمْدَحُ بِالْوَفَاءِ ، وَتَذُمُّ بِالْغَدْرِ وَالْخُلْفِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَمِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ سَابِقُ بْنُ خُدَيْمٍ : مَتَى مَا يَقُلْ حُرٌّ لِطَالِبِ حَاجَةٍ نَعَمْ يَقْضِهَا وَالْحُرُّ لِلْوَأْيِ ضَامِنُ . وَالْوَأْيُ الْعِدَةُ . وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى النَّاسِ بِهَا وَأَنْذَرَهُمْ إِلَيْهَا ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ أَدَّى ذَلِكَ وَقَامَ فِيهِ مَقَامَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِدَةِ ، وَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَالِّ ، هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا يَلْزَمُ ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنْ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا ، دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوْزَنُ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ مَنَحَ مِنْحَةً ، أَوْ أَعَارَ عَارِيَّةً ، أَوْ أَسْلَفَ سَلَفًا ، كُلُّ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فِي ذَلِكَ ، وَأَخَذَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْحِسْبَةِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الصَّدَقَاتِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْهِبَاتِ . قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا الْعِدَةُ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يَهَبَ لَهُ الْهِبَةَ فَيَقُولُ لَهُ : نَعَمْ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، فَمَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ ، قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ، فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَلْزَمُهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا وَعَدَ الْغُرَمَاءُ فَقَالَ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ لِهَذَا ، مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ، وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ : نَعَمْ أَنَا أَفْعَلُ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَقَالَ سَحْنُونُ : الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِدَةِ فِي السَّلَفِ ، وَالْعَارِيَّةِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ : اهْدِمْ دَارَكَ ، وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا تَبْنِيهَا بِهِ ، أَوِ اخْرُجْ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا يُبَلِّغُكَ ، أَوِ اشْتَرِ سلعة كَذَا ، أَوْ تَزَوُّجْ وَأَنَا أُسَلِّفُكَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ ، وَصَدَاقَ الْمَرْأَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُدْخِلُهُ فِيهِ ، وَيُنْشِبُهُ بِهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَلْزَمُهُ قَالَ : وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ : أَنَا أُسَلِّفُكَ ، وَأَنَا أُعْطِيكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ نَفْسَهُ ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : أَمَّا الْعِدَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَمْ يَقْبِضْهَا فِي الْعَارِيَّةِ ; لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ ، وَفِي غَيْرِ الْعَارِيَّةِ أَشْخَاصٌ ، وَأَعْيَانٌ مَوْهُوبَةٌ ، لَمْ تُقْبَضْ ، وَلِصَاحِبِهَا الرُّجُوعُ فِيهَا . وَأَمَّا الْقَرْضُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ إِلَى أَجَلٍ أَوْ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَتَى أَحَبَّ ، وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَرْضِ أَلْبَتَّةَ بِحَالٍ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْمَغْصُوبِ وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ ، إِلَّا زُفَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يُجَوِّزُ التَّأْجِيلَ فِي الْقَرْضِ ، وَلَا فِي الْغَصْبِ ، وَاضْطَرَبَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَخَّرَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَتَى شَاءَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِ قَرْضٍ ، أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَغَيْرُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ وَالْهِبَةِ غَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ وَهِبَةِ مَا لَمْ يُخْلَقْ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَبْرَأُ ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ عَنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ مَنْ قَضَى عَنْهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْآثَارُ الْمُتَّصِلَةُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ ، فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظِ قِرَاءَةٌ مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا أَحْمَدَ الْحُسَيْنَ بْنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ لَأَعْطَيْتُكِ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا فَمَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا ، قَالَ جَابِرٌ : فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَنِي إِذَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَهَكَذَا ، قَالَ : فَحَثَى لِي أَبُو بَكْرٍ حَثْيَةً ، ثُمَّ قَالَ لِي : عُدَّهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ ، قَالَ : خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ ، وَزَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ، ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَدَّنِي ، فَسَأَلْتُهُ فَرَدَّنِي ، فَقُلْتُ فِي الثَّالِثَةِ : سَأَلْتُكَ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ تُعْطِنِي قَالَ : إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي مَرَّةً إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ ، وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ ؟ اهـ . وَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُقَاتِلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا نُوحُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَوْ جَاءَنَا مَالٌ لَحَثَيْتُ لَكَ ، ثُمَّ حَثَيْتُ لَكَ ، ثُمَّ حَثَيْتُ لَكَ ، قَالَ : فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَحَدَّثْتُهُ ، فَقَالَ : وَنَحْنُ لَوْ جَاءَنَا مَالٌ لَحَثَيْتُ لَكِ ، ثُمَّ حَثَيْتُ لَكِ ، ثُمَّ حَثَيْتُ لَكِ ، قَالَ : فَأَتَى مَالٌ فَحَثَى لِي ، ثُمَّ حَثَى لِي ، ثُمَّ حَثَى لِي ، ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ لِي عَلَيْكِ فِيهِ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ ، فَوَزَنَهَا فَكَانَتْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي ، دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَتُحِبُّ الدَّرَاهِمَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : لَوْ جَاءَنِي مَالٌ لَأَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ، وَهَكَذَا ، قَالَ : فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَنِي ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ، أَتَاهُ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : خُذْ كَمَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذْتُ . وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَعْدَوَيْهِ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، نَحْوَهُ ، بِمَعْنَاهُ . وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى ، أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى صَدَقَاتِ مَعْدٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ إِنْفَاذًا لِوَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْعَاشِرُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرِينِ · ص 206 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ · ص 347 1024 وَفِي هَذَا الْبَابِ : 979 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ . فَقَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ ، فَلْيَأْتِنِي . فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ . 20646 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي انْقِطَاعِهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، عَنْ جَابِرٍ . 20647 - رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَالشَّعْبِيُّ . 20648 - وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 20649 - مِنْ أَحْسَنِهَا : مَا حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يزيد الْقَرَاطِيسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ . 20650 - قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ - قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، فَمَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ ، فَلْيَأْتِنَا . قَالَ جَابِرٌ : فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ، فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَنِي إِذَا قَدِمَ مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ، قَالَ : فَحَثَى لِي أَبُو بَكْرٍ حَثْيَةً ، ثُمَّ قَالَ لِي : عُدَّهَا ، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ : قَالَ : خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ . 20651 - وَزَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ : ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَرَدَّنِي ، فَسَأَلْتُهُ ، فَرَدَّنِي ، فَقُلْتُ فِي الثَّالِثَةِ : سَأَلْتُكَ مَرَّتَيْنِ ، فَلَمْ تُعْطِنِي ؟ فَقَالَ : إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي مَرَّةً إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أُعْطِيكَ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ . 20652 - وَفِي هَذَا مِنَ الْفِقْهِ : أَنَّ الْعِدَةَ وَاجِبٌ الْوَفَاءُ بِهَا وُجُوبَ سُنَّةٍ ، وَذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ . 20653 - وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَيُّ الْمُؤْمِنِ وَاجِبٌ ، أَيْ وَاجِبٌ فِي أَخْلَاقٍ الْمُؤْمِنِينَ . 20654 - وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَرْضًا لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَعَدَ بِمَالٍ مَا كَانَ لَمْ يَضْرِبْ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ كَذَلِكَ قُلْنَا : إِيجَابُ الْوَفَاءِ بِهِ حَسَنٌ فِي الْمُرُوءَةِ ، وَلَا يُقْضَى بِهِ . 20655 - وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنٌ ، يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ وَالْمَدْحَ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَى الْخُلْفِ فِي ذَلِكَ الذَّمَّ . 20656 - وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى مَنْ صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَوَفَى بِنَذْرِهِ ، وَكَفَى بِهَذَا مَدْحًا وَبِمَا خَالَفَهُ ذَمًّا . 20657 - وَالْوَأْيُ : الْعِدَةُ . 20658 - وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى النَّاسِ بِهَا وَأَنْذَرَهُمْ إِلَيْهَا ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتَهُ أَدَّى ذَلِكَ عَنْهُ ، وَقَامَ مَقَامَهُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُهَا مِنْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْعِدَةِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِدَةَ لَمْ تكُنْ شَيْئًا ادَّعَاهُ جَابِرٌ فِي ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ . 20659 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِدَةِ ، وَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهَا . 20660 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَالِّ ، هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا يَلْزَمُ ؟ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ : 20661 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : مَنْ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا : دَنَانِيرَ ، أَوْ دَرَاهِمَ ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ طَاعَ لَهُ ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْأَجَلِ ، ثُمَّ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فِي ذَلِكَ ، وَأَرَادَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْحِسْبَةِ وَالصَّدَقَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا . 20662 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الْحُجَّةِ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ . 20663 - وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُتَصَرَّفُ فِي الصَّدَقَاتِ ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْهِبَاتِ . 20664 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا الْعِدَةُ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يَهَبَ لَهُ الْهِبَةَ ، فَيَقُولُ لَهُ : نَعَمْ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أن لا يَفْعَلَ ، فَمَا أَرَى ذَلِكَ يُلْزِمُهُ . 20665 - قَالَ مَالِكٌ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ قَالَ : نَعَمْ ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ، فَمَا أَحْرَاهُ أَنْ يَلْزَمَهُ إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ . 20666 - وَفِي سَمَاعِ عِيسَى قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : إِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ : بِعْ ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ قَالَ : إِذًا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِنْ بَاعَ بِنُقْصَانٍ . 20667 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ . 20668 - قَالَ عِيسَى : قُلْتُ لَهُ : رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ ، ثُمَّ جَاءَهُ يَسْتَوْضِعُهُ ، فَقَالَ لَهُ : اذْهَبْ بِعْ ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِهَذَا ، نَقْدَهُ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ : انْقُدْنِي وَبِعْ ، وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ ، فَهُوَ الْأَخْيَرُ فِيهِ . 20669 - قَالَ : قُلْتُ : لِمَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ عُيُوبٌ وَخُصُومٌ حُرٌّ . 20670 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا وَعَدَ الْغُرَمَاءَ ، فَقَالَ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ لِهَذَا مِنْ أَيْنَ يُؤَدَّى إِلَيْكُمْ ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ : نَعَمْ ، أَنَا أَقْبَلُ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ . 20671 - قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ اللَّبَّادِ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ الْبَرْقِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَشْهَبَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ لَهُ ابْنَةٌ بِكْرٌ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ : إِنْ طَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ ثَلَاثًا ، فَأَنَا أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي ، فَقَالَ الرَّجُلُ : اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ زَوْجَتِي ثَلَاثًا فَبَدَا لِأَبِي الْجَارِيَةِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ ، فَقَالَ أَشْهَبُ : فَوَعَدَهُ مَا خَلَفَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أن يُزَوِّجَهُ . 20672 - قَالَ أَشْهَبُ : وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَبُو الْجَارِيَةِ : إِنْ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ ثَلَاثًا ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي ، فَقَالَ الرَّجُلُ : اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي ثَلَاثًا ، فَبَدَا لِأَبِي الْجَارِيَةِ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَنَّ النِّكَاحَ لَازِمٌ لَهُ . 20673 - وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ قَدْ قَيَّدَ أُوجِبُ لَكَ النِّكَاحَ إِنْ أَنْتَ فَرَضْتَ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا ، فَفَرَّقَ أَشْهَبُ بَيْنَ قَوْلِ الْأَبِ : أَنَا أُزَوِّجُكَ ، وَقَدْ زَوَّجْتُكَ ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ : أَنَا أُزَوِّجُكَ عِدَةً مِنْهُ ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ : قَدْ زَوَّجْتُكَ ، وَاجِبًا لَيْسَ لَهُ فِيهِ رُجُوعٌ ، وَإِذَا فَرَضَ لِلْجَارِيَةِ صَدَاقَ مِثْلِهَا . 20674 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رُجُوعِ الْعِدَةِ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِدَةِ فِي السَّلَفِ وَالْعَارِيَّةِ ، أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ : اهْدِمْ دَارَكَ ، وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا تَبْنِيهَا بِهِ ، أَوِ اخْرُجْ إِلَى الْحَجِّ ، وَأَنَا أُسَلِّفُكَ مَا يُبَلِّغُكَ ، أَوِ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا ، أَوْ تَزَوُّجْ ، وَأَنَا أُسَلِّفُكَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ ، وَصَدَاقَ الْمَرْأَةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُدْخِلُهُ فِيهِ وَيُنْشِبُهُ بِهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ يَلْزَمُهُ . 20675 - قَالَ : وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ : أَنَا أُسَلِّفُكَ ، وَأَنَا أُعْطِيكَ ، بِغَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُ الْمَأْمُورَ نَفْسَهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ . 20676 - قَالَ أَصْبَغُ : الْعِدَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ ، وَكَانَتْ بَعْدُ فَهِيَ مَوْضُوعَةُ عَيْنِ الْمُشْتَرِي ، وَتَلْزَمُ الْبَائِعَ . 20677 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : أَمَّا الْعِدَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ ، لَمْ يَقْبِضْهَا فِي الْعَارِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ ، وَهِيَ بِغَيْرِ الْعَارِيَّةِ هِيَ أَشْخَاصٌ وَأَعْيَانٌ مَوْهُوبَةٌ ، لَمْ تُقْبَضْ ، فَلِصَاحِبِهَا الرُّجُوعُ فِيهَا . 20678 - وَأَمَّا الْقَرْضُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ إِلَى أَجَلٍ ، أَوْ إِلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَتَى أَحَبَّ ، وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَرْضِ الْبَتَّةَ بِحَالٍ ، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْمَغْصُوبِ وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ ، إِلَّا زُفَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِي الْقَرْضِ ، وَلَا فِي الْغَصْبِ وَاضْطَرَبَ قَوْلُ يُوسُفَ فِي هَذَا الْبَابِ . 20679 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَخَّرَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَتَى شَاءَ ، سَوَاءً كَانَ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ غَيْرِ قَرْضٍ ، أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، فَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَغَيْرُهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعِدَةِ وَالْهِبَةِ غَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَهِبَةِ مَا لَمْ يَخْلَقْ . 20680 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَيَبْرَأُ ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِقَضَاءِ مَنْ قَضَى عَنْهُ . 20681 - وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَدْ وَعَدَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى صَدَقَةِ سَعْدِ هَدِيمٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ إِنْفَاذًا لِرَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 20682 - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُورَةَ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْكِنْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : أَمَرَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا ، فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا فَأَتَانَا مَوْتُهُ ، فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا ، فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَةٌ ، فَلْيَجِيءْ فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَأَمَرَ لَنَا بِهَا . 20683 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ غَرِيبٌ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الدَّفْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْفَاذِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِدَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ · ص 81 1006 - وحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ : قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي ، فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ . 1024 1006 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْأَعْلَامِ يُعْرَفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ( أَنَّهُ قَالَ ) مُنْقَطِعٌ ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو : بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) فِي خِلَافَتِهِ ( مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ) بِلَفْظِ تَثْنِيَةٍ نَحْوَ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِنَ الْخُمُسِ أَوْ مِنَ الْفَيْءِ . ( فَقَالَ ) عَلَى لِسَانِ الْمُنَادِي ( مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأْيٌ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ وَأَى بِزِنَةِ وَعَى ، وَعْدٌ وَضَمَانٌ ( أَوْ عِدَةٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ؛ أَيْ : وَعْدٌ ، وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي اللَّفْظِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى ، وَفِي الْبُخَارِيِّ : دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ ، ( فَلْيَأْتِنِي ) أَفِ لَهُ بِهِ ( فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ) جَمْعُ حَفْنَةٍ وَهِيَ مَا يَمْلَأُ الْكَفَّيْنِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حَفَنَ لَهُ حَفْنَةً وَقَالَ : عِدَّهَا ، فَوَجَدَهَا خَمْسَمِائَةٍ ، فَقَالَ لَهُ : خُذْ مِثْلَيْهَا . فَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ؛ أَيْ : ثَلَاثًا ، فَلَمَّا قُبِضَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ، فَحَثَى لِي ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَحَثَى حَثْيَةً ، وَقَالَ : عِدَّهَا ، فَوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ ، قَالَ : فَخُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ . وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا فَقَالَ : احْثُ ، فَحَثَوْتُ حَثْيَةً ، فَقَالَ لِي : عِدَّهَا ، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ ، فَأَعْطَانِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْحَثْيَةِ الْحَفْنَةُ عَلَى مَا قَالَ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى ، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ لُغَةً أَنَّ الْحَثْيَةَ مِلْءُ كَفٍّ وَاحِدٍ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَمَّا كَانَ وَعْدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْدَهُ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ ، وَأَشَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى النَّاسِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَدَّى أَبُو بَكْرٍ مَوَاعِيدَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ جَابِرًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا فِي ذِمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمَوْكُولِ أَمْرُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَوَفَّاهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ . هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ : سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ، فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَلَيَّ ، قَالَ : قُلْتُ : تَبْخَلُ عَلَيَّ ، وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ ، مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ وَإِنَّمَا أَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ إِعْطَاءَ جَابِرٍ حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِكَ ، إِمَّا لِأَمْرٍ أَهَمُّ مِنْهُ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الطَّلَبِ ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الطَّالِبُونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَنْعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِذَا قَالَ لَهُ مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ . . . إِلَخْ . وَهَذَا الْمَالُ الْآتِي فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ غَيْرُ الْمَالِ الْآتِي مِنَ الْبَحْرَيْنِ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ بِمَالٍ ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ انْصَرَفَ ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ ، وَقَالَ : أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ ، قَالُوا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ : أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ مِائَةَ أَلْفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .