1048 حَدِيثٌ حَادِيَ عَاشِرَ لِرَبِيعَةَ مُنْقَطِعٌ مُتَّصِلٌ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا ، فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَقَالُوا : هُوَ مِنْهَا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَكَ فِيهَا أَمْرٌ ، فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا ، يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَسْمَعْ رَبِيعَةَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ رَبِيعَةَ ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ تَرْكُ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَكٌّ ، حَتَّى يُسْتَبْرَأَ ذَلِكَ بِالسُّؤَالِ وَالْبَحْثِ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ النَّاسِخُ ، وَالْمَنْسُوخُ ، كَمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَمَّا فِي الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ عَنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ الْبَتَّةَ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ الشَّيْءِ أَنَّهُ كَانَ أَوْ يَكُونُ ، إِذَا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنَ السَّهْوِ أَوِ الْكَذِبِ ، وَذَلِكَ لَا يُعْزَى إِلَى اللَّهِ ، وَلَا إِلَى رَسُولِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ رَبِّهِ فِي دِينِهِ ، وَأَمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، فَجَائِزٌ عَلَيْهِمَا النَّسْخُ لِلتَّخْفِيفِ ، وَلَمَّا شَاءَ اللَّهُ مِنْ مَصَالِحِ عِبَادِهِ ، وَذَلِكَ مِنْ حِكْمَتِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ مِنَ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ النَّسْخَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَضَاهَوْا فِي ذَلِكَ قَوْلَ الْيَهُودِ ، وَلَوْ أَمْعَنُوا النَّظَرَ لَعَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْبَدَاءُ كَمَا زَعَمُوا ، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَوْتِ بَعْدَ الْحَيَاةِ ، وَالْكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ ، وَالْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِئَلَّا نَخْرُجَ عَمَّا قَصَدْنَاهُ . وَفِيهِ أَنَّ النَّهْيَ حُكْمُهُ إِذَا وَرَدَ أَنْ يُتَلَقَّى بِاسْتِعْمَالِ تَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، وَأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ حَتَّى يَصْحَبَهُ دَلِيلٌ مِنْ فَحْوَى الْقِصَّةِ وَالْخِطَابِ ، أَوْ دَلِيلٌ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَى بَابِ الْإِرْشَادِ ، وَالنَّدْبِ . وَفِيهِ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَصَحَّ تَعَارُضُهُ ، وَلِذَلِكَ لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي إِجَازَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَقَبْلَ ثَلَاثٍ ، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَتْ عَمْرَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ بَيَانَ الْعِلَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مَحَبَّةً فِي الصَّدَقَةِ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي كَانَتْ قَدْ دَفَّتْ عَلَيْهِمْ يَعْنِي الْجَمَاعَةَ مِنَ الْفُقَرَاءِ الْقَادِمَةَ عَلَيْهِمْ . وَرَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ نُبَيْشَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ ; لِكَيْ تَسَعَكُمْ ، فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَائْتَجِرُوا ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي حَدِيثِ نُبَيْشَةَ الْخَيْرِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَائْتَجِرُوا ، وَمَعْنَاهُ : اتَّخِذُوا الْأَجْرَ فِيمَا تَتَصَدَّقُونَ بِهِ مِنْهَا ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ الْمُتَقَدَّمُ ذِكْرُهُ ، فِيهِ : فَكَلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا وَمَعْنَاهُمَا عِنْدِي وَاحِدٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَكَلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِبَاحَةُ لَا الْإِيجَابُ ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ يَأْتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَعْدَ حَظْرٍ ، وَمَنْعٍ تَقَدَّمَهُ ، فَمَعْنَاهُ الْإِبَاحَةُ لا غير ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ لَمَّا حُظِرَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَمُنِعَ مِنْهُ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ أَنْ حَلَّ : اصْطَدْ إِذَا حَلَلْتَ ، كَانَ ذَلِكَ إِبَاحَةً لَهُ فِي الِاصْطِيَادِ ، لَا إِيجَابًا لِذَلِكَ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَمِثْلَ ذَلِكَ : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَهَذَا أَصْلٌ جَسِيمٌ فِي الْعِلْمِ فَقِفْ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا ، فَجَائِزٌ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ أُضْحِيَتَهُ كُلَّهَا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا كُلَّهَا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَدَّخِرَ وَأَنْ لَا يَدَّخِرَ ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ ، وَيَكْرَهُونَ لَهُ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ مِنْهَا بِشَيْءٍ . وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ ثُلْثَهَا ، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلْثٍ ، وَيَدَّخِرَ ثُلْثًا عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ . وَكَانَ غَيْرُهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصْفٍ ، وَيَأْكُلَ نِصْفًا لِقَوْلِ اللَّهِ فِي الْبُدْنِ : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ وَأَمَّا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، وَيَتَصَدَّقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا . حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِيَّتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ثَوْبَانُ ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ الْأُضْحِيَةِ ، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ادِّخَارُ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ ، وَفِيهِ الضَّحِيَّةُ فِي السَّفَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا مَعْنَاهُ لِسُرْعَةِ الشِّدَّةِ فِيهَا ، وَلِهَذَا ثَبَتَ عَلَى كَرَاهِيَةِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ النَّاسِخِ : وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَكَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِيهَا خَوْفًا مِنْ مُوَافَقَةِ الْمُسْكِرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَإِنِ انْتَبَذَ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْ مُسْكِرًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ . وَالْأَوْعِيَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا : هِيَ الدُّبَّاءُ ، وَالنَّقِيرُ ، وَالْحَنْتَمُ ، وَالْمُزَفَّتُ ، وَالْمُقَيَّرُ ، وَالْجَرُّ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا . وَبِذِكْرِ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ ، وَرَدَتِ الْآثَارُ فِي كَرَاهِيَةِ النَّبِيذِ فِيهَا . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَيَانِ الِانْتِبَاذَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِحَالٍ ، لِمَا رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النَّهْيِ عَنْهَا وَعَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : الْجَرُّ كُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ ، وَكَانَا لَا يُجِيزَانِ النَّبِيذَ إِلَّا فِي الْجُلُودِ ، بَعْضُهُمْ يَقُولُ : أَسْقِيَةُ الْأُدُمِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : الْجِلْدُ الْمُوَكَّا عَلَيْهِ ، وَنَحْوُ هَذَا . وَابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُقَيَّرِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : الْمُزَفَّتِ ، وَالْحَنْتَمِ . وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنِ اشْتَدَّ فِي الْأَسْقِيَةِ ؟ قَالَ : فَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ : أَهْرِقُوهُ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ مُوَاقَعَةِ الْحَرَامِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهِيَةُ بَاقِيَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ الْخَشْيَةَ أبدا غير مُرْتَفِعَةٌ ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ ، كَشْفًا عَنِ الْمُرَادِ ، لَا أَنَّهُ نَسْخٌ أَبَاحَ فِيهِ مَا حَرَّمَ قَبْلُ ، هَذَا مَا يَحْضُرُنِي مِنَ التَّأْوِيلِ فِيهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ مَا ذَكَرْنَا : مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَوْعِيَةِ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا ، قَالَ : فَلَا إِذًا . وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَرِوَايَتِهِمْ لَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، وَلَا يَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا لَمَّا خَشِيَ مِنْ سُرْعَةِ الْفَسَادِ إِلَى النَّبِيذِ فِي هَذَيْنِ الظَّرْفَيْنِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُزَفَّتِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَكْرَهُ مِنَ الْأَنْبِذَةِ - إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّرَابُ يُسْكِرُ - شَيْئًا بَعْدَ مَا سُمِّيَ فِي الْآثَارِ مِنَ الْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا بِأَنَّ مَالِكًا ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَالشَّافِعِيَّ رَوَوُا الْآثَارَ النَّاسِخَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَنْهُمْ رُوِّينَاهَا ، فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهِيَتِهِمُ الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ مَعَ سُرْعَتِهِمْ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْآثَارِ الْمُسْنَدَةِ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الْأَوَانِي ، وَحُجَّتُهُمُ الْآثَارُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا النَّسْخُ لِمَا قَبْلَهَا ، وَرَوَوْا عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْبِذُ لَهُ فِي جَرَّةٍ خَضْرَاءَ ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ . فَأَمَّا الْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ : فَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْعِتْوَارِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ أَصْبَحْتَ غَادِيًا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لُحُومِ الْأَضَاحِي ، وَادِّخَارِهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَفِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَفِي الْأَنْبِذَةِ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي ، وَادِّخَارِهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ فَكَلُّوا ، وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ ، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَإِنْ زُرْتُمُوهَا فَلَا تَقُولُوا : هُجْرًا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَنْبِذَةِ فَاشْرَبُوا كَمَا بَدَا لَكُمْ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَنَذْكُرُهُ بَعْدُ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَوَى وَاسِعُ بْنُ حَبَّانَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَحْوَهُ ، وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَإِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُورُوهَا تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ ، وَإِنَّ الْأَوْعِيَةَ لَا تَحُلُّ شَيْئًا مِنْهَا ، وَلَا تُحَرِّمُهُ ، فَاشْرَبُوا فِيهَا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فَاحْبِسُوا مَا بَدَا لَكُمْ . وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ ، وَإِنِّي آمُرُكُمْ بِهِنَّ : عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ; فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ أَنْ تَشْرَبُوا إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأْكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا ، وَاسْتَمْتِعُوا بِهَا فِي أَسْفَارِكُمْ . وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ قَالَ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُورُوهَا مَا بَدَا لَكُمْ ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِذَلِكَ أَنْ يُوَسِّعَ أَهْلُ السَّعَةِ عَلَى مَنْ لَا سَعَةَ لَهُ ، فَكُلُوا مِمَّا بَدَا لَكُمْ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ لَا تَحُلُّ شَيْئًا ، وَلَا تُحَرِّمُهُ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إِبَاحَةٌ ، فَمَنْ شَاءَ انْتَبَذَ ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْتَبِذْ ، وَمَنْ شَاءَ زَارَ الْقُبُورَ ، وَمَنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَزُرْ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُقَيَّرِ ، وَالْمُزَفَّتِ فَانْتَبِذُوا ، وَلَا أُحِلُّ مُسْكِرًا . وَرَوَى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ ، أَوْ نَحْوَهُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ : شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَهَى عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، وَشَهِدْتُهُ حِينَ أَمَرَ بِشُرْبِهِ فَقَالَ : اجْتَنِبُوا الْمُسْكِرَ . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الطَّائِفِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ضَمْرَةُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَلَّ نَبِيذَ الْجَرِّ بَعْدَ أَنْ حَرَّمَهُ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ النَّابِغَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ ، فَانْتَبِذُوا فِيمَ بَدَا لَكُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمُسْكِرَ ، فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَإِنْ زُرْتُمُوهَا فَلَا تَقُولُوا : هُجْرًا . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَفَّافُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ الدَّقَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ ، فَانْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ ، وَكُلُوا ، وَادَّخِرُوا ، وَتَزَوَّدُوا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَلُحُومِ الْأَضَاحِي أَنْ تُحْبَسَ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، وَعَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، ثُمَّ إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ; فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَكَلُّوا ، وَأَطْعِمُوا ، وَادَّخِرُوا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ ، فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي الظُّرُوفِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْهَا ، وَانْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَلَيْسَ لِسَلَمَةَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ أَجَازَ شُرْبَ النَّبِيذِ الصَّلْبِ بِأَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنْ شُرْبِ النَّبِيذِ هُوَ مَا أَسْكَرَ شَارِبَهُ مِنْهُ ، وَمَا لَمْ يُسْكِرْهُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَالْمُسْكِرُ مِثْلُ الْمُحَنْتَمِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، وَالْمُبَشَّمِ والموخم وَالْمُشَبَّعِ ، وَهُوَ مَا أَشْبَعَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَأَتْخَمَ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَكَلَ لُقْمَةً وَاحِدَةً : أَكَلَ مَا يُتْخِمُهُ ، وَيُشْبِعُهُ ، وَأَكْثَرُوا مِنَ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا وَجْهَ لِإِيْرَادِهِ هَاهُنَا . وَقَالُوا : قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ كُلِّهَا ، وَلَا تَسْكَرُوا بَعْدَ أَنْ كَانَ نَهَاهُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي بَعْضِهَا قَالُوا : وَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ : اشْرَبُوا مَا لَا يُسْكِرُ قَلِيلُهُ وَلَا كَثِيرُهُ ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَسْكَرُوا ; لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُضَافَ مِثْلُهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحُلْوَ الَّذِي لَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ وَلَا قَلِيلُهُ ، لَيْسَ يُقَالُ فِي مِثْلِهِ : اشْرَبْ مِنْهُ ، وَلَا تَسْكَرْ ، وَأَتَوْا بِضُرُوبٍ مِنْ خَطَأِ الْقَوْلِ ، وَالتَّعَسُّفِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَلْزَمُ . وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ ، وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فِيمَا ذَكَرُوهُ ، وَيُوهِمُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ قَلِيلِ الْجِنْسِ مِنَ الْمُسْكِرِ وَكَثِيرِهِ ، لَا عَنِ الْفِعْلِ مِنْ فِعْلِ الشَّارِبِ ، وَخَرَجَ الْقَوْلُ فِي نَبِيذِ الظُّرُوفِ عَلَى خَوْفِ الشِّدَّةِ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ إِسْحَاقَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ : وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، وَلَا تَقُولُوا : هُجْرًا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ إِبَاحَةُ عُمُومٍ ، كَمَا كَانَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَتِهَا نَهْيُ عُمُومٍ ، ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى الْعُمُومِ ، فَجَائِزٌ لِلنِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَجُلًا ، وَلَا امْرَأَةً . اهـ . حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَافِظُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ سَعِيدُ بْنُ السَّكَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْخَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فِي أَلْفِ مُقَنَّعٍ ، قَالَ : فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ يَوْمِئِذٍ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : قَالَ لِيَ ابْنُ صَاعِدٍ : كَانَ حَمِيدٌ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً . قَالَ أَبُو عُمَرَ . زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْيَمَانِ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ يَرْوُونَهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ مُرْسَلًا ، وَالَّذِي قَالَ : إِنَّ حَمِيدَ بْنَ الرَّبِيعِ انْفَرَدَ بِتَوْصِيلِهِ ، لِأَنَّ الْبَزَّارَ ذَكَرَهُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ مُرْسَلًا ، وَذَكَرَهُ الْبَزَّازُ أَيْضًا ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ مُتَّصِلًا كَمَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا اقْتَضَتِ الْإِبَاحَةُ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَجَائِزٌ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ لِمَا خَصَّصَ فِي ذَلِكَ ، وَاحْتَجُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْنٍ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّائِرَاتِ لِلْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ . وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ سَوَاءٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ الْإِبَاحَةِ ، وَتَوَقِّي ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ الْمُتَجَالَّاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ ، فَأَمَّا الشَّوَابُّ ، فَلَا تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِنَّ ، وَبِهِنَّ ، حَيْثُ خَرَجْنَ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ أَفْضَلُ مِنْ لُزُومِ قَعْرِ بَيْتِهَا ، وَلَقَدْ كَرِهَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ خُرُوجَهُنَّ إِلَى الصَّلَوَاتِ ، فَكَيْفَ إِلَى الْمَقَابِرِ ؟ وَمَا أَظُنُّ سُقُوطَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَنْهُنَّ إِلَّا دَلِيلًا عَلَى إِمْسَاكِهِنَّ عَنِ الْخُرُوجِ فِيمَا عَدَاهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَحْمَدَ الْوَرَّاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَلِيكَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ أَقْبَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْمَقَابِرِ فَقُلْتُ لَهَا : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ ؟ قَالَتْ : مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقُلْتُ لَهَا : أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، قَالَتْ : نَعَمْ ، كَانَ نَهَى عَنْ زِيَارَتِهَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَلِيكَةَ ، قَالَ : زَارَتْ عَائِشَةُ قَبْرَ أَخِيهَا فِي هَوْدَجٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزُورُ قَبْرَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كُلَّ جُمُعَةٍ ، وَعَلَّمَتْهُ بِصَخْرَةٍ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَزُورُ الْقَبْرَ فَقَالَ : أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، عَائِشَةُ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا قَالَ : وَلَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا أَبُو صَالِحٍ مَاذَا ؟ كَأَنَّهُ يُضَعِّفُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَائِشَةُ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَالرِّجَالُ ، قَالَ : أَمَّا الرِّجَالُ فَلَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ حَدِيثُ : لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَمِنْ غَيْرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ بَحْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَبِهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مَلِيكَةَ يَقُولُ : رَكِبَتْ عَائِشَةُ فَخَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامُهَا فَقُلْتُ : أَيْنَ ذَهَبَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : ذَهَبَتْ إِلَى قَبْرِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا · ص 214 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث النَهي عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ · ص 165 1046 ( 4 ) بَابُ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي . 1003 - مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ ، كُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَادَّخِرُوا . 1004 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَتَ : صَدَقَ . سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقُولُ : دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ . وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ ، قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَا ذَلِكَ ، أَوْ كَمَا قَالَ : قَالُوا : نَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ . فَكُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . يَعْنِي بِالدَّافَّةِ ، قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ . 1005 - مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا . فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى . فَقَالُوا : هُوَ مِنْهَا . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَكَ أَمْرٌ . فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ . فَأُخْبِرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ . فَكُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ ، فَانْتَبِذُوا . وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا . وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا . يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا . 21433 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ بَيْنِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . 21434 - وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ ، وَالْإِلْحَادِ الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 21435 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ النَّهيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً ، فَنُسِخَتْ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةٍ الدَّافَّةِ . 21436 - وَمَعْنَى الدَّافَّةِ : قَوْمٌ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَسَاكِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ . 21437 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ ، وَالشَّوَاهِدَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ . 21438 - وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ ، كِفَايَةٌ فِيمَا وَصَفْنَا . 21439 - قَالَ الْخَلِيلُ : الدَّافَّةُ : قَوْمٌ يَدِّفُّونَ ، أَيْ يَسِيرُونَ سَيْرًا لَيِّنًا . 21440 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَجْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ ، فَمَعْنَاهُ يُذِيبُونَ مِنْهَا الشَّحْمَ ، وَهُوَ الْوَدَكُ ، يُقَالُ مِنْهُ : جَمُلْتُ الشَّحْمَ ، وَأَجْمَلْتُهُ ، وَاجْتَمَلْتُهُ : إِذَا أَذَبْتُهُ . 21441 - وَالِاجْتِمَالُ أَيْضًا الِادِّهَانُ بِالْجَمِيلِ وَهِيَ الْإِهَالَةُ . 21442 - وَأَمَّا حَدِيثُ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، مُنْقَطِعٌ ، لِأَنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَلْقَ أَبَا سَعِيدٍ ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ ، قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا كَثِيرًا فِي التَّمْهِيدِ . 21443 - وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . 21444 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُلَازَمَةَ رَبِيعَةَ الْقَاسِمَ حَتَّى كَانَ يَغْلِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ . 21445 - وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ . 21446 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، وَوَجْدَ عِنْدَ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَكَ فِيهِ أَمْرٌ فَخَرَجَ ، فَلَقِيَ أَخًا لَهُ مِنْ أُمِّهِ ، يُقَالُ لَهُ : قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَدْ شَمَّرَ بِرِدَاءٍ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ ، يَقُولُ : إِنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ . 21447 - وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 21448 - وَالصَّحِيحُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ رَوَى النَّسْخَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَخِيهِ لِأُمِّهِ قَتَادَةَ بْنِ نُعْمَانَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 21449 - وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَبُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، وَجَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، وَغَيْرُهُمْ . 21450 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ فِي التَّمْهِيدِ . 21451 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ ، إِشْفَاقُ الْعَالِمِ عَلَى دِينِهِ ، وَتَعْلِيمُهُ أَهْلَهُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُونَهُ مِنْهُ وَتَرْكُ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا حَاكَ فِي صَدْرِهِ . 21452 - وَفِيهِ : أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ مَنْسُوخٍ ، بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ . 21453 - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . 21454 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا ، فَكَلَامٌ خَرَجَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَمَعَنَاهُ الْإِبَاحَةُ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَرَدَ بَعْدَ نَهْيٍ . 21455 - وَهَكَذَا شَأْنُ كُلِ أَمْرٍ يَرِدُ بَعْدَ حَصْرٍ أَنَّهُ إِبَاحَةٌ ، لَا إِيجَابٌ . 21456 - مِثْلُ قَوْلِهِ : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا 21457 - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ 21458 - وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا ، وَيَصَّدَّقَ بِثُلُثِهَا ، وَيَدَّخِرَ ثُلُثَهَا ؟ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَلُّوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا . 21459 - وَكَانَ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الِاسْتِحْبَابِ : الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ . 21460 - وَكَانَ غَيْرُهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ نِصْفًا وَيُطْعِمَ نِصْفًا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْهَدَايَا : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ 21461 - وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : يَأْكُلُ وَيَتَصَدَّقُ . 21462 - وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا اسْتِحْبَابٌ لَا إِيجَابٌ حَدِيثُ ثَوْبَانَ قَالَ : ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِيَّتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ثَوْبَانَ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ الْأُضْحِيَّةِ ، قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ . 21463 - وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ هَذَا ادِّخَارُ لَحْمِ الضَّحِيَّةِ ، وَأَكْلُهُ . 21464 - وَفِيهِ الضَّحِيَّةُ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي التَّمْهِيدِ . 21465 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ ، فَانْتَبِذُوا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَهِيَ النَّقِيرُ ، وَالْمُزَفَّتُ ، وَالدُّبَّاءُ ، وَالْحَنْتَمُ ، وَالْجَرُّ ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ طِينٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْعِيَةَ إَذَا تَكَرَّرَ فِيهَا الِانْتِبَاذُ أَسْرَعَتْ إِلَى مَا يُنْبَذُ فِيهِ الشِّدَّةُ . 21466 - وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابُهُ ، وَسَائِرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَنْتَبِذُونَ فِي أَسْقِيَةِ الْأُدُمِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْرِعُ الشِّدَّةُ إِلَى مَا يُنْتَبَذُ فِيهَا . 21467 - وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُجَوِّزَانِ الِانْتِبَاذَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْعِيَةِ غَيْرَ الْأَسْقِيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا رَوَيَا النَّهْيَ عَنْهَا ، وَلَمْ يَرْوِيَا النَّسْخَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمَا عَلَى مَا عَلِمَا . 21468 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، فَلَمْ يُجِزِ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُزَفَّتِ . 21469 - وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَكْرَهُ الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَأْثُورَةِ . 21470 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : كَرِهَ مَالِكٌ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ ، وَلَمْ يَكْرَهْ غَيْرَ ذَلِكَ . 21471 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا كَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمُسَمَّاةِ فِي الْأَحَادِيثِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِعِلَّةِ مَا تُوَلِّدُهُ مِنْ إِسْرَاعِ الشِّدَّةِ فِي الْأَنْبِذَةِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ ، فَخَافُوا مُوَاقَعَةَ الْحَرَامِ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَحْفَظُ ، فَاحْتَاطُوا ، وَبَنَوْا عَلَى أَصْلِ النَّهْيِ ، وَلَمْ يَقْبَلُوا رُخْصَةَ النَّسْخِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 21472 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ خُوَارٍ الضَّبِّيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ تُصِيبُ أَغْصَانُهَا وَجْهَهُ ، وَقَالَ : أَلَّا إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا ، فَإِنَّهَا عِبْرَةٌ ، وَنَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحْمَانِ الْأَضَاحِي أَنْ تَأَكُلُوهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَأَصْلِحُوهَا ، وَكُلُوهَا ، وَنَهَيْنَاكُمْ عَنِ الْأَنْبِذَةِ إِلَّا فِي أَسْقِيةِ الْأُدُمِ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا ، فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٍ . 21473 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي جَمِيعِ الْأَوْعِيَةِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ النَّهْيِ : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ فَانْتَبِذُوا فِيمَا شِئْتُمْ ، أَوْ فِيمَا بَدَا لَكُمْ . 21474 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِالنَّسْخِ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ . 21475 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : 21476 - فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ النَّهْيُ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ كَذَلِكَ بِالْإِبَاحَةِ عَامًّا أَيْضًا ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ . 21477 - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَزُورُ قَبْرَ حَمْزَةَ . 21478 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنْهُمَا بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 21479 - وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا وَرَدَ النَّسْخُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ ، لَا لِلرِّجَالِ لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ زِيَارَةِ النِّسَاءِ لِلْقُبُورِ بِذَلِكَ ، وَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْإِبَاحَةِ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ الزِّيَارَةُ أُبِيحَتْ لِلرِّجَالِ دُونَهُنَّ لِلْقَصْدِ فِي ذَلِكَ بِاللَّعْنِ إِلَيْهِنَّ . 21480 - وَذَكَرُوا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ ، وَالسُّرُجَ . 21481 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ بَاذَامُ ، وَيُقَالُ : بَاذَانُ بِالنُّونِ ، وَهُوَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ . 21482 - وَحَدِيثُ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ . 21483 - وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَهَا فِي التَّمْهِيدِ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ · ص 115 1033 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى ، فَقَالُوا : هُوَ مِنْهَا ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَكَ أَمْرٌ ، فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضْحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا ، يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا . 1048 1033 - ( مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ( الْخُدْرِيِّ ) لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَسْمَعْ رَبِيعَةَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْهُمُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَعْلُومٌ مُلَازَمَةُ رَبِيعَةَ لِلْقَاسِمِ حَتَّى كَانَ يَغْلِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ ( أَنَّهُ قَدِمَ ) بِكَسْرِ الدَّالِ ( مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ ) بِفَتْحِ الدَّالِ الثَّقِيلَةِ ( إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا ) أَيْ : وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ( فَقَالَ : انْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضْحَى ، فَقَالُوا : هُوَ مِنْهَا ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهَا ؟ فَقَالُوا ) أَيْ : أَهْلُهُ ؛ أَيْ : زَوْجَتُهُ ( إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَكَ أَمْرٌ ) نَاقِضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِيهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : أَخِّرُوهُ لَا أَذُوقُهُ ( فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ ) مِنْ بَيْتِهِ ( فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ) وَفِي الْبُخَارِيِّ : فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ حَتَّى آتِيَ أَخِي قَتَادَةَ : أَيِ : ابْنَ النُّعْمَانِ ، وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِي : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أَمْرٌ ( فَأُخْبِرَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : نَهَيْتُكُمْ ) أَيْ : عَنْ إِمْسَاكِهَا وَادِّخَارِهَا وَالْأَكْلِ مِنْهَا ( بَعْدَ ثَلَاثٍ ) مِنَ الْأَيَّامِ ، ابْتِدَاؤُهَا مِنْ يَوْمِ الذَّبْحِ أَوْ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَأَمَرْتُكُمْ بِالتَّصَدُّقِ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : لِيُوَسِّعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لَا طَوْلَ لَهُ ( فَكُلُوا ) زَادَ بُرَيْدَةُ مَا بَدَا لَكُمْ ؛ أَيْ : مُدَّةَ بُدُوِّ الْأَكْلِ لَكُمْ ( وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا ) فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ تَحْرِيمٌ وَلَا كَرَاهَةٌ ، فَيُبَاحُ الْآنَ الِادِّخَارُ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَالْأَكْلُ مَتَى شَاءَ مُطْلَقًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّافِعَةِ لِلْمَنْعِ لَمْ تَبْلُغْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى النَّهْيِ كَعَلِيٍّ ، وَعُمَرَ وَابْنِهِ ؛ لِأَنَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ لَا مُتَوَاتِرَةٌ ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يَبْلُغَ بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قَدْ كَانَ أَكْلُهَا مُبَاحًا ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَكُونُ النَّسْخُ إِلَّا بِالْأَخَفِّ لَا الْأَثْقَلِ وَأَيُّ هَذَيْنِ كَانَ أَخَفَّ أَوْ أَثْقَلَ فَقَدْ نُسِخَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ . ( وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ ) فِي أَوَانِي كَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ ( فَانْتَبِذُوا ) فِي أَيِّ وِعَاءٍ كَانَ ( وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ) أَيْ : مَا شَأْنُهُ الْإِسْكَارُ مِنْ أَيِّ شَرَابٍ كَانَ وَلَا دَخْلَ لِلْأَوَانِي . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحِلُّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُهُ ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَفِيهِ عَنْهُ أَيْضًا : كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَهَذَا نَسْخٌ صَرِيحٌ لِحُرْمَةِ نَهْيِهِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَنَحْوِهِمَا فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ . وَاخْتُلِفَ هَلْ بَقِيَتِ الْكَرَاهَةُ ؟ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ ، أَوْ لَا كَرَاهَةَ ؟ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ . ( وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ) لِحَدَثَانِ عَهْدِكُمْ بِالْكُفْرِ وَكَلَامِكُمْ بِالْخَنَاءِ وَبِمَا يُكْرَهُ فِيهَا ، أَمَّا الْآنَ حَيْثُ انْمَحَتْ آثَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَاسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ وَصِرْتُمْ أَهْلَ يَقِينٍ وَتَقْوَى ( فَزُورُوهَا ) زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الْفَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ؛ أَيْ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَتِهَا مُبَاهَاةً بِالتَّكَاثُرِ فِعْلَ الْجَاهِلِيَّةِ ، أَمَّا الْآنَ فَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُدِمَتْ قَوَاعِدُ الشِّرْكِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُوَرِّثُ رِقَّةَ الْقَلْبِ وَتُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالْبِلَا ( وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ ( يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا ) أَيْ : قَبِيحًا وَفُحْشًا ، وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ النِّسَاءُ فَلَا يُنْدَبُ لَهُنَّ عَلَى الْمُخْتَارِ لَكِنْ يَجُوزُ بِشُرُوطٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ كَانَ النَّهْيُ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثُمَّ نُسِخَ بِالْإِبَاحَةِ الْعَامَّةِ أَيْضًا لَهُمَا ، فَقَدْ زَارَتْ عَائِشَةُ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَزُورُ قَبْرَ حَمْزَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا نُسِخَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، فَالْحُرْمَةُ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ دُونَ الْإِبَاحَةِ لِجَوَازِ تَخْصِيصِهَا بِالرِّجَالِ دُونَهُنَّ بِدَلِيلِ اللَّعْنِ .